من يجر الفلسطينيون في سوريا الى بؤرة الصراع؟

القتل يطال الفلسطينيين

برلين ـ عندما انهالت قذائف الهاون على مخيم اليرموك، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين في سوريا، في أوائل شهر أغسطس/اب، ما أسفر عن مقتل 20 شخصاً على الأقل، اعتبر كثير من الفلسطينيين في سوريا ذلك بمثابة دعوة للاستيقاظ.

وقال ناشط فلسطيني عرف نفسه باسم محمد أبوإياد "كان هذا هو الهجوم الثالث الذي تعرض له اليرموك، ولكن عدد الضحايا لم يكن أبداً مرتفعاً بهذا القدر. المشكلة هي أن اليرموك مزدحم جداً إلى درجة أنك إذا أطلقت رصاصة واحدة، ستقتل ثلاثة أشخاص".

وكلما تزايدت حدة القتال في سوريا، يقع أولئك الذين يحاولون البقاء بعيداً عن الصراع في مرمى النيران على نحو متزايد.

ويقول كثيرون من الفلسطينيين المقيمين في البلاد والذين يبلغ عددهم نصف مليون أنهم قد لا يستطيعون منع سقوط مخيماتهم في مستنقع العنف.

عقاب جماعي

مخيم اليرموك هو منطقة فقيرة ذات كثافة سكانية عالية في العاصمة السورية دمشق، وموطن لـ150الف فلسطيني. وتحده أحياء التضامن ويلدا والحجر الأسود والقدم، التي شهدت اشتباكات عنيفة منذ أن تقدم الجيش السوري الحر المتمرد داخل العاصمة قبل نحو شهر.

وكلما اقترب الصراع واحتمت الآلاف من العائلات النازحة في مخيم اليرموك، بدأ القتال يمتد إلى المخيم.

وقال سكان ونشطاء في مخيم اليرموك أن جنود الجيش السوري الحر تسللوا مراراً إلى المخيم لنصب كمائن لنقاط التفتيش، وأن قوات النظام قصفت مستشفى فلسطين مرتين في الأسبوع الذي سبق الهجوم بقذائف الهاون.

وقال عمار حسن، الذي يدير منظمة فلسطينية لحقوق الإنسان في مخيم اليرموك أن عدد الفلسطينيين الذين قتلوا قد ارتفع بشكل كبير.

وأضاف أن "250 فلسطينياً لقوا حتفهم خلال الانتفاضة السورية، ومات نصفهم في الأسابيع الأربعة الماضية فقط. أونا أعتقد أن الهجوم بقذائف الهاون كان رسالة من النظام مفادها: عليكم أن تبقوا صامتين لأننا نستطيع قصفكم في أي وقت".

ويحمّل النظام والمتمردون بعضهم البعض مسؤولية الهجوم بقذائف الهاون، ولكن الكثير من الفلسطينيين يرون أنها عقوبة جماعية من قبل النظام على تقديم المساعدات الإنسانية إلى المتعاطفين مع المتمردين. وقد بلغ عدد النازحين الذين يقيمون في مدارس ومنازل المخيم 20 الف شخص، وفقاً لنشطاء محليين، وقد تم جلب الجرحى السوريين من معاقل المتمردين القريبة إلى مستشفى فلسطين لتلقي العلاج الطبي.

وقال جفرا، وهو ناشط فر من مخيم اليرموك إلى إحدى دول الخليج العربية قبل شهر واحد "لقد فتحنا مخيمنا لأولئك الذين يحاولون الفرار من العنف، وهذا ما جعل السلطات تغضب منا بشدة".

البقاء على الحياد

منذ بداية الانتفاضة ضد حكومة بشار الأسد في العام الماضي، ناضل الفلسطينيون من أجل البقاء على الحياد - وهو موقف لا يتمتع بإجماع الآراء ـ فقد أفاد الناشط أبوإياد أن "معظم الشباب يدعمون الثورة، ولكن الجيل الأكبر سناً، الذي يهيمن على الأحزاب السياسية يقول أنه لا ينبغي الانحياز لأي من الجانبين لأننا في نهاية المطاف قد نتعرض للقتل أو نصبح لاجئين مرة أخرى".

إن الفلسطينيين في سوريا هم من نسل أولئك الذين شُردوا أثناء إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، أو في وقت لاحق خلال حروب الشرق الأوسط.

وقد سلط الهجوم بقذائف الهاون الضوء على الوضع الخطر الذي يحيط بمجتمعهم، الذي يتمتع بحقوق مدنية في سوريا أكثر من أي دولة عربية أخرى. على سبيل المثال، يمكنهم شغل وظائف حكومية وامتلاك عقارات والالتحاق بالجامعات الحكومية مجاناً.

