بلاد الشام، بين حاضرها المؤلم، ومستقبلها المظلم

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

يسكنني قلق على مستقبل بلاد الشام رغم أنني ذو طبع تفاؤلي، وتخالجني توجسات لا تكاد تفارقني من سيناريوهات الغد القريب، رغم أنني في الغالب رابط الجأش، فإن الأمر يبدو أنه ليس فقط مسألة تحرر شعب مقهور من جلاديه، ولا بالثورة "العفوية" على أوضاع القهر والجبروت، قد يتبين للعالم أن كل "التفجيرات" التي وقعت في سوريا، ما هي إلا عبارة عن "مفرقعات" أمام ما يحاك ويدبر لها مستقبلا من تفجير للأوضاع وقنبلة للاستقرار السياسي للمنطقة.

الكم الهائل للمتدخلين الأجانب، مع هذا الطرف أو ذاك، و"الاستثمارات السياسية" الهائلة التي يغامر بها من هنا أو هناك، وارتفاع صوت المتطرفين، واختفاء صوت العقلاء، والكراهية التي تسوق بأبخس الأثمان، وحتى بالمجان، وندرة الأخوة والتراحم والتسامح في السوق العربية المشتركة، ونصب المشانق المعنوية، والإعداد للمذابح المستقبلية، كل هذا الجو الخانق المكهرب، ينذر بأيام عجاف من السلام، شبيهة بالأيام التي سبقت الحروب العالمية الأولى.

و لذلك نجد الجنرال روبرت مود، رئيس بعثة المراقبين الدوليين في سوريا، يصرح بعد حادث التفجير في دمشق:"سوريا ليست على طريق السلام"، ويدعو أيضا كل الأطراف إلى "إنهاء حمام الدم والعنف بكل أشكاله، والالتزام مجددا بحل سلمي للصراع"، ويواصل مطالبا الحكومة والمعارضة على حد سواء "تقديم التنازلات، والجلوس إلى طاولة الحوار".

إن اللعب على أوتار الطائفية، والإثنية، والقبلية، لعبة خطيرة، وشهوة مميتة، قد يشعر لاعبها وممتهنها، بلذة في أولها، سرعان ما سيدرك أفولها، ويتبعها داء عضال مستشري، يصعب على الحذاق تطبيبه، أو حتى تطييبه. ماذا دهى الفاعلين أن يخلطوا "كهرباء" النزاعات السياسية والعراكات التموقعية مع "أنهار" الطائفية، و"أودية" المذهبية؟ ألا يخافون "صعقة" الأمة؟ ألا يتوجسون من "الطامة الكبرى"؟

نحن هنا لن ندافع عن أي ظالم، من أي طائفة كان، ولن نسكت عن أي مجرم، من أي مذهب يكون، ولن ندخر جهدا على مساعدة المظلوم أيا كان دينه، وإغاثة المقهور أيا كانت ملته، فالظلم والمظلومية، والجلاد والضحية، لم يكونوا يوما حكرا على العرب، أو العجم، أو الأكراد، أو السنة أو الشيعة. قد نختلف، قد نفترق، قد نختنق، قد نولي شرقا وقد نولي غربا، قد نتقاتل، قد نتحارب، قد نتكاره، قد يربح جانب، قد يخسر آخر، ولكننا لن نستطيع أن يلغي أحدنا الآخر، ولن يقدر طرف إزاحة الطرف الآخر.

وفي وسط قحالة الصحراء العربية هذه الأيام من الحكمة البالغة، ووحدة الأمة، والسلام الدائم، والاعتدال الفكري، والتوجه الوسطي تطل علينا واحة شيخ قراء البلاد الشامية، الشيخ كريم راجح في حوار مع صحيفة، لما سئل: "ألا تخشى ظهور تيارات متطرفة، في حال استمرار انسداد أفق الحل السلمي، مع استمرار القتل والاعتقالات بحق الشعب السوري؟" فأجاب: "نحن جماعة وسطية، لكنني أخشى في الوقت ذاته على سوريا من المتطرفين من جميع الاتجاهات. نحن في سوريا، لم نعرف الطائفية، عشنا مع العلويين، كما عشنا مع الدروز والنصارى والشيعة، ولم نشهد في حياتنا أن هناك مشكلة بين سني ومسيحي، أو بين سني وعلوي... الطائفية خلقت الآن، وافتعلت افتعالا، ولو كانت لدينا طائفية هل كان حافظ الأسد يحكم سوريا، أو يحكم بشار الأسد، أرضنا لا تنبت طائفية".

يبقى أن نتمنى أن يغلب صفاء الشيخ كدر المصطادين في الماء العكر، ويخيب الله سعي الماكرين ويعلي شأن أولي الأحلام والنهى، ويبارك لشامنا ويحفظه من كيد الأعداء، وحماقات الأصدقاء، وجهالات الأغبياء.

عبدالكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

Amidz29@yahoo.fr