الدّوحة تفقد هويتها بتجميع ناطحات سحاب بلا دلالة معمارية

باريس ـ من حبيب طرابلسي
من يسد الفراغ المعماري؟

يصف خبير في الفنّ المعماري منطقة "ويست باي الدّوحة" المرموقة الواقعة على الطّرف الشمالي للكورنيش بأنّها بلا هويّة، ويرى آخر أن مدينة "مشيرب قلب الدوحة"، الجاري إنجازُها وسط العاصمة القطرية والتي قُدّمت على أنها "نموذجا يُحتذي به في مجال المباني المُستدامة ومثالا على تقويّة أواصر العلاقات الاجتماعية"، لا علاقة لها بالاستدامة ولن تخلق بيئة ‏اجتماعية حقيقية.

وكان المعماري الإسباني أندريا كاربونيل ومهندس تخطيط المدن الإيطالي أغاتيو ريزو يتحدّثان في تقريرأعدّه من العاصمة القطرية الكاتب كريستوف دراير لإذاعة "دوتشلاند راديو" الألمانية.

"ويست باي" لُغة معمارية بلكنة أميركية

وقال كاربونيل أن "ويست باي الدّوحة" ‏التي تصطفّ ناطحات السّحاب فيها على جوانب شوارع ‏ذات الستة أو ‏الثمانية مسارات ـ كما هو الشّأن في كبرى المدن الخليجية الأخرى ـ هي مثال على الصورة الزّائفة، فهي تبدو ‏كمدينة ولكنها لا تملك مُميّزات ‏حضاريّة مدينيّة ولا هيكلية ولا تعقيد ولا تنوّع. أي أنها ليست ‏أكثر من تجمّع لناطحات السّحاب التي لا ترتبط ببعضها. فهي تُشبه أي مدينة أميركية، إلا أن الفرق هو أن خلف هذه ‏الواجهة لا يوجد إلا الفراغ".

وعلّق الكاتب على تصريح سابق للشّيخة موزة بنت ناصر المسند، الزّوجة المفضّلة لأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة ال ثاني، اعترفت فيه بخطأ في التطوّر المعماري الذي بدأ في السبعينات. وقال دراير "لقد قام ‏المخططون آنذاك ‏بنسخ التجربة الأنجلوسكسونية في تخطيط المدينة، بحيث تكون السيارة في مركز ‏الحياة".

وأضاف الكاتب "لذلك قامت الحكومة آنذاك ‏بشراء الأراضي في وسط المدينة التي كانت فيها الأكواخ الطينية ‏تصطفّ على جوانب الأزقة وقامت بهدمها وبناء أبنية ‏سكنية وتجارية ضخمة من الإسمنت والفولاذ لا ‏تتوافق مع البيئة وتحيط بها شوارع السيارات المزدحمة".

واختتم قائلا "وهكذا انتقل سُكّان المدينة الأصليين إلى ‏الضواحي. فرغم طموح المشروع، إلا أن المتاجر القديمة والسُكّان الأصليين انتقلوا إلى أماكن أخرى ويعانون الآن من سوء الأعمال هناك بسبب عدم وجود الزبائن".

دمج رُوح الماضي بتقنيات المُستقبل

وكانت الشّيخة موزة، رئيسة مجلس إدارة "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع"، قد اعترفت في مقابلة تلفزيونية عُرضت خلال حفل وضع حجر الأساس لمشروع "مشيرب قلب الدوحة" في يناير/كانون الثاني 2010، بـ"وجود فراغ في المعمار والبناء نتج عن التطور التكنولوجي والعصرنة".

وقالت "بدأنا (في السبعينات) نتراجع عن تطوير معمارنا وبدأنا نستورد الجاهز من الغرب، لكن مشروع '‏مشيرب قلب الدوحة'‏ يُعتبر محاولة لتحفيز المعماريين لإيجاد نماذج تواكب هويتنا المعمارية كمجتمعات خليجية وكمجتمع قطري".

وأضافت "نحاول ان نطرح حلا معماريا وسدّ هذا الفراغ المعماري للحفاظ على المباني القديمة وإعادة استخدامها الاستخدام الامثل وربطه بالماضي، بحيث يكون نقطة الارتكاز هو الفرد والمجتمع ونوظّف العمران لخدمة الفرد وليس العكس".

واختتمت الشّيخة موزة بالقول أن "من اساسيات المشروع ان يكون أخضر، حيث ان المباني فيه هي مبان خضراء تتواءم مع البيئة واحتياجاتها".

وبدوره قال المهندس عيسى بن محمد المهندي، الرئيس التنفيذي لشركة "مشيرب" العقارية، "نحن لا نريد أن تصبح الدوحة مجرد مجموعة من المجمعات السكنية وناطحات السحاب التي لا تمُتّ لنا بصلة ولا تمثل قيمنا وتقاليدنا وعاداتنا. لذا قررنا البحث عن حكمة الأجداد، والاستلهام بالتراث والتقاليد. سنحقق ذلك عن طريق إرساء مفهوم عمراني جديد يستمد روحه من الماضي وتُميّزه التقنيات الصديقة للبيئة ومعايير التنمية المستدامة المستقبلية".

"مشيرب" مشروع مُميّز ولكن...

وكان المهندي قد أعلن في شباط (فبراير) الماضي عن انجاز 22 بالمائة من إجمالي مشروع "مشيرب قلب الدوحة" الذي تبلغ تكلفته الإجمالية 5.5 مليار دولار ومن المقرر إتمام المرحلة الأولى نهاية العام الحالي على أن يُستكمل سنة 2016. والمشروع هو انجاز لمؤسسة قطر ‏التي تديرها الشيخة موزة.

