السودان يلتحق بركب الحراك العربي

بقلم: د. خليل حسين

ظن السودانيون ان انفصال جنوبهم سيكسب النظام مزيدا من الوقت لترميم وضعه، إلا ان سنة كاملة على الانفصال كشف المزيد من المشاكل البنيوية التي يعاني منها النظام أصلا، واتجهت الامور إلى مزيد من التعقيد في الوضعين الداخلي والخارجي.

فبعد سنة على الانفصال تأجج الصراع مجددا، وتبدلت صورة الصراع من صراع داخلي إلى صراع بين دولتين، لكل منها خصائصها ومكوناتها في ادارة الأزمات وطرق اطلاقها والتحكم فيها.لكن الأخطر من ذلك انكشاف نظام الشمال كما جنوبه على ان مشكلته بنيوية، ومن الصعب اعادة احيائه بطرق تقليدية اصلاحية، وثمة من يقول ان الخرطوم التحقت فعليا في ركب الحراك العربي الذي سيفضي إلى متغيرات ولو ان من الصعب التكهن بنتائجها الوردية.

ترى المعارضة أن ضعف رؤية الحكومة للخروج من مأزق تردي الأوضاع الاقتصادية، هو غياب السياق السياسي الملائم الذي تتم فيه المعالجة، فالأسباب التي ادت إلى تردي الأوضاع، هي الفشل في إدارة عملية اقتصادية محاطة بتعقيدات سياسية، والتي أدت بدورها إلى انسداد الأفق الاقتصادي والسياسي والأمني للعديد من الأسباب أهمها، عدم تقدير الأثر الاقتصادي لانفصال الجنوب، وضعف التقدير السياسي لنتائج الاستفتاء، الذي قاد إلى الاستخفاف باستحقاقات ما بعد الاستفتاء التي يُطلَق عليها "القضايا العالقة" بين دولتي السودان، والتي جعلت السودان يعاني من الاضطراب الأمني بسبب اشتعال الحرب بين الجنوب والشمال في هجليج، وقبلها أبيي. وكذلك الموقف الدولي من حكومة الإنقاذ لجهة التوجس من الهوية الإسلامية، أو تنديده بحرب الجنوب سابقًا، وحرب دارفور ابتداءً من 2003، ما أدى الى مقاطعة اقتصادية وعزلة إقليمية ودولية انفرجت حينا واشتدت أحيانا أخرى.

نتيجة لذلك انطلق الحراك الشعبي في 21 حزيران/يونيو الماضي تحت شعارات اصلاحية اقتصادية، سرعان ما تحوّلت الى شعارات لإسقاط النظام.واستطاعت المعارضة تحقيق مكاسب موصوفة من بينها، كسر حاجز الخوف والتردد في الخروج إلى الشارع والمواجهة، كما تمكنت المعارضة من تسويق برنامجها ووضعه في اولويات الاهتمام ألدولي وأشعرت الحكومة بجدية التحدي الذي تواجهه.

ثمة مجموعة من عوامل القوة والضعف الذي يحيط بالمعارضة والنظام، وبالتالي ان تحديد مستقبل هذا الحراك مرهون بهذه العوامل ومدى الشد والجذب الذي يمارسه الطرفان في ادارة الأزمة القائمة.

فسوء الوضع الاقتصادي يمثل العنصر الأقوى للمعارضة التي تراهن عليه في جلب الشارع لجانبها. فمنه انطلقت شرارة الحراك.وما يعزز قوة هذا الحراك عوامل الضعف التي تحيط بالنظام نفسه، سياسيا، تتكون الحكومة من حوالي 15 تنظيما، ابرزها المؤتمر الوطني، والباقي عناوين تفتقد للتمثيل الفعلي.كذلك فقدان الثقة بالحكومة وبسياساتها، كما جبهة الحرب التي تواجه الحكومة بدءا من الحدود الإثيوبية وعلى امتداد الحدود السودانية مع دولة جنوب السودان لأكثر من ألفي كيلو مترا، مرورًا بدارفور حتى الحدود مع ليبيا.كما ان السودان يعاني اليوم كغيره من المجتمعات العربية كغياب حقوق الانسان وحرياته الأساسية وغياب تداول السلطة، ما يعزز الحراك السوداني وتكامله مع محيطه الاقليمي العربي الأقرب مصر وليبيا التي احرزت شيئا ما حتى الآن.

تراهن الحكومة على متغيرات اقتصادية تمتص من خلالها نقمة المجتمع، لكن بغالبيتها ليست قابلة للتطبيق. اما خيار الحكومة الانتقالية فدونها ايضا عقبات جمة. ويبقى حراك المعارضة الشعبية الذي ربما سيتعاظم قريبا ليأخذ اتجاهات أكثر تأثيرا في كيفية التغيير.

يعتبر المجتمع السوداني من المجتمعات العربية المثقفة تثقيفا حزبيا عالي النوعية، ومن المعروف عنه أيضا اسقاطه لنظامين عسكريين في العامين 1964 و1985. فهل سيعيد الكرة مجددا؟ الجواب مرهون بعناصر القوة التي تتمتع بها القاعدة الشعبية في المجتمع السوداني والذي سيتقرر مصيرها في القادم من الزمن.

د.خليل حسين

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية