يبكون على القدس ويلعنون فاتح القدس

بقلم: بدرالدين حسن قربي

ليس سرّاً أن الإيرانيين الشيعة بعمومهم يسبّون فاتح القدس عمر بن الخطاب رضى الله عنه ويلعنونه، ويحتفون بقاتله أبي لؤلؤة وهو عندهم من المكرّمين. ولكن عقب ثورة 1979 ومجيء الخميني، كان لهم اقتراحهم الذي مضوا عليه سنوياً، بأن يكون يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان يوماً دولياُ لمدينة القدس (بالفارسية: روز جهانی قدس)، فيتم فيه الحشد وإقامة المظاهرات المناهضة للصهيونية في الدول العربية والإسلامية وفي أماكن التجمعات الإسلامية والعربية في مختلف أنحاء العالم. وعليه، فقد كانت المناسبة الأخيرة قبل ثلاثة أيام. وعنها قال الشيخ رائد صلاح تعليقاً على صفحة الفيس بوك للتجمع الفلسطيني لنصرة الثورة السورية:

كل يومٍ هو يوم للقدس، ولا نعترف بأيام يحتفل بها هؤلاء القتلة المجرمون. تجتمعون على قتل إخواننا في سوريا وتنافقون بحبكم للقدس، والله إن القدس بريئة من هذه الاشكال، والله إن القدس لا تتشرف بهذه الأشكال.

وبالمناسبة، فقد كان من كلام الشيخ نفسه في مؤتمر علماء الأمة لنصرة الشعب السوري في استانبول تموز/يوليو 2012:

إن تحرير المسجد الأقصى يبدأ من تحرير المسجد الأموي، وإن تحرير القدس يبدأ من تحرير دمشق، وإن تحرير فلسطين يبدأ من تحرير سوريا. وفي تصريح نشرته مواقع كثيرة منسوب لشيخ الأقصى منذ يومين:

السجانون اليهود أصبحوا يتهكمون على الأسرى ويقولون لهم سنبعثكم أسبوعاً عند بشار الأسد لتعرفوا النعيم الذي تعيشونه.

***

وصل الأسبوع الماضي سمير قنطار إلى تونس لحضور الدورة الثانية من مهرجان الأقصى في مدينة بنزرت، وتمّ استقباله بحفاوة شعبية بالغة. ولكن في كلمةٍ له خلال الاحتفال قال حرفياً: بالروح بالدم نفديك يا بشار، بإذن الجبار لن يسقط بشار، وأتبعها بالتهجم على الثورة السورية وأهلها، مما أهاج الجماهير الحانقة على بشار الجزّار، الغاضبة من فظائع توحشه وإجرامه، وأفقدها صوابها وتعقّلها. فصعدت إلى المنصة بهدف ضربه والنيل منه، وهم ينادون عليه بلهجتهم التونسية: فقط إذا تحدثت عن فلسطين نحطوك على رأسنا وعينينا وإذا جاي تغنّي لبشار هكذا سيكون مصيرك. وإنما فراره وهربه السريع جداً من مخرج الطوارئ الخلفي فوّت عليهم ذلك. ولئن كنت شخصياً من الرافضين لهذا الأسلوب جملة وتفصيلاً ومستغرباً له، فإني أشد استغراباً من موقف سمير قنطار الذي أمضى أسيراً في السجون الإسرائيلية أكثر من ربع قرن، أكمل فيه تعليمه العالي وقضاه في القراءة والمطالعة والتقاط الصور، وهو يعرف معنى الأسر ومراراته وأوجاعه أكثر من غيره بكثير، والذي لم يتعاطف مع حوالي مائة ألف أسير سوري يعانون التعذيب الرهيب والتشبيح والكراسي الكهربائية والإعتداءات الجنسية في سجون نظام يفتديه بروحه ودمه. ولكن مايلفتنا أيضاً، أن مافات على السيد قنطار لم يمرّ على عموم جماهير، حملت يوماً ما صور حسن نصر الله وسمير القنطار في المظاهرات وعلّقت صورهم في بيوتهم، باعتبارهم مقاومين وممانعين لا بوقوفهم خلف نظام فاشي تتقدمه عصابات شبيحة مجرمين، وهو ماتسبّب بحرق شعبيتهم وانصراف الناس عنهم.

***

مراراً وتكراراً يتعمد البعض السؤال عن حسن نيةٍ أو سوئها: هل نسي الثوار السوريون فلسطين؟ فلا كلام لهم عنها وكأنه يريد الغمز واللمز من الثورة وناسها. وفي بعض الجواب: إن السوريين بعمومهم مستغرَقون بفلسطين ولا داعي للمزايدة عليهم. فهم تحملوا ما تحملوا من فظائع ممارسات القمع والاستبداد والفساد عليهم ما لايُحتمل بحجة أن ممارسَه مقاوم ممانع، ولا صوت عنده يعلو على صوت المعركة. ولكن السؤال الرئيس هنا: هل أظهر يوماً سائلنا عن نسيان فلسطين، امتلاك بقية من رحمة ترحّم بها ورقّ قلبه علينا، أو لحسة من إنسانية ترأّف فيها بضعفنا وحاجتنا ولو بالنصيحة لهذا النظام الباطش من أن يصلح من حاله ولو قليلاً؟ إن السوريين وقد انفجر بركان ثورة حريتهم بعد نصف قرن، وقتلاهم باتوا بعشرات الآلاف بأفضال شبيحة المقاومة والممانعة، مازالوا على عهدهم لفلسطين ولم ولن ينسوا، وإنما كل ما يرجونه بعض وقت يدفنون فيه شهداءهم في زمن بات دفن شهيدهم جثّة مكتملة لا أشلاء ممّزعة أمراً في غاية الترف، ويُخرجون فيه من حياتهم إلى الأبد حاكماً، سيسجل التاريخ أن الشام ما عرفت أشد إجراماً منه ومن أبيه حاكماً لها.

بدرالدين حسن قربي