النخبة الفلسطينية: صناعة الانقسام وأوهام الانتصار (2)<br> نخبة المعارضة والمجتمع المدني: البحث عن دور ومغنم

بقلم: د. إبراهيم أبراش

لثنائية السلطة والمعارضة خصوصية في الحالة الفلسطينية حيث تغيب الحدود الفاصلة بين الطرفين، فحماس تمثل معارضة في الضفة الغربية فيما تمارس السلطة في الضفة، وحركة فتح تمثل حزب سلطة في الضفة ومعارضة في غزة، وبالنسبة لفصائل منظمة التحرير الأخرى فوضعها أكثر التباسا، فهي وإن لم تشارك كلها في الحكومتين إلا أنها في الضفة جزء من المنظمة والسلطة، وعجبي هنا أن هذه الفصائل التي تشارك في قيادة المنظمة التي أسست السلطة والتي تُشكل مرجعية السلطة وتضفي الشرعية على نهج السلطة والحكومة، الفصائل التي تتلقى قياداتها والآلاف من أطرها وعناصرها رواتبهم من حكومة السلطة، هذه الفصائل تتعامل مع حكومة السلطة وكأنها رجس من عمل الشيطان!.وبعض هذه الفصائل في قطاع غزة تتشارك مع حركة حماس وتنسق معها فيما تسميه نهج المقاومة، ربما كانت حركة الجهاد الإسلامي الجهة الوحيدة التي يمكن تصنيفها كمعارضة بمعنى الكلمة بالرغم من التقائها مع حركة حماس في بعض الأمور.

صحيح أن أحزاب "المعارضة" في غزة كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية ما زالت تبدي نوعا من الانتماء للمقاومة المسلحة من خلال امتلاكها السلاح والمقاتلين وهو الأمر غير الموجود في الضفة المحتلة!، إلا انه بشكل عام ومع مرور الوقت على الانقسام وتداعياته بات دور فصائل "المعارضة" يقتصر على معارضة سلطتي غزة والضفة لفظيا فقط فيما واقعيا تبحث عن دور ومغنم ضمن واقع الانقسام. وبعض هذه الأحزاب باتت خبيرة في تسجيل أخطاء الحزبين الكبيرين والتشهير بهما في مراهِنة منها بأن تراجع شعبية الحزبين الكبيرين سيؤدي لزيادة شعبيتهم، ولكن الواقع يؤكد أن المتساقطين أو المنسحبين من الحزبين الكبيرين لا يذهبون إلى الأحزاب القائمة بل إلى حزب اليأس والإحباط والضياع وألا مبالاة وهو الحزب الأكبر في فلسطين.

لقد فشلت هذه الأحزاب في خلق البديل للحكومتين والسلطتين ولمجمل الحالة الفلسطينية، وللأسف أصبحت تمارس دورا غير أخلاقي سياسيا عندما تضع قدما في المنظمة والسلطة للاستفادة من امتيازاتهما ورواتبهما، وقدما في المعارضة للاستفادة من الجهات المعادية للمنظمة والسلطة ومحاولة كسب تأييد شعبي مفقود، فهذا ما لا يُقبل من أحزاب لها تاريخ نضالي لا يُنكر.

بوعي أو بدون وعي أصبحت قوى المعارضة تلعب دورا في تكريس الانقسام من خلال ازدواجية السلوك في الضفة وغزة، ففي قطاع غزة حيث خرج الجيش الإسرائيلي من داخل القطاع استمرت الفصائل في التسلح وتطوير قدراتها القتالية وامتلاكها أجنحة أو كتائب مسلحة، بينما في الضفة حيث الاحتلال والاستيطان والإذلال اليومي للمواطنين بما يتطلبه ذلك من إستراتيجية مقاومة فعالة، فلا تمارس الفصائل أي عمل عسكري ولا تملك كتائب مسلحة ولا صواريخ ولا حتى مقاومة سلمية وسياستها متماهية تقريبا مع سياسة السلطة!.