ولكن عندما تحولت الاحتجاجات ضد الحكومة إلى اشتباكات عنيفة، أصبح من الصعب الحفاظ على الحياد.

وهناك دلائل على أن العنف العسكري قد دفع ولاءات الفلسطينيين نحو المتمردين بقدر أكبر، وزادت المظاهرات في مخيم اليرموك منذ مقتل 10 متظاهرين على يد قوات النظام في 13 يوليو/تموز، حسبما ذكر ناشطون فلسطينيون.

وأضاف حسن قائلاً "منذ ذلك اليوم، فهمنا جيداً أن البقاء على الخطوط الجانبية لم يعد خياراً".

وقال هلال خشان، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت "لم يجد الفلسطينيون الأمان باتخاذهم موقفاً محايداً. بل أثاروا غضب النظام والمعارضة على حد سواء".

هذه القضية حساسة بشكل خاص لنظام الأسد الذي يصور نفسه على أنه بطل الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.

ويقول جوناثان شانزر، المحلل السياسي في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها "مما لا شك فيه أن الأسد قد خسر قلوب وعقول الفلسطينيين".

وتجدر الإشارة إلى أن شانزر هو مؤلف كتاب فتح ضد حماس والذي يحمل عنوان "الكفاح للسيطرة على فلسطين".

وأضاف شانزر أن هناك تقارير تفيد بأن بعض الفلسطينيين قد انضموا إلى الجيش السوري الحر، ولكن أعدادهم ودوافعهم لا تزال غير واضحة.

وفي غضون ذلك، يواجه الفلسطينيون عداءً متزايداً من جانب النظام والمتمردين على حد سواء.

ففي فبراير/شباط، أنهت حركة المقاومة الإسلامية، حماس تحالفها مع النظام السوري وأعلنت تأييدها للانتفاضة.

وفي أواخر شهر يونيو/حزيران، تم العثور على جثة الناشط كمال غناجة التابع لحركة حماس في منزله بدمشق، وكانت علامات التعذيب واضحة عليها.

وفي منتصف شهر يوليو/تموز، تم اختطاف وقتل 16 مجنداً في جيش التحرير الفلسطيني، وهو وحدة فلسطينية في جيش الدولة، بالقرب من مدينة حلب. ولا تزال تفاصيل كلا الحادثين غامضة.

دعم النظام

لم تنقض كل الأطراف الفلسطينية تحالفاتها. فقد أدانت منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني، الهجوم على اليرموك، لكنها تصر على أن الموقف الفلسطيني هو عدم التدخل في شؤون سوريا.

أما الأطراف الأخرى، وخصوصاً الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة (بزعامة أحمد جبريل)، وهي أكبر منظمة فلسطينية في سوريا، وتعتبرها الولايات المتحدة جماعة إرهابية، فهي تدعم النظام.

وأفاد حسن أن "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة قدمت أسلحة رشاشة لرجال يقومون بدوريات في الشوارع الآن. إنهم يساعدون قوات الأمن السورية في قمع المظاهرات، ويشنون الغارات ويلقون القبض على الناس، ثم يقومون بتسليمهم إلى فروع المخابرات بعد ذلك".

ولكن وقوف الجبهة إلى جانب النظام يزيد من حدة التوتر داخل المخيم.

ووفقاً لجفرا، الناشط من اليرموك، فإن شباب اليرموك يريدون محاربة النظام جنباً إلى جنب مع السوريين، ولكن القيادة السياسية ترفض اتخاذ أي موقف حيال ذلك.

وأضاف أنهم "يقولون أنهم يقومون بحماية المخيم، ولكن في واقع الأمر، يعلم الجميع أنهم ينفذون أوامر النظام. إنهم يستخدمون أحزابنا ضدنا".

من جهته، أشار شانزر إلى أن تأثير تزايد المشاركة الفلسطينية في الأحداث قد يصل إلى ما وراء المخيمات في سوريا "الاحتمال الأغلب هو بقاء الفلسطينيين منقسمين، إذ يشارك بعضهم في الحرب، بينما يحجم البعض الآخر عن المشاركة، وسوف نرى الكثير منهم يسرعون نحو الحدود".

وقال أيضاً أن النزوح الجماعي للاجئين يمكن أن يؤدي إلى نقل حالة عدم الاستقرار إلى الأردن ولبنان. هذا وتشتهر المخيمات الفلسطينية في لبنان بتقلباتها، كما أن الأردنيين يشعرون بالفعل بالاستياء من الفلسطينيين، الذين يشكلون 80 بالمائة من السكان. فأوضح شانزر أن "الأردنيين واللبنانيين عصبيون. والوضع بدا مقلقاً من وجهة نظرهم منذ البداية، لكنه الآن أصبح أكثر تعقيداً من ذي قبل".(ايرين)