مدينة كيسمايو الصومالية محطة اخرى لقتل المدنيين

كم ستقدم الصومال من ضحايا لطرد المتطرفين؟

نيروبي/مقديشيو ـ يسبب الهجوم على ميناء مدينة كيسمايو الصومالية توتراً حتى قبل أن ينطلق بشكل جدي. وقد أدى الهجوم التمهيدي الذي قامت به قوات الاتحاد الإفريقي المدعومة من الأمم المتحدة على آخر معقل لحركة الشباب المتمردة في الصومال إلى زيادة القتلى في صفوف المدنيين الصوماليين. وهناك مخاوف من أن تقع إصابات أكثر نتيجة لتصاعد العمليات العسكرية الجوية والأرضية والبحرية في هذه المدينة الاستراتيجية.

وكان مارك بودين، المنسق المقيم للشؤون الإنسانية للأمم المتحدة هو آخر شخص ذو منصب رفيع يدق ناقوس الخطر بشأن إجراءات قوات الدفاع الكينية التي تعمل رسمياً تحت لواء بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال.

وقال بودين في بيان له صدر في 14 أغسطس/اب "أشعر بقلق بالغ بشأن التقارير الأخيرة عن سقوط ضحايا من المدنيين في كيسمايو بسبب إطلاق نار من قبل القوات البحرية والضربات الجوية".

وأضاف "بما أن القتال من أجل السيطرة على البلدة يبدو وشيكاً، أكرر دعوتي لجميع أطراف النزاع لبذل كل الجهود الممكنة للحد من تأثير النزاع على المدنيين والسماح بوصول المساعدات الإنسانية بشكل كامل لجميع الناس الذين يحتاجونها".

وقال مسؤول في منظمة غير حكومية تعمل في الصومال أن عمال الإغاثة كانوا قلقين من "ارتفاع حدة القصف العشوائي وسقوط ضحايا من المدنيين على نطاق واسع".

وأضاف المسؤول أنه "فضلاً عن ذلك، قد تمت محاصرة المدنيين في القتال الدائر بين القوات المتنازعة، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من القيود على فرص الحصول على الدعم المنقذ للأرواح والمساعدات الإنسانية في المنطقة حيث الاحتياجات الإنسانية كبيرة- وهي احتياجات بالكاد تم تقييمها بشكل سليم بسبب القيود المفروضة على الوصول إلى هناك".

وكانت حركة الشباب قد منعت العديد من هيئات الإغاثة من العمل في كيسمايو، كما أعاق انعدام الأمن العام في المنطقة أيضاً وصول المساعدات الإنسانية.

ويبلغ عدد سكان المدينة 90 ألف نسمة بالإضافة إلى 77 الفا آخرين يعيشون في المناطق المحيطة.

وبفضل صادرات الفحم غير المشروعة، يعد الميناء مصدراً رئيسياً لدخل المتمردين.

هذا ومن المحتمل أيضاً أن تصبح المدينة عاصمة للمنطقة المقترح أن تتمتع بحكم شبه ذاتي في ظل حكومة اتحادية وشيكة في البلاد- وهي المنطقة التي يشار إليها أحياناً بمبادرة جوبالاند.

القانون الإنساني الدولي

تقول منظمات حقوق الإنسان أن جميع أطراف الصراع في الصومال- بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال وقوات الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها وحركة الشباب والجماعات المسلحة الأخرى– قد انتهكت القانون الإنساني الدولي لا سيما من خلال إطلاق النار العشوائي.

وخلال الفترة الممتدة ما بين أغسطس/اب 2010 وأغسطس/اب 2011، وقعت 4000 ضحية في صفوف المدنيين بسبب القتال في الصومال، بما في ذلك 1000 حالة وفاة وفقاً لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش). وتقوم الآن بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال بإنشاء نظام لتتبع الضحايا المدنيين والقيام بالتحاليل، بالإضافة إلى خلية للاستجابة.

وبعد مرور أسبوعين على نشر جنود قوات الدفاع الكينية في الصومال في أكتوبر/تشرين الثاني 2011، قالت وكالة الإغاثة الطبية (أطباء بلا حدود) أن موظفيها قد قاموا بمعالجة عشرات الجرحى من جراء قصف جوي استهدف مخيم للنازحين في مدينة جليب.

وقد أصرت كينيا على أن طائرتها ضربت فقط مواقع لحركة الشباب. ومنذ ذلك الحين، تعمل قوات الدفاع الكينية تحت إمرة بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال.

