الشيعة الإمامية ... تكوين الزعامة المركزية

سلطة الفقيه وسلطة الدولة

مع تحول التشيع إلى مدرسة عقيدية وفقهية، في القرن الثامن الميلادي، استقر الربط بين الإمامة وشرعية السلطة، بمعنى أن الحكومة ليست مشروعة مالم يكن على رأسها إمام معصوم. وإنه لا يجوز للمؤمن العمل مع تلك الحكومات أو التعاون معها على نحو يؤدي إلى الإقرار بشرعيتها أو تعزيز سلطانها. ولم يكن قبول هذه الفكرة عسيرا كما رأى (هالم)، سيما في ظل قناعة سائدة بان فرصهم في الوصول إلى السلطة معدومة او بعيدة المنال. لكن آخر الأئمة اختفى عن الأنظار في (260 هـ 873 ميلادية)، وكان الإصرار على ربط الشرعية بالإمامة يعني حرمان الشيعة من أي فرصة للمشاركة السياسية أو العيش بصورة طبيعية مثل سائر الناس. ظهر هذا التحدي بوضوح السنة (334 هـ 945 ميلادية) حينما أستولى البويهيون الشيعة على السلطة في بغداد. وجد الشيعة انفسهم في حرج إزاء التباين بين الفرصة المتاحة للمشاركة في السلطة والحدود الضيقة لمفهوم الإمامة.

أثار قيام الدولة البويهية (945-1055 ميلادية) الكثير من الجدل العقيدي والفقهي، انتهى إلى أول تحول جوهري في مفهوم السلطة عند الشيعة، على يد واحد من أبرز آباء المدرسة الفقهية الشيعية الشيخ محمد بن النعمان المعروف بالمفيد (ت 1022 ميلادية). نقل المفيد البحث العلمي في مسألة السلطة من إطار علم الكلام الذي يعنى بالعقائد إلى إطار علم الفقه الذي يعنى بالأحكام العملية اليومية.

ميز المفيد بين مفهومين: "شرعية السلطة"، وهو مفهوم يعالج في إطار العقيدة، و"جواز العمل في حكومة غير شرعية"، وهو مفهوم يعالج في إطار فقهي أو أخلاقي. وأهتم بالمفهوم الثاني فوضع مجموعة ضوابط ينبغي للعاملين رعايتها، وتدور جميعاً حول الالتزام بمنع الظلم ومساعدة الضعفاء على نيل حقوقهم، وضمان خير الأمة، ومنع إساءة استخدام مصالحها. وقد تطور هذا الإطار وتوسع على يد تلميذه الشريف المرتضى، حين كتب في (1025 ميلادية) رسالة "عمل السلطان"، التي بقيت فرضياتها سائدة في البحث الفقهي في المسألة حتى وقت قريب.

صاغ المرتضى فكرة المشاركة السياسية على أساس أخلاقي- وضعي وجعلها متمايزة عن القواعد النظرية، التي تحكم فكرة الإمامة والخلافة. وفي وقت لاحق ذهب فقيه بارز هو العلامة الحلي (ت 1325 ميلادية) إلى مدى أبعد حين اقترح الفصل بين مفهومي الإمامة والسلطة، لأن طبيعة الإمامة دعوية، بينما طبيعة الرئاسة قهرية، "لو جاز القهر على طاعة الإمام لجاز على باقي الواجبات، وهو ما ينفي الاختيار والمسؤولية في التكليف".

خلال الفترة الطويلة الفاصلة بين القرن العاشر والقرن العشرين استمر الجدل الداخلي بين مفهوم الإمامة العقيدي والحاجات المستجدة للمجتمع الشيعي؛ وكان المحرك الدائم لهذا الجدل عنصران: ظهور فرص للمشاركة السياسية، وتبلور الحاجة إلى إقامة إطار لزعامة الطائفة تقوم مقام الإمام الغائب. وأسفر الجدل عن قبول تدريجي بحلول الفقيه محل الإمام في الأمور الروحية، وبروز منهج براغماتي ينظر إلى السلطة من زاوية وظيفية. في الجانب الأول يلفت النظر تعريف الشيخ علي الكركي للحاكم الشرعي، فهو – حسب رأيه - "الإمام العادل أو من أذن له الإمام ، ويدخل فيه الفقيه المأمون الجامع لشرائط الإفتاء والحكم في زمان الغيبة ، ومأذون الحاكم في النكاح الذي ولايته إليه كالحاكم". ومهد هذا التطور لظهور ما يعرف اليوم بالمرجعية الدينية، كإطار للزعامة الروحية عند الشيعة.

في الجانب الثاني نشير إلى رأي الشيخ جعفر كاشف الغطاء(ت 1812)، الذي كان على الأرجح أول فقيه شيعي يوجب – صراحة - طاعة الحاكم المتغلب رجوعاً إلى مبررات أخلاقية ووظيفية. أقر كاشف الغطاء بالأساس العرفي للدولة، وقرر أن أفضل الحكام هو الإمام المعصوم، أو نوابه من الفقهاء المؤهلين: فإن لم يكونوا – الفقهاء - أو كانوا ولا يمكن الأخذ منهم ولا الرجوع إليهم، أو كانوا من الوسواسيين الذين لا يأخذون بظاهر شريعة سيد المرسلين، وجب على كل بصير صاحب تدبير، عارف بطريقة السياسة عارف بدقائق الرياسة، صاحب رأي وادراك وفهم وثبات وجزم وحزم، أن يقوم بأحمالها ويتكلف بحمل أثقالها وجوبا كفائيا … وتجب على الناس إعانته ومساعدته إن احتاجهم، ومن خالفه فقد خالف سيد الأنام ، وخالف الملك العلام.

