'سجل أنا عربي' تلاحق شاعرها في ذكرى رحيله الرابعة

رام الله ـ من توفيق العيسى
شاعر الخوف الجميل ونظرية غير مؤدلجة

حاملا قنديل الشعر، طارقا ابواب الذكريات وذكريات الطغاة، مبشرا بما يستحق الحياة على هذه الارض، في الذكرى الرابعة لرحيل الشاعر الكبير محمود درويش اخترنا ان نحاكي الشارع لا الكتاب والمثقفين عن هذا الشاعر الكبير، كيف يرونه، وما هو بالنسبة لهم، وهل حمل شعر درويش "القنديل من بيت الى بيت" ليفهم "البسطاء معانيها" كما قال؟

• درويش في الاغنيات

لعل أكثر ما يثير الانتباه أن بعض من استعرضت اراءهم لم يقرأوا الا بعضا من شعره، ويعتمدون على ما ينقل لهم من اغنيات غناها سميح شقير ومارسيل خليفة وماجدة الرومي، وهناك من عرف درويش من هذه الاغنيات وليس من مصدر آخر، حتى وان كانوا طلابا جامعيين، الذين ومن المفترض ان يكونوا الأكثر اطلاعا ومتابعة.

من أمام بسطة لبيع الكتب في شارع ركب بمدينة رام الله، التقينا الطالبة أماني قنداح 21 عاما وهي تتصفح احدى الكتب وسألناها عن درويش فأجابت "بالتأكيد اعرفه، ولكني لم اقرأ له كثيرا، بداية تعرفت اليه عبر اغاني مارسيل خليفة وسميح شقير، التي كنت اسمعها عبر الاذاعات أو من خلال بعض الزملاء في الجامعة، لكني عندما اشتريت اول ديوان شعر له لم استطع فهمه وشعرت بان من يريد أن يقرأ شعره عليه أن يكون بمستوى ثقافي عال، ولكن البعض نصحني ان اقرأ الاعمال الأولى لدرويش فهي أسهل، ووجدت معظمها كذلك.

• القصيدة تلاحق شاعرها

شكلت قصيدة "سجل انا عربي" اشكالية للشاعر الراحل، وربما كادت ان تصل هذه الاشكالية الى حد القطيعة مع الجمهور في كثير من الاحيان، فدرويش الذي رفض في كثير من الأمسيات ان يلقي قصيدة "سجل أنا عربي" كما يريد الجمهور، وكتب في كتابه النثري "في حيرة العائد" عنها يقول: "أما من دليل آخر على المقاومة سوى القول مثلا: سجل أنا عربي، أو تكرار شعار: سأقاوم وأقاوم، فليس من الضروري لا شعريا ولا عمليا أن يقول المقاوم أنه يقاوم كما ليس من الضروري ان يقول العاشق أنه يعشق".

ويضيف درويش في أحد اللقاءات عن هذه القصيدة، أنها كتبت أثناء وجوده تحت الاحتلال الاسرائيلي الذي استدعى أن يثبت هويته العربية في مواجهة الهوية الاسرائيلية وكان لا بد من هذه القصيدة، ولكن هل من الضروري أن يظل يصرخ انا عربي وهو في بلاد عربية؟ وما جدوى هذه الصرخة؟

الا أن هذه القصيدة ورغم كل ما قال عنها درويش ظلت وساما يعرف بها عند الكثيرين الذين لم ينسوها وما زال وهجها يغري الكثيرين للتغني بها.

هيثم دراغمة 22 عاما وللوهلة الأولى عرف درويش بهذه القصيدة، واعتبر درويش شاعرا قوميا لأنه يحرض على التمسك بالهوية العربية، وحين سألناه عن تعريفه لدرويش أجاب: "هو من شعراء المقاومة الفلسطينية"، وحين قلنا له إن درويش لا يحبذ قراءة هذه القصيدة في أمسياته ولا يفضل لقب شاعر مقاومة، استنكر هذه الكلمات واعتبرها منافية لحقيقة تعريفه له بأنه شاعر قومي.

