بدو سيناء: عقد زواجهم ورقة نخيل تمنع عنهم الخدمات الحكومية

الحكومة تطلب منهم هويات ابائهم ليحصلوا على هويات

القاهرة ـ لا يفكّر معظم البدو في شبه جزيرة سيناء المصرية بتسجيل زواجهم. فورقة من شجرة نخيل يعطيها والد العروس إلى العريس تكفي للتعبير عن إتمام هذا الاتحاد، وتشهد العائلات وشيوخ القبائل على مراسم الزواج. ولكن عدم وجود شهادة زواج أو بطاقة هوية أمرٌ له مساوئ كثيرة؛ فبدون أوراق مناسبة تنقطع صلتك بالخدمات الحكومية.

لا يملك طلال رشيد (42 عاماً) مثلاً أية أوراق وهو يعاني كثيراً للحصول على الرعاية الصحية لزوجته، وتعليم لأطفاله. ففي الواقع، لا يمكن تسجيل أطفال البدو في المدارس إلا إذا قدموا شهادة ميلاد. لذلك، لم يذهب ابنا رشيد (19 و 15 عاماً) إلى المدرسة.

ويقول رشيد: "ولداي يقولان أن التعليم كان سيمنحهما فرصاً أفضل في الحياة. وأنا أشعر بالأسف لحالهما لأنهما يدفعان ثمن أخطائي". وحتى إذا أراد رشيد أن يأخذ زوجته إلى العيادة التي تبعد 6 كيلومترات، يطلب من شقيقها مرافقتهما.

وقال موضحاً: "إذا لم آخذه معي، ستوقفنا الشرطة عند نقطة التفتيش على الطريق إلى العيادة لتستفسر عن زوجتي، وأنا ليست لدي أوراق تثبت زواجي. لذا فإن شقيق زوجتي يقنع الشرطة بأن المرأة المرافقة لي هي في الواقع زوجتي".

لم يقم والدا رشيد بتسجيله عند الولادة، كما أن والده ليس مسجلاً أيضاً. ولم يقم والدا زوجته بتسجيل زواجهما، لذلك فإن زوجة رشيد ليست لديها بطاقة هوية. وبدون بطاقات هوية، لا يستطيع رشيد وزوجته الحصول على خدمات التأمين الصحي الحكومية، بل يجب أن يذهبا إلى المستشفيات الخاصة، وهناك سيدفع رشيد فاتورة قيمتها 10 دولاراً أميركياً تلتهم 10 بالمائة من دخله الشهري. حتى أنه لا يمكن أن يحصل على اللقاحات المجانية بدون شهادة ميلاد.

لا بطاقات إعاشة

إن الأشخاص الذين لا يحملون الوثائق يفوّتون فرصة الحصول على الدعم الحكومي المهم للمواد الغذائية الأساسية. إذا كانت لديك بطاقة هوية، يمكنك الحصول على بطاقة إعاشة تتيح لك شراء المواد الغذائية بأسعار أرخص، ولكن من لا يملك بطاقة هوية، مثل رشيد، يضطر لدفع ما يعادل 8 دولاراً لشراء كيس من الدقيق، بدلاً من 4 دولاراً إذا كانت لديه بطاقة إعاشة.

كذلك، من لا يحمل وثائق يكون في وضع غير مناسب عندما يتعلق الأمر بحل النزاعات على الأراضي. تقليدياً لم تكن هناك سندات ملكية مكتوبة في سيناء، ولكن عندما تنازع رشيد على بضعة أمتار مربعة من الأرض مع جاره منذ بعض الوقت، لم يتمكن من الذهاب إلى المحكمة، وقال: "كان علي أن أصمت، لأنني لا أملك أي شيء يثبت حقي في الأرض. كان يعرف بعض جيراني أن الأرض ملكي، ولكن المحكمة تحتاج إلى وثائق رسمية".

من جهته، يقدر بكر سويلم، رئيس جمعية تنمية المجتمع بالجورة، وهي منظمة غير حكومية مقرها سيناء، عدد بدو سيناء غير المسجلين بنحو 70 الف شخص. ويقول أن هؤلاء الناس يتزوجون وينجبون الأطفال، ولكن الحكومة لا تعرف شيئاً عنهم. فالعديد من النساء البدويات يلدن بعيداً عن العيادات التي تخضع لسيطرة الحكومة، حيث يمكن للأطباء تسجيل الطفل مباشرةً. والجدير بالذكر أن الزوجين اللذين لم يسجلا زواجهما لا يحصلان على شهادات ميلاد لأطفالهما. ويشير سويلم إلى أن "التعداد القومي للسكان في مصر لا يشمل هؤلاء الناس،" مضيفاً "إنهم موجودون، ومع ذلك فإنهم لا يعنون شيئاً بالنسبة الحكومة".

في الواقع، الشخص الذي لا يملك بطاقة هوية يُعفى من الخدمة العسكرية، ولكن أبواباً أخرى كثيرة تُغلق في وجهه أيضاً. فلطالما اشتكى بدو سيناء من أن منعهم من العمل في الجيش أو الشرطة يحرمهم من فرص كسب الدخل، معتبرين أن هذا الإجراء تمييزي. كما يقولون أن هذه السياسة سمحت للنظام السابق بإطلاق وصف "خونة" عليهم. وها هم يريدون الآن نفس الحقوق والواجبات التي يتمتع بها غيرهم من المصريين.

العوائق التي تحول دون التسجيل

فكر رشيد في الحصول على بطاقة هوية، ولكن الأمر معقد، فقبل أن يتمكن من التقدم بطلب، ينبغي على والديه تسجيل زواجهما. ولكن الذهاب إلى أقرب مكتب تسجيل، الذي يبعد 50 كيلومتراً، يكلف ما يعادل 66 دولاراً، ومن ثم يجب دفع رسوم مقابل استكمال الأوراق. "أنا لا استطيع تحمل هذه النفقات". ومعظم البدو لا يعرفون شيئاً عن التسجيل وفوائده، كما أن آباءهم وأمهاتهم لم يسجلوا أنفسهم. وتبقى سيناء منطقة تواجه فيها الحكومات صعوبات دائمة عند محاولة فرض سيطرتها الكاملة. وهذا ينطبق على الحكومات العسكرية الإسرائيلية في السبعينات، وجميع الحكومات المصرية اللاحقة. ونظراً لإهمالهم من قبل الحكومات، غالباً ما يشعر البدو بأنهم تُركوا لمواجهة مصيرهم بأنفسهم.

وتعي السلطات المحلية هذه المشكلة. فبدأت بإرسال موظفي التسجيل ذات مرة لزيارة منازل البدو ومساعدتهم على التسجيل. ولكن يبدو أن هذه المبادرة قد توقفت، وليس سويلم على دراية بأي خطط حكومية لحل هذه المشكلة. وعندما طلبت شبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) من وزارة الداخلية المصرية الرد على هذه التساؤلات، لم يكن أحد من مسؤولي الوزارة متوفراً للتعليق. (ايرين)