الجيش العراقي لا ينطلق من العدم

بقلم: صباح علي الشاهر

كالعادة سيختلف السياسيون الذين لم يثبتوا على رأي قط، حول الخطوة التي تأخرت كثيراً، ألا وهي خطوة إعادة ضباط الجيش العراقي السابق إلى الخدمة، وقد بدأت هذه الإختلافات تظهر على السطح بشكل مبكر، فالتحالف الكردستاني عبر نائبه محسن السعدون وصف هذه الخطوة بالقرار السياسي، دون أن ينسى التأكيد على عدم إعادة الذين تلطخت أيديهم بدماء العراقيين، وكتلة علاوي شككت بقبول المالكي عودة جميع العسكريين، وهو أمر لا يحتاج إلى تشكيك، وإعتبرت هذه الخطوة محاولة للكسب السياسي. ونسأل هؤلاء الفطاحل أي إجراء أو قرار أو موقف سياسي يمكن عزله عن محاولة الكسب السياسي، أليس العمل السياسي كله، ينصب على هذا الكسب، ونجاح أو فشل أي سياسي يرتهن أساساً بمدى الكسب الذي يمكن أن يحصل عليه جراء قراراته ومواقفه؟

بعيداً عما سيقوله المتخاصمون، أو المتنافسون، دعونا نسأل: أليس من العدل إعادة هؤلاء العراقيين الذين شأنهم شأن غيرهم من الموظفين، والتدريسيين، والإعلاميين على وجه الخصوص، كانوا مُجبرين على الإنتماء لحزب حكم البلد وتحكم به طيلة عقود؟

ثم أكان قرار بريمر بحل الجيش والقوات الأمنية أمراً صائبا، ويصب بمصلحة الوطن، أم كان يستهدف أمور وغايات أخرى، لم يعد من الصعب تلمسها الآن؟

ما معنى أن يصبح الوطن بدون جيش ولا أمن ولا شرطة، ولا حكومة ولا إدارة مدنية بين ليلة وضحاها؟.. هل لهذا الإجراء تعليل أو تبرير سوى وقوع البلد بالفوضى، التي إسموها خلاقة؟

لقد شاهدنا طيلة هذه السنوات الفوضى بكل تجلياتها، وبأشد أشكالها هولاً، لكننا لم نر الجانب الخلاّق منها؟

أصبحنا مسرحاً لأشد وأقصى أنواع الإرهاب. نُهبت ثرواتنا، وتراثنا، وفُتحت حدودنا على مصراعيها أمام كل مُخرّب، وطالب ثأر، ومغامر، وصعلوك، وغزانا خريجو سجون أوروبا، الذين تجيشوا في شركات للأمن الخاص، عاثت فساداً بالبلد من أقصاه إلى أقصاه، وزاولت أعمالها الهمجيّة الإجراميّة دونما حسيب ورقيب، وكأنها تنفذ مخططا مرسوماً سلفاً..

عشرات آلاف الضباط من منتسبي القوات المسلحة، فرض عليهم إجراء لا قانوني، ولا أخلاقي، بدفعهم إلى المجهول، هم وعوائلهم..

قالوا أن لا أحد مسؤول عما حدث، فالجيش تفكك، وإنحل عملياً، تشتت، وأضمحل ولم يعد موجودا فعلياً، وحلّه من قبل بريمر لم يكن إلا تحصيل حاصل.. حجة متهافتة، ومغالطة واضحة، فقرار حل الجيش أُتخذ منذ بدء تشكيل المعارضة في الخارج، وعودة إلى "بيان 91" الذي وقعه نفر من المثقفين والمعارضين في الخارج تشير إلى هذا بكل وضوح، حيث نص على ضرورة حل الجيش، وإيكال حماية العراق إلى هيئة الأمم المتحدة!!، ثم أن معالجة تفكك الجيش أمر ميسور وهين، لم يكن يقتضي أكثر من دعوة أفراد القوات المسلحة للإلتحاق بالخدمة، حدث مثل هذا الأمر في أغلب المنعطفات التاريخية في حياة الأمم والشعوب، حيث تم إعادة تشكيل القوات المسلحة بعد أن تعرضت للتفكك، ولا يمكن أن يكون العراق إستثناء من هذا، إلا إذا كانت النيّة مبيته، وهي كانت كذلك بالفعل..