وقال كبير المتحدثين باسم البعثة، إلوي ياو أن "بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال تدرك مسؤولياتها بموجب القوانين الإنسانية الدولية".

وأضاف أن " البعثة اعتمدت بهذه الطريقة سياسة بشأن استخدام الأسلحة النارية غير المباشرة وقامت بتدريب قوات حفظ السلام التابعة لها على ذلك. وكما هو الحال في العمليات التي جرت في مقديشيو وضواحيها، يتم مراعاة جميع الاحتياطات بما في ذلك إنشاء مناطق لحظر إطلاق النار من المدفعيات في المناطق الآهلة بالسكان وحول المدارس والمساجد والأسواق".

ولكن عندما سئل عن قصف القوات المسلحة الكينية لكيسمايو في نهاية الأسبوع، قال: "ليست جميع الطائرات العاملة في المجال الجوي الصومالي تعمل تحت قيادة بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال".

وقد كان أحد العوامل التي يمكن أن تحد من الخسائر في صفوف المدنيين هو سجل حركة الشباب في الآونة الأخيرة لتجنب الاشتباكات الكبيرة مع قوات بعثة الاتحاد الإفريقي المتقدمة.

وكما فعلوا في مقديشيو في منتصف عام 2011 يتوقع المحللون أن ينسحب مسلحو حركة الشباب من كيسمايو بدلاً من خوض المعركة.

وحينما سيطرت بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال والحكومة الانتقالية على بلدة أفجوي بالقرب من مقديشيو في مايو/ايار 2012، قاموا باتخاذ خطوات للحد من الخسائر في صفوف المدنيين، من خلال اختيار طرق الهجوم في الممرات بعناية، والتي تتطلب العديد من عمليات التحقق من الأهداف.

ومع ذلك، أوضح مصدر في المجال الإنساني أن تلك العمليات قد عطلت أيضاً الأنشطة الإنسانية وأدت إلى نزوح عشرات الآلاف من السكان، حيث فر العديد منهم تحسباً لوقوع قتال فعلي.

حاجات ملحة

وعلى الرغم من غياب أية تقييمات مفصلة حديثة حول الاحتياجات الإنسانية في كيسمايو، إلا أنه من الواضح أن ندرة وكالات الإغاثة ووجود حركة الشباب قد سبب مشقة كبيرة. وقد أخبر السكان شبكة الأنباء الإنسانية عند الاتصال بهم بالهاتف، أن نقص المواد الغذائية المنخفضة الأسعار ونقص المياه النقية والرعاية الصحية والقيود المفروضة على تحركاتهم كانت من بين المشاكل الرئيسية التي واجهوها.

بلد جائع زاده العطش سوءا
وقال أحد السكان أن "العائلات قد فرت من كيسمايو وأنهم لم يعودوا بعد. وأسرتي من بين هؤلاء الذين فروا".

وقد تلقت منظمة هيومن رايتس ووتش تقارير عن أن حركة الشباب كانت تحاول منع انتقال الناس خارج المدينة. وطبقاً لما ذكرته مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، نزح ما يزيد عن 800 شخص من كيسمايو على مدى الأسابيع الثلاثة الماضية. وهناك تقارير غير مؤكدة تشير إلى زيادة النزوح من المدينة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. وقد أشارت بيانات وكالة تتبع حركة السكان أنه قبل هذه الزيادة كان العديد من الناس يغادرون بسبب نقص المساعدات الإنسانية أكثر من خوفهم من التدخل العسكري.

ولن يكون التقييم الكامل للسكان ممكناً إلا عندما يسمح الموقف على الأرض بذلك. وهناك حاجة إلى تصريح من قسم إدارة شؤون الأمن والسلامة قبل أن تتمكن وكالات الأمم المتحدة من العمل في أي منطقة. وطبقاً لما ذكره البرنامج التشغيلي لتطبيقات الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة، كان هناك حوالى 4 الاف مسكن للنازحين داخلياً في أكثر من 20 موقعاً في جميع أنحاء المدينة.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود- التي تنفذ عمليات طوارئ في كيسمايو- في يوليو أن هناك زيادة في حالات الإسهال المائي الحاد، ويرجع ذلك جزئياً إلى حظر استخدام الكلور.

