صمت النهضة يشجع السلفيين على 'هتك' أعراض المعارضة


من يحميني من رجال عصور الظلام؟

تونس - اتهم سياسيون وحقوقيون حكومة الائتلاف الثلاثي الذي تقوده حركة النهضة الإسلامية بـ "تشجيع السلفيين على انتهاك الحريات الفردية والعامة" و"الاعتداء اللفظي والبدني على كل من يخالفهم الرأي" و"هتك أعراض قيادات المعارضة" وذلك على إثر تعرض رئيس الهيئة العليا للحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي للتعنيف من قبل مجموعة سلفية في مدينة غار الدماء "180 كلم شمال تونس العاصمة".

وشدد السياسيون والحقوقيون على أن "تكرار الاعتداءات والإمعان في إيجاد مبررات لها والتقليل من خطورتها من قبل الحكومة هو تشجيع غير مقنع لهذه المجموعات التي تعتبر نفسها فوق القانون والتي لم نر مثلها في البلاد في أحلك فترات نظام بورقيبة وبن علي".

وكاننت قد هاجمت مجموعة من السلفيين يتراوح عددها بين 15 و20 فردا ملتحيا في مدخل مدينة غار الدماء أحمد نجيب الشابي بعد أن قطعوا الطريق أمام سيارته وأجبروه على الوقوف.

وروى الشابي بنفسه تفاصيل الاعتداء مؤكدا أن السلفيين "شتموني ونعتوني بالكفر والإلحاد وبصقوا علي ثم اعتدوا علي بالعصي والهراوات ورشقوني بالحجارة وهشموا سيارتي".

وقال الشابي إن "خطة السلفيين أصبحت واضحة، إنهم قرروا استهداف السياسيين ونشطاء المجتمع المدني بهدف بث الرعب في صفوفهم ومنعهم من عقد الاجتماعات بعد أن انتهكوا المؤسسات السيادية للدولة والجامعات ومؤسسات التعليم".

وأعرب عن استغرابه من "تجاهل الحكومة لاستفحال ظاهرة العنف السلفي الذي بات يهدد المسار الديمقراطي مثلما يهدد أرواح السياسيين بعد أن أفتوا بكفرهم ودعوا إلى قتلهم".

وطالب الشابي وزارة الداخلية بـ "توفير حماية شخصية" له بعد أن تأكد أن السلفيين يستهدفونه شخصيا".

وكان السلفيون اعتدوا بالعنف اللفظي والمادي على عديد الشخصيات الفكرية والسياسية والنشطاء من بينهم المفكر الإسلامي محمد الطالبي الذي أهدروا دمه على شبكة التواصل الاجتماعي بعد أن رموه بالإلحاد وهاجموا منزله بحي باردو شمال تونس العاصمة وكتبوا على جدرانه باللون الأسود "هذا منزل كافر وملحد".

ولم يتردد الطالبي في اتهام رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي بالتواطؤ مع السلفيين "لأنه هو نفسه سلفي لا يؤمن بحرية الفكر والتعبير".

وأثار الاعتداء على الشابي موجة واسعة من التعاطف معه من طرف السياسيين والحقوقيين الذين شددوا على أن السلفيين "وكلاء يعملون بالمناولة لحسابات جهات لا يعلمها الله" في تلميح لوقوف حركة النهضة وراء ممارساتهم والسكوت عنها.

وطالبت الرابطة التونسية لحقوق الإنسان "السلطات والمصالح الأمنية بإيقاف المعتدين وتتبعهم فورا وإحالتهم على العدالة وبتطويق ظاهرة العنف مهما كان مأتاه وفتح تحقيق بشأن كل الأطراف التي قد تكون واقفة وراءه".

كما طالبت الرابطة السلطات المعنية بتوفير الأمن لمسؤولي الأحزاب أثناء قيامهم بنشاطهم في الجهات وخاصة منها المعروفة بالعنف السلفي".

ومن جهته دعا رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر "السلط المعنية إلى فتح تحقيق وتتبع المعتدين" مشددا على أن العنف الذي يمارسه السلفيون "يتنافى مع حرية النشاط السياسي ومع المساعي والجهود الرامية إلى إرساء مقومات دولة الكرامة والحرية والقانون ومواجهة كل أخطار التطرف والقضاء على جميع أشكال العنف".

أما حزب اليسار الديمقراطي التقدمي الذي يتزعمه أحمد إبراهيم فقد وصف الاعتداء على الشابي بـ "الفعلة الإجرامية" ملاحظا أن هذه الفعلة "تأتي في وضع عام متدهور تكاثرت فيه ظواهر التعدي على الحريات الفردية والعامة ووصلت إلى حد الدعوة إلى قتل المخالفين في الرأي".