ذهب ظننا في البداية أن هذه الفصائل ومعها حركة حماس والجهاد تريد تحويل قطاع غزة لهانوي فلسطين، أي قاعدة قتالية تنطلق منها لتحرير بقية فلسطين وقد تحدث أكثر من مسئول فصائلي أن سلطة وطنية مقاتلة في قطاع غزة لا تعتبر خروجا عن سياسة منظمة التحرير التي أجاز مجلسها الوطني في نقاطه العشرة عام 1974 " قيام سلطة وطنية مقاتلة على أي أرض فلسطينية يتم تحريرها أو تُعطى لنا " ، إلا أن الذي جرى أن هذه الفصائل التزمت بتهدئة مع إسرائيل في قطاع غزة وبالتالي لم تعد هناك مقاومة لا في الضفة ولا في غزة، والأكثر غرابة أن تخرج علينا أخيرا الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين بدعوة لتبني (إستراتيجية دفاعية) في قطاع غزة الأمر الذي اسقط مقولة تحويل قطاع غزة لهانوي فلسطين، وسؤالنا للجبهة الديمقراطية ومن يؤيدها في إستراتيجيتها الجديدة: في حالة التزامها بالإستراتيجية الدفاعية فمن سيحرر فلسطين؟.وفي ظل هدنة وإستراتيجية دفاعية في قطاع غزة وغياب أي شكل من أشكال المقاومة في الضفة وبقية فلسطين، فما هو دور الفصائل والأحزاب الفلسطينية غير التسابق على منافع وامتيازات سلطة تحت الاحتلال؟وهل يمكن في ظل هكذا حالة تسمية هذه الفصائل بأنها فصائل مقاومة أو حركة تحرر وطني؟ وهل يمكن المراهنة عليها لتحرير الضفة الغربية والقدس ولا نريد القول بتحرير فلسطين؟

أما ما تسمى بجماعات المستقلين فلا وجود فعال لها على أرض الواقع حتى الآن مع أن الساحة الفلسطينية تحتاج لحالة سياسية جديدة. الخطأ والخطورة في هؤلاء أنهم يقدمون أنفسهم باسم المستقلين، فهذه التسمية قد توحي بأن كل غير منتم للأحزاب تابع لهم وهذا يعني أنهم يمثلون غالبية الشعب الفلسطيني، وفي الواقع وبعيدا عن الوهم الذي يصنعونه من خلال حسن استعمال الرسائل الكترونية ورسائل الجوال وتوظيف بعض العاملين بالإذاعات المحلية لينقلوا على لسانهم أخبار وتصريحات توحي للمستمع وكأنهم من صناع الحدث، فهم سواء كانوا في غزة أو في الضفة مجرد عشرات الأفراد.وللأسف إنهم يبدؤون من حيث انتهت الفصائل أي التلهف على المواقع والمناصب، وليس تصحيح مسار الحركة الوطنية.

أما نخب مؤسسات المجتمع المدني من مؤسسات إغاثية أو حقوقية أو مراكز دراسات وبحوث أو مراكز تهتم بالديمقراطية والمرأة الخ وخصوصا الكبيرة منها، فكل منها يشكل إمبراطورية خاصة على رأسها مديرها أو مسئولها الأول، وتمويلها يتعاظم دون حسيب أو رقيب.واقع مؤسسات المجتمع المدني لا يقل سوءا عن السلطة والأحزاب، ودور غالبيتها بات يقتصر على تسجيل الأحداث وكتابة التقارير للجهات المانحة من خلال الندوات وورش العمل.فلا يمكن الحديث عن إنجازات مؤسسات مجتمع مدني ما دامت المخرجات هي الواقع الذي نعيشه.الجهات المانحة التي تقدم الملايين لمؤسسات المجتمع المدني لدعم الديمقراطية ليست معنية بتعزيز الديمقراطية بل بإظهار أن الشعب الفلسطيني غير ديمقراطي، وتلك التي تقدم الملايين لدعم المرأة لا تهدف لتعزيز كرامة المرأة وتحريرها من سطوة الثقافة الذكورية السائدة بل تهدف لإظهار أن المرأة الفلسطينية مضطهدة ومتخلفة ولا تتمتع بحقوقها، وتلك التي تقدم الدعم للطفل تريد أن تظهر بأن المجتمع الفلسطيني ظالم بحق الأطفال، أما ما غالبية ما تسمى مراكز البحوث والدراسات فهي مجرد هيئة مكلفة بجمع المعلومات وتقديمها لمن يدفع المقابل، وفي أغلب الحالات تُشكل مؤسسات المجتمع المدني حالة إلهاء للشعب واستقطاب للنخب المثقفة والفاعلة لإبعادها عن ساحة المواجهة الحقيقية مع الاحتلال.

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com

www.palnation.org