'وابشَّاراه'!

بقلم: جواد البشيتي

بَدَن بشار اقْشَعَرَّ من شناعة وبشاعة مجزرة الحولة؛ فعلَّق عليها قائلاً إنَّ الوحوش لا ترتكبها (وهذا الفِعْل للوحوش، أيْ افتراسها فرائسها، لا يجوز وصفه بأنَّه "ارتكاب مجزرة").

ولو كُنْتُ مِمَّن يَنْصرون بشار، وينتصرون له، ولَقِيتُهُ عِيَاناً وهو يرتكب بيديه، أو بأيدي المتعصِّبين له، مجزرة الحولة، لَقُلْتُ، بعد سماعي ما قال، إنَّه بريء منها براءة الذئب (أو الأسد) من دم يوسف.

شناعة (وبشاعة) مجزرة الحولة هي الآن دون شناعة (وبشاعة) مجزرة التريمسة؛ فكيف للذي اقْشَعَرَّ بدنه من "الحولة"، وأرْبأ بالوحوش (غير البشرية) عن فِعْلها، أنْ يرتكب "التريمسة"؟!

إنَّهم المتعصِّبون له، عن جهلٍ، أو عن مَنْفَعة، هُمْ الذين يتساءلون، في دهشة واستغراب وتَعَجُّب، لا أنا؛ وهؤلاء لا يَعْتَرِفون إلاَّ بدليل واحد أحد على ارتكاب بشار مجزرة التريمسة، ألا وهو "سَيِّد الأدلَّة"؛ فبشار نفسه يجب أنْ يَعْتَرِف على رؤوس الأشهاد أنَّه مرتكبها؛ فإذا لم يَعْتَرِف، أو إلى أنْ يَعْتَرِف وهو على رأس الحُكْم، يظلُّ بريئاً منها، ويَحِقُّ له أنْ يَتَّهِم غيره (أي الضحية نفسها) بارتكابها!

كان بشار، بأسلحته الثقيلة، وبسلاحه الجوِّي، يَضْرِب قرية التريمسة، أيْ "العصابات الإرهابية المسلَّحة"، في داخلها، وحولها، إذا ما أرَدْنا التعبير عن هذا الفعل بلغة إعلامية رسمية سوريَّة. وفي أثناء ذلك، أيْ في أثناء هذا السعي العسكري لبشار لـ "تحرير" القرية وأهلها من تلك "العصابات"، شرع "مجرمون" و"قَتَلَة" مأجورون يرتكبون المجزرة، فتناهى إلى سَمْع بشار صَرْخَة "وابشَّاراه"، تُطْلِقها حناجر أطفال ونساء وشيوخ القرية، فَثَارت في نفسه حَمِيَّة تُضاهي أو تَفُوق حَمِيَّة المعتصم؛ فأرسل جيشاً من السَّفاحين، المتعصبين له، والذين لا يَثِق بغيرهم في أوقات الضيق والشِّدة، فأكملوا وأتمُّوا مهمَّة "الجيش النِّظامي"، "مُحرِّرين" القرية من أهلها؛ ولو كان لدى العالَم من "حِسٍّ إنسانيٍّ" كحِسِّ بشار لَمَا توانى عن الانضمام إليه في إغاثة أهل التريمسة كما أغاثها هو!

وإذا كان العالَم غير مكترث لحياة "المراقبين الدوليين"، فيَحَضُّهم على مغادرة فنادقهم، والذهاب إلى "مسرح الجريمة" ولَمَّا يَتْرُكه "المجرمون"، فإنَّ بشار مُكْتَرِث؛ ولن يسمح لهؤلاء المراقبين بالذهاب إلى "التريمسة" إلاَّ بعد أنْ تغدو "آمنة لهم"، أيْ بعد أنْ يُغادِرها "المجرمون"، آخذين معهم كلَّ دليلٍ على أنَّ "المعتصم" هو الذي ارتكب "التريمسة"!

ولولا خشيته من أنْ يُسْتَفَزَّ "الحجر" في التريمسة، وفي سيبيريا أيضاً، لَذَهَب بشار بنفسه إلى التريمسة ليَحْتَفِل مع "أهلها"، أي مع موتاها، بهذا "النَّصر المؤزَّر" على "المجرمين" و"القَتَلَة" المأجورين الذين لولا صرخة "وابشَّاراه"، وما ترتَّب عليها، لاسْتَكْملوا "مجزرتهم"، وقَضوا على الشجر والحجر!

وإنَّها لـ "جريمة" لا تَعْدِلها جريمة، أنْ يُتَّهَم بشار، بعد كل ما فَعَل تلبيةً لـ "نداء الاستغاثة"، بأنَّه مُرْتَكِب "التريمسة (فالجرائم على نوعين اثنين: "التريمسة" و"سائر الجرائم")!

أليس من الظُّلْم بمكان أنْ يُصدِّق العالَم "رواية الضحية"، آخِذاً بأدلَّة تكاد، لجهة قوَّتها، تَعْدِل "سيِّد الأدلَّة"، وهو "الاعتراف"، ويَضْرِب، في الوقت نفسه، صَفْحاً عن "رواية المعتصم"؟!

ولكنَّها "المؤامَرة (الكونية)" التي تتعرَّض لها "قَلْعَة المقاومة والصمود"، و"العرين" منها على وجه الخصوص؛ وإنَّ "روسيا بوتين" لَمُحِقَّة تماماً في تحذيرها من مَغَبَّة "التدخُّل العسكري الخارجي"، وفي وقوفها ضدَّه؛ فروسيا التي تَلْبُس لبوس لافروف، بصفة كونه الحِكْمة بعينها، تُفضِّل استمرار "الحولة" و"التريمسة" على ذاك "التدخُّل" وعواقبه؛ فالبقاء لـ "طرطوس" ولو لم يُبْقِ هذا البقاء على الشعب السوري.

أمَّا مُرْتَكِبَةُ "دير ياسين" فلا ترى في شناعة وبشاعة "التريمسة" إلاَّ ما من شأنه أنْ "يُجَمِّل"، ولو قليلاً، "دير ياسين"؛ وفي هذا يكمن بعضٌ من تعليل وتفسير الرغبة الإسرائيلية في أنْ يبقى الغرب "شيطاناً أخرس" في موقفه من سوريا التي يريد لها بشار الآن أنْ ترى في "التريمسة" مستقبلها إذا ما ظلَّ شعبها على عصيانه وتمرُّده؛ وها هو الغرب يقول لـ "التريمسة"، التي، على صِغَرِها، تَتَّسِع، تدريجاً، لسوريا كلها، إنَّه "لولا روسيا والصين.."؛ لكنَّ الضحية تقول "كلاَّ، ليست روسيا والصين؛ وإنَّما إسرائيل (في المقام الأوَّل)"!

جواد البشيتي