لقد عُمل على شيطنة القوات المسلحة العراقية، وألصق بها كل ماهو شائن ووحشي، وهمجي، وتم، وعلى نحو مقصود، تجاهل كل التأريخ الوطني والقومي للجيش العراقي، بما في هذا دوره في تفجير ثورة الشعب العراقي في الرابع عشر من تموز، ودوره في كل حروب العرب القومية، وفي نصرة القضية الفلسطينية، وتضحيات العديد من أفراده، على مختلف المستويات، في التصدي لأنظمة الإستبداد بما فيها نظام حزب البعث، حيث قدم الجيش خيرة أبنائه على مذبح الدفاع عن كرامة الوطن والمواطنين.

لم يكن الجيش العراقي عدوا للعراقيين في يوم من الأيام، ولن يكون، لكنه كان مُستهدفاً من الأعداء، ومجني عليه من قبل نظام مستبد وجائر، أدخله في مغامرات لم يكن له رأي بها، بل كان القرار يصدر من فئة قليلة مُحيطة بالشخصية الأولى في البلد، ولم يكن الجيش يتخذ القرارات المتعلقة بالبلد، ولا حتى تلك المتعلقة بشؤونه، كان قراره مُستلب، وكان أغلب القادة الكبار يُقادون ممن هم أقل رتبة منهم، وربما من ضباط صف، أو جنود، وربما من قبل مدنيين لا دراية لهم، ولا معرفة بالشأن العسكري، والعلوم العسكرية..

في الثورات الكبرى يتم، وعلى نحو منضبط، تغيير القيادات في القوات المسلحة، بإعتبار أن هذه القيادات مُعينة من قبل النظام السابق، وتدين بالولاء له، لكن الجسم العام للقوات المسلحة، يظل كما هو، لأن في جوهر عقيدة أي قوّات مسلحة أن ولاءها المطلق للشعب والوطن، وهي موجودة لحمايتهما والدفاع عنهما، وما عدا هذا فهو طارئ، وشاذ، لابد من التخلص منه..

لا يمكن تشكيل الجيوش القادرة على حماية الشعب والوطن بيوم وليلة. إن مثل هذا التشكل عملية مستمرة، تحتاج ليس إلى إنفاق الأموال الطائلة، وفتح باب الإنتساب لإعداد غفيرة من المواطنين له، وإنما إلى تراكم الخبرات، وبروز الكفاءات القادرة على قيادة الصنوف المختلفة بكل إقتدار.. إن القول بأن الجيش مدرسة، قول صحيح من كل الجوانب، وقد اصبحت العسكرية العراقية مدرسة متميزة، يعترف كل منصف بتميزها، وفاعليتها..

الجيش العراقي الجديد لا ينطلق من العدم، ولا من نقطة الصفر، وإنما ينطلق من إرث غني، وتراث عميق، ميّز العسكرية العراقية..

إن قرار عودة ضباط الجيش العراقي إلى العمل في جيشهم، وبين إخوانهم، إذ ينصف الذين غبنوا دونما حق، فإنه يؤكد على أن العراق سيكون قوياً بشعبه، وبجيشه، هذا الجيش المهني، غير المسيس، والذي سيكون كما أراد له أحد أبنائه، مفجر ثورة الرابع عشر من تموز "فوق الميول والإتجاهات".

فيا أيها الساسة إحموا الجيش، مثلما تريدون منه أن يحميكم ويحمي الوطن.. إلعبوا سياسة في ميدان السياسة، وليس في ميادين الجيش.. إنتهت إلى غير رجعه خرافة المكتب العسكري لهذا الحزب، والتنظيم العسكري لذاك، فالجيش للشعب كله، للوطن على إمتداده، وليس لهذا الحزب أو ذاك التنظيم.

صباح علي الشاهر