أبعاد استهداف الفلسطينيين من قبل نظام الأسد

بقلم: المصطفى روض

قتلت قوات النظام السوري ثلاثة مواطنين فلسطينيين يوم الجمعة الماضي في مخيم اليرموك بضواحي مدينة دمشق عقب خروج عشرات الآلاف من الشباب الفلسطينيين للتظاهر نصرة لإخوانهم السوريين الثائرين في وجه نظام الإستبداد في كافة المدن والبلدات. وليست المرة الأولى التي يقتل فيها فلسطينيين على يد قوات هذا النظام منذ اندلاع الحراك الشعبي أواسط مارس 2011، غير أن عملية قتل واستهداف فلسطينيين في أكبر مخيم لهم في سوريا تكتسي بأبعاد ودلالات لابد من التقاطها لمعرفة التأثير الذي قد يستهدف، آجلا أو عاجلا، الوجود الفلسطيني سواء في مخيم اليرموك بشكل خاص او على مستوى كافة المخيمات في سوريا بشكل عام.

في الفترة الأخيرة أعلن نايف حواتمة أمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين عن اتفاق توصلت اليه كل من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، حركة فتح وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني بهدف تحييد المنظمات الفلسطينية في سوريا عن الصراع الداخلي الدائر بين الشعب السوري ونظامه السياسي بقيادة بشار الأسد الذي نهج سياسة أبيه.

ووفق إعلان الزعيم حواتمة، فإن الغاية من هذه الخطوة الحيادية العقلانية هو تفادي المصير الذي تلقاه فلسطينييو الشتات الكويتي مباشرة بعد الخروج الإضطراري للقوات العراقية من الكويت قبيل دخول قوات التحالف الثلاثيني، حيث تعرض هؤلاء الفلسطينيون آنذاك على يد قوات الحكومة الكويتية للتنكيل والقتل والتشريد ومصادرة الممتلكات بسبب مساندة ووقوف قيادة منظمة التحرير الفلسطينية مع العراق، ولذلك تكتسي خطوة التحييد أهمية كبرى تفاديا لبطش نظام البعث الأسدي الذي له سوابق في ارتكاب مجازر في حق الفلسطينيين بلبنان وفي إذلالهم وتشديد الإستبداد والخناق عليهم داخل سوريا.

ومباشرة بعد إعلان حواتمة لإتفاق خطوة تحييد المنظمات الفلسطينية، أعلن أحمد جبريل زعيم الجبهة الشعبية القيادة العامة للتلفزيون السوري، في تصريح مثير ومستفز للفلسطينيين ولشعب الثورة السوري، مفاد ان جبهته وإيران وحزب الله سيكونون جزءا من المعركة إلى جانب النظام السوري ضد الغرب، معتبرا ان ما يدور ليس حراكا داخليا بل هو تغيير في بنية هذه المنطقة لصالح شرق أوسط جديد(!؟). وليس غريبا أن يكون الزعيم أحمد جبريل في خندق النظام السوري ومساندا له لأن الرجل منذ وطأت قدماه الأراضي الدمشقية قبل ثلاثين عاما وهو يمتثل وينفذ أجندات هذا النظام وكان في حل كامل من واجبات فصيله في تطبيق برامج منظمة التحرير الفلسطينية التي كان عضوا فيها، لما كانت تشكله من قواسم مشتركة يقررها المجلس الوطني الفلسطيني باعتباره مؤسسة برلمانية. وبهذا المعنى الصريح والواقعي فإن إعلان احمد جبريل هو خدمة مباشرة للنظام ضمن خدمات كثيرة سابقة كانت تسيئ سواء للوجود الفلسطيني على الأراضي السورية او للقضية الفلسطينية وللعمل الوطني الفلسطيني التحرري. وكان على هذا الأساس، وعلى غرار حركة فتح المنشقة بزعامة أبو موسى وفصائل اخرى قومجية ليس لها أي امتداد في الداخل الفلسطيني، يستعمله النظام السوري في اللعب في الساحة الفلسطينية لتمرير لازمته المشروخة: "النظام السوري قلب العروبة النابض ومساند للمقاومة الفلسطينية....". ولن ينسى الفلسطينيون مواطنين وفصائل، وخصوصا في سوريا، العداء الذي كان يكنه احمد جبريل للزعيم الراحل ياسر عرفات لمجرد ان الأخير كان حازما في الحفاظ على القرار الوطني الفلسطيني من هيمنة الانظمة الاقليمية ورافضا تحويل منظمة التحرير الفلسطينية أداة في يد النظام السوري، ولذلك اعتمد هذا النظام ضرب الفلسطينيين بالفلسطينيين، حيث أمرت القيادة السورية عام 1982 قادة التيار القومي المغامر في حركة فتح بزعامة ابو موسى للإحتكام إلى السلاح في مواجهة ياسر عرفات وأتباعه في طرابلس اللبنانية ما تسبب في إراقة الكثير من الدماء الفلسطينية. وفي دمشق مكن النظام أتباع أبو موسى بكل الوسائل والأسلحة لدحر أتباع عرفات والاستيلاء على كافة مقراتهم، وعمل وفق خطط مسيئة للقضية الفلسطينية عندما بدأ بدفع أحمد جبريل وأبو موسى وعصام القاضي الزعيم القطري لحزب البعث الفلسطيني قبل وفاته للعمل على تأسيس إطار بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية اواسط الثمانينات يكون مقره دمشق.

