الرَّصافي أعمق من أن يكون طائفياً!

بقلم: رشيد الخيُّون


الأزبال حول تمثاله ببغداد وصمة عار في وجه هذا الزَّمن

سواء اختلفنا معه أو اتفقنا فمعروف الرَّصافي قامة في النَّثر قبل الشِّعر، وهو العقل المشكك بالعقائد، وهذا على ما نعتقد يأخذ حق التشكيك مِن القرآن نفسه، وهو يخاطب البشر باستخدام العقل: أفلا تعقلون، ولعلكم تعقلون، وإن كنتم تعقلون وغيرها! ونستطيع القول أنه معري عصره، فكم مِن مرة يُسمي شاعره الأثير أبا العلاء المعري (ت 449 هـ) بشاعر البشر. لكن الرَّجل يؤمن كان بالخالق وبنبوة محمد لكن لديهم تفسيره الخاص، وهو ضد الدِّين الذي صنعه الرِّجال، لا ذلك الدِّين البسيط الواضح.

أما أن يكون كتاب الشَّخصية المحمدية مِن تأليفه، فهذا ما بحثته ونشرته في أكثر مِن مرة، وأكثر مِن مقال، ولديَّ ما لا يقبل الشَّك أنه كتاب الرَّصافي، منها ما ورد في كتابه "رسائل التَّعليقات" (1944)، ومنه مقابلة تلميذه كامل الجادرجي (ت 1968) معه، وبخط يد تلميذه، ومنها فهرست مؤلفاته، وغير ذلك كثير وكثير جداً.

نعود إلى طائفية الرَّصافي، مِن عدمها، فالرَّجل صاحب رؤية أعمق مِن أن يكون طائفياً، وأعد الطَّائفية تصلب في العقل، ووساخة في الضَّمير، وهو المشكك في ما يقرأ ويرى، ما له والطَّائفية حتى يُترك تمثاله محاطاً بالأزبال إذا كان هذا هو العذر! ليس أكره على رجال الدِّين السُّنَّة مِن معروف الرَّصافي، والشَّواهد كثيرات، وهجاء في قصيدته "المفتي" زميله في الدراسة، ويغلب على الظَّن أنه محمد بهجت الأثري (ت 1996)، الذي كفره لعقيدته في السفور والحجاب، بل سماه "بوليس السَّماء"(العمري، حكايات سياسية).

ولا أظن أنه قصد غيرهم في شعره التالي(الأعمال الشِّعرية الكاملة):

أُحبولة الدِّين ركت مِن تقادمها

فاعتاض عنها الورى أُحبولة الوطنِ

بينما أجد الرَّصافي قد رثى الشَّيخ محمد مهدي الخالصي (ت 1922)، وهو مِن أعلام الشِّيعة في زمانه، فالطَّائفي لا يقوى أن يقول كلمة مديح أو رثاء بحق مَن يبغض مِن الطَّائفة الأُخرى، يغمض عينه ويغلق قلبه بوجه محاسنها. قال راثياً الخالصي:

أدقَ الدَّهرُ بالمنية كأسه/مِن قديم وطاف يسقي أُناسه

نعي الخالصي فارتجَّت الأنـ/فاس حزناً مضرجاً بحماسه

كذلك أجده يُرثي الشَّاعر عبد المحسن الكاظمي (ت 1935) قائلاً:

ليس في غاية الحياة البقاءُ/ فلذا خاب في الخلود الرَّجاءُ

قد قضى الكاظمي وهو جديرٌ/أن تعزى في موته الشُّعراء

وتراه رثى السيد أبا العز القزويني عالم الحلة المعروف قائلاً:

قف بالدِّيار الدارسات وحيِّها/وأقرَ السَّلام على جآذر حيِّها

وانشد هنالكَ للمتيَّم مُهجة/ فُنيت مِن الأهواء في عُذريها

وله مادحاً الشاعر الشَّعبي ملا عبود الكرخي (ت 1946)، وهو شيعي معروف:

أَعبود إنك ذو فطنةٍ/ تعيش بها عيش حرٌ سعيدُ

أتيت مِن الشِّعر بالمضحكات/ وبالمبكيات التي لا تبيدُ

أما بين محمد مهدي الجواهري (ت 1997) والرَّصافي أشهر مما يُذكر، وهو القائل المبشر بشاعرية ابن النَّجف:

أقول لربِّ الشعر مهدي الجواهري/إلى كم تناغي بالقوافي السَّواحــرِ

وتراه رفع الجواهري درجة على نفسه، مع أنها سابقة بين الشعراء:

بك لا بي أصبـح الشعر زاهرا/ وقد كنت قبل اليوم مثلك شاعرا

هذا غيض مِن فيض،فإذا كنتم تظنون الظُّنون بالرَّصافي تلك الظُّنون فبئس ما ظننتم، فالأزبال حول تمثاله وصمة عار في وجه هذا الزَّمن.