منذ غياب الإمام الثاني عشر منتصف القرن التاسع، برزت أزمة القيادة في الجماعة الشيعية، لكنها بقيت من دون حل حتى أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. خلال هذه الفترة الطويلة عولجت المسألة في اطار محلي. في كل مدينة أو قرية كان ثمة زعيم ديني يتولى الأمور الروحية للجماعة. ولم يقم تشكيل إقليمي أو عابر للحدود للمؤسسة الدينية، على النحو الذي نعرفه الآن. ولعلَّ صعوبة المواصلات والاتصالات حينها ما كانت تسمح بأكثر من ذلك. ولهذا السبب عرف معظم المجتمعات الشيعية، في المراكز والأطراف، علماء مجتهدين مارسوا قدراً من الزعامة المحلية مثل الذي نعرفه اليوم في المراكز الشيعية الرئيسية مع فارق المساحة، التي يخدمها الزعيم أو يستمد منها نفوذه. بل إن نفوذ الزعماء المحليين في الفترة بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان يتجاوز أحياناً نفوذ زعماء المركز. وبسبب الطبيعة المحلية لهذه الزعامات فقد قامت في أحيان كثيرة علاقات متينة بينهم وبين الحكام، كما حاول بعضهم ادعاء سلطة أعلى وأوسع مما يسمح به التصوير الحذر نسبيا للفكرة التي عرضها كاشف الغطاء، أي نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم.

أوائل القرن التاسع عشر عرض الشيخ أحمد النراقي (ت 1828)، الزعيم الديني لولاية كاشان، شمال إيران نظرية "ولاية الفقيه" كرد على قيام قضاة محليين بعرض آراء اجتهادية مع افتقارهم لملكة الاجتهاد، ويظهر من تمهيداته أن غرض النظرية هو التأكيد على حصر صلاحية إصدار الأحكام في المجتهدين المؤهلين لحمل لقب نائب الامام.

لم تجتذب نظرية النراقي اهتمام الفقهاء إلا بعد أن ناقشها في (1862) تلميذه مرتضى الأنصاري، الذي تحظى بحوثه باهتمام استثنائي بين دارسي الفقه الشيعي. تناول الأنصاري نظرية ولاية الفقيه بالنقد من حيث الشكل والمحتوى والدلالة والتطبيق في بحث عميق ومتشعب، مستخلصاً أن سلطة الفقيه مقصورة على الفتوى والقضاء، وأن الأدلة لا تسمح أبداً تخويل غير المعصوم سلطة واسعة كالتي اقترحها أستاذه، سيما تلك التي تستدعي استعمال القوة المادية للدولة، أو تتضمن إيقاع ضرر مادي أو جسدي. وعلى الرغم من ذلك فأن بحثه، والجوانب الإشكالية التي كشف عنها، أدى إلى تحويل النظرية إلى محور رئيس للبحث الفقهي حول السلطة في مجامع العلم الديني.

لعلَّ ممارسة الأنصاري النقدية هي التي كشفت له عن حاجة المجتمع الشيعي إلى مرجعية فكرية، ولهذا فقد كرس جانباً من بحثه الفقهي لطرح نظرية غير مسبوقة، أدت عمليا إلى تعزيز التيار الداعي لزعامة مركزية على حساب الزعامات الروحية المحلية. خلاصة هذه النظرية أن الحكم الشرعي يجب أن يؤخذ من أعلم الفقهاء، فإذا وجد المكلف هذا الوصف منطبقا على فقيه بعينه، وجب عليه الاستمرار في الأخذ منه دون غيره. وحظي هذا الرأي بنوع من الإجماع النسبي، أدى بالتدريج إلى ظهور نظام المرجعية الدينية، الذي يعني تحديداً قيام التزام ثابت من جانب المكلفين باتباع فقيه واحد طوال حياتهم، طالما احتفظ بالأعلمية والعدالة النفسية. وطبقاً لملاحظة كول فإنه على الرغم من نأي الأنصاري بنفسه ومنصبه عن السياسة، إلا أن البنية التي أقامها وفرت الأساس الضروري لزعامة قوية، قادرة على تعبئة الشيعة وراء الاهداف السياسية في المستقبل.

وطبقا للمعلومات المتوافرة فأن السيد كاظم اليزدي (ت 1919) هو أول من نقل فكرة المرجعية من مفهومها النظري إلى مؤسسة ومركز للزعامة، فقد عين وكلاء في مناطق مختلفة، تحولوا بالضرورة إلى منافسين أقوياء للزعماء الروحيين المحليين بسبب اتصالهم بمرجع ديني كبير في المركز (النجف). بعد ذلك أصبح تعيين الوكلاء منهجا معتادا بين الفقهاء الساعين للمرجعية. وتلاشت بالتدريج أهمية الزعامات المحلية، لصالح زعامة دينية مركزية في النجف الأشرف بالدرجة الأولى، ومن بعدها قم - إيران. بالنسبة للشيعة الخليجيين فقد حافظ الزعماء الدينيون المحليون على نفوذهم المستقل، حتى منتصف القرن العشرين على الأقل، حيث بدأت قوة الزعامة الدينية المحلية بالتراجع تدريجيا.