وتهدف الشركتان العقاريتان المنفّذة للمشروع ـ وهو ائتلاف مكوّن من شركة "كاريليون" (قطر) المحدودة و"شركة قطر للبناء" ـ إلى تقليل استهلاك البيئة والمصادر الطبيعية الموجودة بها، بالإضافة إلي تخفيض انبعاثات الكربون التي تصدرها السيارات والإدارة المستدامة للنفايات.

ويتضمّن المشروع مبانى سكنية بسعة استيعابية تصل إلى أكثر من 27 ألف نسمة، بالإضافة إلى مباني حكومية رئيسية، منها الأرشيف الوطني والمسرح والمتحف والفنادق الفاخرة ومدرسة ابتدائية وحدائق مصمّمة وفق التراث الإسلامي.

ويقول المهندس الأميركي جون روزي الذي يُشرف على المشروع "نحن نقوم بتقوية ودعم ‏الهويّة القطرية. سيكون أحد المشاريع التي ستؤدي إلى التأثير على ‏حياة الناس. المهم في المشروع هو أنه سيتم بناء حي جديد يربط جميع آفاق الحياة مع بعضها البعض بحيث يستطيع الناس العمل في الحي وإرسال أولادهم إلى المدرسة والتسوّق فيه والذهاب للسينما وللصلاة في ‏المسجد.

‏ويُشير جون روزي إلى أحد الأزقة ويقول أن "هذه الأزقة تمنح الظلّ وهي ضيّقة بحيث أنها تُجبر الناس على الالتقاء وفي نهاية كل زقاق توجد ساحة أو حديقة صغيرة يمكن للناس فيها التجمع وتبادل الأحاديث".

‏ويرى المهندس الإيطالي أغاتيو ريزو من ناحيته أن "المشروع مُميّز وفريد من نوعه في الخليج"، لكنّه يعتقد أنه "لن يخلق بيئة ‏اجتماعية حقيقية، لأن الأسعار فيه ستكون مرتفعة بحيث أن ‏القليلين فقط من القطريين هم الذين سيستطيعون السكن هنا. إضافة إلى ذلك ستكون المتاجر هنا أفضل المتاجر ‏وأفخمها".

‏ويعتقد ريزو كذلك أن "وظيفة مشيرب الحقيقة ليست تثبيت أقدام فكرة الاستدامة في الخليج إنما جذب ‏السيّاح والأيدي ‏العاملة، الأمر الذي هو جزء من إستراتيجية تنويع الاقتصاد وتخفيف الاعتماد على ‏البترول".

من"قلب" الدّوحة إلى صحراء أبوظبي

ويخلص الكاتب إلى القول بأن "الفرق الأساسي بين '‏مصدر'‏ (احدى أهمّ المدن الخضراء في العالم) التي تبنيها أبوظبي و‏'‏مشيرب قلب الدوحة‏'‏ هي أن ‏'‏مصدر' تُبنى في الصحراء تحت الشّروط المخبرية، بينما تُبنى ‏'‏مشيرب الدوحة‏'‏ في قلب المدينة الموجودة".

ويقول جيرالد يو، وهو أستاذ كوري يدرّس في مصدر، "نحن نعيش في فجر ثورة عالمية في مجال ‏الطاقة من شأنها أن تغير طريقة تفكيرنا في كيفية إنتاج وتوزيع واستهلاك الطاقة". ويُضيف في مقال بصحيفة "كوريا تايمز" بعنوان "مشروع مصدر يتوج معجزة الإمارات" أن "مصدر، التي تبحث في كل أنواع الطاقة المتجددة والتكنولوجيات المستدامة، تقدم مثالا على طريقة عيشنا وعملنا في المستقبل".

‏ومن بين السّمات الرئيسية لمصدر، يذكر الخبير الكوري "مزرعة ألواح الطاقة الشمسية التي تهدف لإنتاج 17500 ميغاواط في الساعة من الكهرباء النظيفة سنويا، وبالتالي ستسمح بتفادي 15،000 طن من انبعاثات الكربون سنويا".

‏ويضيف الخبير أن مصدر هي أيضا "مختبر لمركبات النقل الشخصي السريع يتم التحكم فيها بدون سائق عن طريق نظام ملاحة متطور، وهي تستخدم مغانيط في الممر تمكنها من معرفة موقعها كما توجد على متنها أجهزة استشعار لرصد أي مُعيقات في طريقها، ويُبقيها جهاز اتصال لاسلكي مرتبطة بجهاز ‏حاسوب مركزي يقوم بتوجيهها خلال رحلتها ويحرص على الاشتغال السّلس لجميع المركبات".

وفي وسط الحي السّكني يوجد بُرج إضاءة، يبلغ ارتفاعه 45 مترا، يتغير لونه ليسمح للمقيمين والزوار بمعرفة ما إذا كانوا يستخدمون الكثير من الطاقة أو يستهلكونها بمستوى مناسب. يلتقط البرج أيضا رياح المستويات العليا ويحولها إلى الأسفل، في حين تضيف مولدات الرذاذ في الأعلى برودة إضافية للهواء.

ويخلص الخبير الكوري إلى القول بأن "واحد من أكثر الجوانب جاذبية في مصدر هو استخدام الحافلات الكهربائية وغيرها من مركبات الطاقة النّظيفة، الشيء الذي يجعلها أنظف وأكثر هدوءا من غيرها من المجتمعات الحديثة".