وأعرب أحمد إبراهيم عن "استغرابه من استخفاف الحكومة بخطر هذه الظواهر وتراخيها في اتخاذ التدابير الصارمة لردع المجموعات المتطرفة".

ومن جهته وصف رئيس المكتب السياسي لحزب الأمان إسكندر الرقيق الاعتداء على الشابي بـ"الاعتداء الإجرامي الذي يمس بالحريات الشخصية وحرية النشاط السياسي" مطالبا السلطات بـ "فتح تحقيق لكشف المتورطين وتسليط أقصى العقوبات".

أما حركة النهضة فقد اكتفت ببيان عبرت فيه عن "تعاطفها مع الشابي".

وقال الناشط والمحلل السياسي عبد العزيز المزوغي إن "اعتداء السلفيين على نجيب الشابي ضرب للديمقراطية لا يجوز السكوت عنه" ملاحظا أن "ما اعتداد عليه الناس من منع الاجتماعات والاعتداء اللفظي والبدني على الأشخاص وهتك الأعراض بصفة بذيئة على الشبكات الاجتماعية من قبل اشخصا ومجموعات لا تخفي انتماءها ومساندتها لحركة النهضة الحاكمة لا يبشر بخير".

وأضاف المزوغي "إن تكرار الاعتداءات وتراخي السلطة في تتبع السلفيين كارثة على البلاد وهي مؤشر خطير على ما قد تؤول إليه الحياة السياسية في تونس في ظل تجييش الميليشيات لصد الخصوم السياسيين للحزب الحاكم عن النشاط السياسي.

وبرأي المراقبين فإن "صمت الحكومة المطبق" عن إمعان السلفيين في ممارسة العنف هو دليل قاطع على أن المجموعات السلفية المنتشرة في مداخل المدن ومداخل الأحياء الشعبية في شكل مجموعات يتراوح عددها بين 5 و10 ملتحين هي الذراع التي تبطش بها النهضة خصومها إضافة إلى أن "ميليشيات السلفيين" تمثل ذخيرة انتخابية ليس من مصلحة النهضة معاداتها أو حتى لجمها.

ويسود لدى التونسيين اقتناع بأن السلفيين يتمتعون بـ "حظوة" لدى حكام تونس الجدد حتى أنهم لا يستنكفون من التعدي على الحريات دون أن تحرك الحكومة أو وزارة الداخلية ساكنا".

واستولى السلفيون على حوالي 500 منبر من منابر المساجد بعد أن طردوا خطبائها بتعلة أنهم من بقايا نظام بن علي.

وعادة ما يقف ملتحين أو ثلاثة يوم الجمعة أمام باب المسجد ولا يسمحون بالدخول إلا للملتحين.

وبكثير من القلق أصبح التونسيون مجبورين على مشاهدة مجالس ينظمها السلفيون في الساحات العامة بالإحياء الشعبية ترفع خلالها الأعلام السوداء وتلقى فيها الدروس التي تدعو التمسك بالمظاهر التدين المتشدد مثل إطلاق اللحي وارتداء النقاب .

وخلال الفترة الأخيرة التي اتسمت بـ "هدنة سلفية" تسربت معلومات أن تلك الهدنة تمت بالتنسيق مع حركة النهضة يتم بمقتضاها مباركة الحركة لمؤتمر السلفيين وهو ما تم فعلا حيث حضره رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي كما يتم بمقتضاها "انسحاب السلفيين" من الساحة وقتيا من أجل ضمان إنجاح مؤتمر حركة النهضة.

وبرأي لطفي زيتون الوزير المستشار لدى رئيس الحكومة حمادي الجبالي فإن "المطروح اليوم على القوى السياسية هو الحوار مع القيادات السلفية لا مواجهتها، لأن الحوار معهم يفضي إلى استقطابهم".

ويتطابق موقف زيتون الذي كان يشغل في لندن مدير مكتب راشد الغنوشي مع "خطة النهضة" تجاه التعامل مع السلفيين التي تعتبرهم "إخوان نختلف معهم في الوسائل والطرق ونلتقي معهم في العقيدة" على حد تعبير قيادي في حركة النهضة.

وتجمع القوى السياسية الديمقراطية واليسارية والعلمانية على أن الاعتداء على أحمد نجيب الشابي هو "ناقوس خطر وإنذار حتى تستيقظ الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني ولا تكتفي بالبيانات للقضاء على هذه الظاهرة التي تنسف أركان الديمقراطية الناشئة وحتى تستنبط طرق تعامل مع السلفيين كفيلة بالدفاع عن الحرية التي عجزت الحكومة عن حمايتها".