• شاعر الخوف الشجاع

درويش طرح العديد من الاسئلة الوجودية في شعره، وكان للموت مساحة واسعة، خاصة بعد تجربة عملية القلب في اواسط التسعينيات والتي ترجمها شعرا بقصيدة الجدارية وحتى رحيله، ولكن هل سؤال الموت كان خوفا من الموت؟ وهل تحديه للموت وسخريته منه كان ناتجا عن خوف، فهو بذلك يتشبه بأجداده الكهوفيين الذين رسموا الوحوش على جدران الكهوف التي يسكنونها خوفا منها.

هذا التعليق نكتبه نحن بعد ان تحدثنا إلى روان التي رأت أن درويش شاعر وجودي همه الأول أن يطرح أسئلة للقاريء وإن كانت هذه الأسئلة بالمقام الأول له ولكنه طالما كتبها شعرا ونثرا فهو يشارك القاريء بها، فهو لم يكتب الشعر من أجل الشعر، ولكن ورغم ما يتهم به من التعالي على القاريء الا ان مشروعه الاول كان القاريء ومازج بين الشعر والقاريء ولم يفصلهما عن بعض، وترى روان بأن درويش كان يخاف الموت، بل ان فكرة الموت كانت تشكل له رعبا، لذلك كان للموت هذه المساحة الواسعة في شعره، وما سخريته من الموت الا لهذا الخوف.

وتضيف روان من المتعارف عليه لدينا ان الذين يحبون الحياة يخافون الموت، ولكن درويش لم يكن كذلك هو لم يخف الموت لحبه الحياة، ولكنه يخاف مجهول الموت، فهو اعتبر ان كل شيء باطل وزائل في جداريته، وعبر عن حياة طويلة عاشها كملك وحكيم وربما ملها ايضا، وركز على هزيمة الفن للموت، وهو بذلك كان يحاول أن يشعرنا ويشعر نفسه بانه لا يخاف الموت ولكنه يتحداه، والتحدي أحيانا هو تعبير عن الخوف ولكنه خوف شجاع.

• شعار سياسي

الشعار السياسي سيظل يلاحق درويش وليست قصيدة "سجل انا عربي" فقط أو لقب شاعر المقاومة الفلسطينية، رغم رفضه لهذا اللقب وألقاب أخرى كــ "مجنون التراب" الذي أطلقه عليه الباحث شاكر النابلسي في دراسته عنه، وكان مثار خلاف بينه وبين الشاعر في حينه.

وعودة الى التاريخ القريب وأثناء حصار الرئيس الراحل ياسر عرفات في مقاطعته بمدينة رام الله، سنجد أن المظاهرات المنددة بالحصار في فلسطين والعالم رفعت شعار "حاصر حصارك" التي هي جملة في قصيدة مديح الظل العالي لدرويش، وسنرى لافتات كتب عليها "سقط القناع" للتعبير عن التخاذل العربي والعالمي في نصرة القضية الفلسطينية، وفي كل مجزرة ترتكب بحق مخيم فلسطيني من فلسطين الى لبنان سنسمع اسم "أحمد الزعتر" يتردد على صفحات الفيس بوك، وان كان هذا لا يعيب درويش وشعره، فهذا التوظيف يعكس صلة واضحة بين الشاعر وجمهوره الفلسطيني والعربي ومدى التواصل بينهما حتى وإن غاب الأول.

عند سؤالنا لمجموعة من الشباب عن درويش وعن امكانية أن يدلوا برأيهم في ذكرى رحيله، اقتحمت سيدة خمسينية حديثنا لتقول: "انا أحفظ شعر درويش" ورددت امامنا: "يا دامي العينين والكفين ان الليل زائل" السيدة الخمسينية الحاجة أم جمال تحفظ هذه القصيدة لأنها مكتوبة على حائط قريب من منزلها، وتعرف انها للأسرى، وأن درويش يكتب للأسرى وفلسطين، وهي كثيرا ما تسمع ابناءها يرددون هذه القصيدة، لنسألها اذا كانت تحفظ قصيدة أخرى لدرويش ابتسمت ام جمال وقالت: "في الانتفاضة الأولى حفظت الكثير من الشعر وأعرف محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد، والتقيت بالمرحوم توفيق زياد في أحد مهرجانات العمل التطوعي في الناصرة، عندما كنا نزورها قبل الانتفاضة"، ومازلت تختزن من ذكريات الانتفاضة الأولى أن هذا الشعر وغيره من الكتب كانت تؤدي الى اعتقال اي شاب اذا ضبطت في بيته.