وقالت منظمة أطباء بلا حدود في بيان لها أن "الكثافة السكانية لكيسمايو قد تؤدي إلى تفشي المرض على نطاق واسع بسهولة إذا لم يتم اتخاذ تدابير الوقاية العاجلة"، مشيرة إلى أن مواردها المحدودة مثقلة بالمرضى وأنه كانت هناك حاجة إلى "مرفق أكبر لمعالجة أعداد الحالات المتزايدة".

وقد وردت تقارير مؤخراً عن أن المستشفى العام الذي تسيطر عليه حركة الشباب يستقبل حوالى 40 حالة يشتبه في إصابتها بالكوليرا كل أسبوع.

وقال عمر صالح، منسق الشؤون الصحية في حالات الطوارئ في منظمة الصحة العالمية في الصومال أن هناك بواعث أخرى للقلق في كيسمايو، تشمل نقص العمالة الصحية المدربة و"عدم إجراء أي حملات تلقيح منذ عام 2009" بسبب مشاكل في الوصول إلى السكان. وقال أن هناك "مخاطر كبيرة" لحدوث إصابات كثيرة نتيجةً للأمراض المعدية مثل الكوليرا والحصبة.

وقال صالح أن على رأس الأولويات الصحية الآن "الحصول على مياه آمنة وإمدادت للصرف الصحي، بالإضافة إلى الإمدادات الطبية ومستلزمات جراحة الطوارئ والصدمات النفسية. ويجب التفاوض بشأن إنشاء ممر إنساني".

كيسمايو بعد حركة الشباب

سواء طُردت حركة الشباب من كيسمايو أو انسحبت منها بهدوء، هناك من يعتقد بأن مغادرتها للمدينة سوف يؤدي إلى استقرار فوري.

وقال محلل تشاتام هاوس، أدجوا أنيمادو أن "التدخلات العسكرية الدولية في الصومال واجهت عواقب غير متوقعة".

وقال أن "لا أحد يعير الكثير من الاهتمام لفكرة أن المدنيين الذين يعانون تحت سيطرة الشباب من الممكن أن يجدوا أنهم يعانون مرة أخرى" بمجرد أن يرحلوا.

وقالت لاتيسيا بادر، الباحثة في منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) أن هناك زيادة في انعدام الأمن في العديد من المدن الصومالية الجنوبية بما في ذلك بيليدويني وبايدوا وأفجوي منذ مغادرة حركة الشباب لتلك المدن. وقالت أن "الجهات المانحة ترى في انسحاب حركة الشباب فرصة ولكنهم يحتاجون إلى معرفة الجهات الفاعلة الأخرى التي سيتعاملون معها".

وتشمل الجرائم الموثقة التي ارتكبتها جهات فاعلة أخرى من بينها ميليشيات موالية للحكومة عمليات إعدام فورية.

وقد أشارت منظمات غير حكومية أخرى إلى تدهور الأمن في المدن "المحررة" وحذرت العاملين في المجال الإنساني من أن- حتى إذا كانت المدن تحت سيطرة الحكومة- العديد من المناطق الريفية المحيطة بها مثل التلال التي تطل على كيسمايو قد تبقى تحت سيطرة حركة الشباب، وهو ما يعيق أي تحسن فوري في وصول المساعدات الإنسانية.

هذا وقد تقاتلت قبائل متنافسة للسيطرة على كيسمايو قبل ظهور حركة الشباب بوقت طويل.

وقال جيمس سميث، المحلل في معهد الوادي المتصدع أن "الأهمية الاستراتيجية لكيسمايو تكمن في أنه ميناء صالح لجميع الأحوال الجوية في أكثر أقاليم الصومال خصوبة، وهو موقع قوي لمن يحكم ويسيطر على المدينة".

وقال سميث أن "وجود حركة الشباب قد ضمن درجة من الاستقرار في كيسمايو. وإذا أجبرت الحركة على الخروج منها، قد يؤدي التنافس على السيطرة على المدينة إلى نزاع بين القبائل في المنطقة".

وقال أحد عمال الإغاثة الذي طلب عدم ذكر اسمه أن هناك خطر من "فراغ في السلطة في كيسمايو لأن العديد من القوى سوف يتنافسون على السيطرة والنفوذ والسلطة.

ومن الجيد معرفة ما هي خطط الحكم التي يجري وضعها". وعلى الصعيد الوطني، تنتهي ولاية الحكومة الانتقالية في 20 أغسطس/اب عندما يتولى المسؤولية هياكل حكم جديدة أكثر استدامة من الناحية النظرية.