لكن الجبهتين الديمقراطية والشعبية والحزب الشيوعي الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية كانت كلها تقف سدا منيعا للحيلولة دون قيام بديل عن إطار منظمة التحرير الفلسطينية الذي قررته الشرعيتان الفلسطينية والعربية ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني. وكانت الخطوة الأولى لهذا السد المنيع هو إقامة الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية مؤسسة القيادة المشتركة فيما بينها وإصدار وثيقة الإصلاح الديمقراطي لتجاوز مضاعفات وتداعيات الإنشقاق المسلح داخل حركة فتح وإصلاح جذري لمؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية. وعندما فشل النظام السوري في تحقيق مبتغاه الاستراتيجي في خلق إطار فلسطيني بديل تابع ليكون خادما لسياساته الاقليمية وورقة يستعملها في الساحة الدولية لتحقيق توازناته الاستراتيجية مع إسرائيل لنيل رضا الغرب على ما قدمه لهم من تجميد لكل جبهات المقاومة الفلسطينية كما فعل في الجولان التي منع بالمطلق أي فصيل فلسطيني في إطلاق ولو رصاصة واحدة انطلاقا من الجولان او جبل الشيخ تحت التهديد وبمنطق الوصي والمزايد في نفس الوقت على دول الطوق وتحديدا مصر والأردن برفضهما السماح للفلسطينيين بمقاومة العدو الاسرائيلي من أراضيهما، وهي مزايدة تحتمل الكثير من المفارقات حيث تكشف زيف الإدعاء بالمقاومة والممانعة ومساندة الشعب الفلسطيني في قضيته.

وكما عمل النظام السوري على محاولة خلق بديل عن منظمة التحرير الفلسطينية وعجز، فإنه على المستوى الثقافي تمكن لفترة من شق اتحاد كتاب الفلسطينيين والصحفيين، حيث بات الإطار المنشق الذي كان مقره في منطقة الازبكية بدمشق بوقا للنظام السوري ولأدواته من الجماعات الفلسطينية الموالية على رأسها جماعة احمد جبريل وجماعة أبو موسى العسكري التي ركزت في حملتهما على جملة افتراءات لتبرير شق الإطار الثقافي الفلسطيني كان أبرزها الإدعاء بان الشاعر الإستثنائي المرحوم محمود درويش ورفاقه من باقي الكتاب في المكتب التنفيذي ما "هم إلا أتباع ياسر عرفات " الذي كانوا يخنقونه ضمن منطق تخويني بهدف تحقيق اهداف سياسية تخدم سياسة النظام الاقليمي في سوريا.