• درويش نظرية غير مؤدلجة

رغم انتسابه الى الحزب الشيوعي الاسرائيلي في بداياته واقترابه من حركة فتح فيما بعد وتنقله الدائم في المواطن التي توجد فيها منظمة التحرير الفلسطينية وحتى انتخابه في اللجنة التنفيذية لها، الا ان القاريء لا يجد ذلك الاثر الايديولوجي في شعر درويش، وان كان في بداياته كتب الشعر المباشر والسياسي، ومع ذلك نظرية غير مؤدلجة، بمعنى انه استفاد من نظريات عديدة اسست لثقافته التي ظهرت شعرا، لكنه لم ينحز إلى اي ايديولوجيا فتراه مرة يدعو الاسرائيليين الى السلام ويعمل على دمجهم بالمجتمع العربي واخرى يتحداهم ويطردهم "عن غبار الطريق وحبل الغسيل" وفي قصيدة اخرى يعطيهم "حصتهم من دمنا" ويقول لهم "انصرفوا" وهما موقفان غير متناقضين للشاعر، فهو يطردهم بصفتهم الاحتلالية ويتقبلهم بصفتهم البشرية.

ويرى شادي زيادة 30 سنة ان درويش اعاد انتاج واقعا كان سائدا قديما، وهو الوجود الاسرائيلي على هذ الأرض، وان لم يكن بالكثرة التي يدعونها وبالشكل الذي يؤسسون عليه روايتهم، ويضيف زيادة: ربما اختلف الى حد ما مع الشاعر في محاولته لأنسنة المحتل واعادته الى اصله البشري ولكن كانت هذه احدى رسائل درويش وقناعاته وعلينا ان نقبل بها كما هي الأمر الذي لا يضيره".

ويرى زيادة أنه اذا دققنا في المواقف سنجد ان مناداة درويش للسلام تختلف مع واقع العملية السياسية، فهو ايضا لا يروج لسلام قائم على الاحتكار الاسرائيلي والخاضع للقوة الاسرائيلية الاحتلالية، فالشاعر الحر هو من يرفض كل انواع القيود ولا يقبل بقيد تحت اي مسمى ودرويش شاعر حر كما يقول زيادة.

• في الاغنيات مرة أخرى

لم تكن مفاجئة لنا حين عرفنا ان عددا من الشباب وطلاب الجامعات خاصة عرفوا شعر درويش من خلال الاغاني، ولم نكن لنتفاجأ اذا قال احدهم انه لا يعرف درويش، ولكن ما يشير الى تردي حالة التعليم والتعليم الجامعي أن عددا من الطلاب المستطلعة آراؤهم يحفظون عددا من الاغنيات باعتبارها شعر محمود درويش وهي في الحقيقة لا تمت بصلة له، فأحد الطلاب يحفظ اغنية "يا بحرية" لمارسيل باعتبارها شعر محمود درويش وحجته ان مارسيل لا يغني الا لدرويش، وآخر يعتقد ان "زهرة المدائن" للسيدة فيروز هي من شعر درويش، أما ما يؤلم اكثر من ذلك، شاب يقرأ قصيدة الراحل معين بسيسو "انا ان سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح" ظنا منه أنها درويشية ويسهب في الحديث لنكتشف أنه نسب قصيدة ناظم حكمت "أجمل الايام" الى درويش أيضا، ومنهم من لا يريد ان يقتنع بالحقيقة ولا يعتبرها حقيقة.