و إذا كانت تصريحات احمد جبريل الأسبوع الماضي مسيئة ومحرجة للفلسطينيين في سوريا كما هي مسيئة للحراك الثوري للشعب السوري لكونها إفتراء على حقيقة وجود هذا الحراك الاجتماعي والسياسي الذي يتواصل على الأرض بديناميكة غير مسبوق لها في ثورات الربيع العربي، فإن الزعيم حواتمة كان تصريحه متوازنا وفيه قراءة واضحة في مضمونها السياسي العقلاني لتجنيب المخيمات الفلسطينية ومؤسساتها الحزبية والاجتماعية أي احتكاك مع قوات النظام او التموقع كطرف مع احد طرفي الصراع من دون ان ينسى توضيح مسألة أساسية قام بالإفتراء عليها احمد جبريل، إذ قال نايف حواتمة بالوضوح إن ما يجري في سوريا ما هو إلا "حراك شعبي وانتفاضة تمثل الشعب السوري لنيل حقوقه في الحرية والكرامة والديمقراطية التعددية والتداول السلمي للسلطة تحت سقف دستور لدولة مدنية ديمقراطية"، وهذا تصريح مكثف لا لبس فيه إن لجهة توضيح ما يجري من ثورة شعبية او لجهة إعمال الفلسطينيين في سوريا لمبدأ التحييد عن الصراع الداخلي حتى لا ينقض نظام الاستبداد على الفلسطينيين الذين نسب لهم عند انطلاق الشرارة الأولى للثورة في درعا مسؤولية إشعالها قبل أن يبدأ في استعمال مسميات اخرى مثل الارهاب والقاعدة.

ولم يقف احمد جبريل عند حدود تصريحه انتظارا لليوم الذي ستنطلق فيه معركته القومية الدونكيشوتية مع إيران وحزب الله في مواجهة الغرب، بل تجاوز كافة الحدود في استخدام قوات فصيله، الجبهة الشعبية القيادة العامة، إلى جانب قوات الجيش السوري ورجال الامن والشبيحة في قمع الفلسطينيين بمخيم اليرموك والمشاركة في قتل بعض الفلسطينيين بواسطة السلاح وهو الشيء الذي ينذر بتطورات خطيرة قد تشهدها المخيمات الفلسطينية انطلاقا من مخيم اليرموك الذي بات يخرج فيه الشباب الفلسطيني يوميا لدعم الثورة السورية وغير عابئ باتفاق الفصائل الفلسطينية الأربعة التي تريد إبعاد مشاكل المواجهات مع النظام السوري بطريقة هادئة اعتمادا على الحياد. وليس مستبعدا أن يلجأ النظام إلى استخدام الجماعات الفلسطينية الموالية له لضرب الحراك الفلسطيني المتضامن في المخيمات لتأديبهم ومعاقبتهم، لكن الفصائل الفلسطينية المستقلة على الرغم من إتفاقها وإعلانها الصريح بتحييد الفصائل الفلسطينية.. سوف لن تظل مكتوفة الأيدي أمام أي اعتداء على الفلسطينيين خصوصا وأن لها قواتها داخل المخيمات وستكون مضطرة لحماية مواطنيها من البطش والقتل تماما كما فعلت أواسط الثمانينات عندما هبت للدفاع عن سكان المخيمات الفلسطينية في لبنان جراء الهجمة الشرسة التي مارستها عليهم حركة أمل بزعامة نبيه بري وبأمر من القيادة السورية بدافع أوهام استرتيجية تفتقت عنها عبقرية حافظ الأسد الذي أراد من خلالها فصل ملف القضية الفلسطينية عن ملف لبنان ولم يجد أي خطوة مناسبة لهذا الفصل سوى إجبار الفصائل الفلسطينية عن تجميد حركتهم السياسية ومقاومتهم المسلحة، وعندما كانت ترفض قيادتهم هذه الاوهام تمت معاقبتهم بالقصف وبالقتل، فضلا عن الحملات العنصرية التي شنت عليهم.

المصطفى روض

الشيلي