القاهرة تؤسس أول نقابة في العالم للخط العربي

القاهرة ـ من د. لنا عبدالرحمن
خضير البورسعيدي نقيب الخطاطين

شهدت مصر حدثين مهمين في مسار «الخط العربي»؛ حيث افتتحت أول نقابة في العالم للخط العربي؛ وتم منح أول درجة «إجازة» خارج تركيا لخطاط مصري. والحدثان تواكبا مع زيارة الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو أمين عام منظمة المؤتمر الإسلامي؛ وافتتاحه أول نقابة في العالم لفناني الخط العربي بحضور الفنان خضير البورسعيدي نقيب الخطاطين وأعضاء مجلس النقابة.

وتبنى "أوغلو" اقتراحا من مجموعة خطاطين بأن تقام مسابقة سنوية لهذا الفن؛ بالتعاون مع مركز اريسكا بتركيا والنقابة ومركز الخطوط بمكتبة الإسكندرية. ومنح "أوغلو" درجة الإجازة في الخط العربي لأول مرة خارج تركيا للخطاط المصري الشاب شرين عبدالصابر.

ويسجل د. خالد عزب في كتاب "ديوان الخط العربي في مصر" أن الخطوط العربية بلغت عشرين نوعا على رأس المئة الثالثة من الهجرة" وأن مصر في القرن التاسع الميلادي دخلت مجال المنافسة على تجويد الخطوط مع بغداد عاصمة العباسيين وفي العصر المملوكي منذ القرن الثالث عشر الميلادي "بلغت مصر مركز الصدارة" في هذا المجال، ويضيف أن السوريين أسهموا أيضا في تطوير الخطوط التي وجدت في ظل الدولة العثمانية عناية خاصة إذ أنشئت في الاستانة عام 1908 أول مدرسة خاصة لتعليم الخط والنقش والتذهيب وظل الاتراك في مقدمة الدول المتفوقة في تجويد الخطوط حتى عام 1928 حيث استبدل الحرف اللاتيني بالحرف العربي، ويقول إن "قيادة التفوق الخطي انتقلت إلى مصر مرة أخرى.

استقطبت مصر عددا من الخطاطين الاتراك الذين تخرج على أيديهم عدد من الخطاطين المصريين وغيرهم من مختلف البلاد الاسلامية حيث أنشأت مصر مدرسة لتحسين الخطوط العربية عام 1922 ثم ألحق بها قسم لفن الزخرفة والتذهيب وصدر العدد الاول من "مجلة مدرسة تحسين الخطوط الملكية" عام 1943.

ويتحدث فنان الخط العربي خضير البورسعيدي عن واقع الخط العربي في مصر قائلاً: كل الدول تكرّم الخط العربي وفنانيه، وتقيم متاحف لحفظ تراثه، إلا مصر. ومن المؤسف أنّ وزارة الثقافة قادها فنان تشكيلي لأكثر من عشرين عاماً، إلا أنّه لم يقدم لفنّ الخط إلا الوعود. وزير التعليم السابق أحمد زكي بدر - في واحدة من مبادراته العبقريّة الكثيرة - ألغى تبعيّة مدارس الخط للتعليم الأساسي. هكذا أصبح الخط العربي لا يجد من يرعاه، وتم تشريد معلمي وطلاب نحو 400 مدرسة للخط. لم تعد تلك المدارس إلى ممارسة عملها، رغم تغيير الحكومة والنظام نفسه.

وتمني البورسعيدي أن يتحقق حلمه في إقامة متحف قومي للخط في مصر. ورغم تكريمه من مؤسسات عربية وعالمية، وحصوله على عديد من الجوائز .. أبرزها جائزة الدولة العراقية إلا أن خضير البورسعيدي، لم يحز جائزة الدولة في مصر..السبب أنّه لم يجد جهة ترشحه، فهو يخجل من ترشيح نفسه عبر جمعية «الحفاظ على الخط العربي» التي يتولى رئاستها. كما أنّه لن يطلب من جهة ما أن ترشّحه «بعد هذا العمر الطويل».

* مراكز تعليمية

د. أشرف كحلة أستاذ الخط العربي بالجامعة الأميركية يقول: في الوقت الذي شهدنا فيه تردي الخط العربى (خط المصحف الشريف) بسبب عوامل كثيرة منها عدم اكتراث الحكومات المتتابعة لهذا الفن الإسلامي، وإغلاق مدارس الخطوط العربية والتضييق عليها، ومن ثم القضاء على هذا الفن الرفيع الذي ميز الحضارة العربية الإسلامية في هذا المجال عبر عصورها المختلفة. في هذا الوقت نفسه نشهد شغفا وإقبالا ملحوظا من كثير من الطلاب الوافدين للدراسة بالأزهر الشريف لتعلم هذا الفن الرفيع (في مراكز تعليمية خاصة) باعتباره أحد أركان اللغة العربية (لغة القرآن الكريم) من ناحية، ووسيلة من وسائل المساعدة في قراءة وفهم وتحقيق المخطوطات من ناحية ثانية، وإجادته لنشره وتعليمه في بلادهم المسلمة بعد انتهائهم من الدراسة بالأزهر وعودتهم إليها من ناحية ثالثة.

ويشير د. كحلة إلى أن الأزهر الشريف وكليات وأقسام اللغة العربية في الجامعات المصرية والعربية، كانت حامية اللغة العربية بعلومها وآدابها وفنونها، ويحسن بها رعاية هذا الفن الإسلامي الرفيع (الخط العربي) الذي كاد أن يندثر وإدراجه ضمن برامج تعليم اللغة العربية سواء لأبناء أهلها أو للناطقين بغيرها، وإشباع حاجات الطالب العربي والوافد ومتطلباته من العلوم والفنون الإسلامية والعربية تحت سقف هذه المؤسسات وتحت سمعها وبصرها وإشرافها، ومن هنا فإن الاهتمام بهذا الفن الرفيع (الخط العربي) – باعتباره مأثراً من مآثر الحضارة الإسلامية. وفنا رفيعًا من أهم وأرقى فنونها لم نجد الحضارات بمثله - ورعايته، ورعاية الموهوبين فيه، والعمل على إعادته إلى سابق عصره سريع من الأهمية بمكان، والبحث عن الآليات المناسبة لتفعيله، لاسيما في ظل هيمنة العولمة الثقافية على العالم، ومحاولتها الدؤوبة والمستمرة لإذابة الحضارات والثقافات والفنون المختلفة في بوتقتها والنيل من الخصوصيات الحضارية العربية والإسلامية.

ويضيف د. كحلة: إن ما حدث للخط العربي من اضمحلال وركود بسبب تراكم عوامل كثيرة، يتطلب منا تضافر الجهود؛ لإعادة بعثه وإحيائه من جديد، وفق أحدث وسائل العصر؛ وعليه فإن نهوض جامعة الأزهر والجامعات العربية والإسلامية وكليات اللغة العربية وأقسامها بتضمين مناهج الدراسة للطلاب العرب وأيضا الوافدين، مقررات في الخط العربي والكتابة العربية الزخارف الإسلامية وأيضا عقد دورات لتعليم الخط العربي من الأهمية بمكان، ويعد خطوة مهمة على طريق بعث الحضارة الإسلامية وفنونها من جديد، والإسهام في تحسين خطوط أبنائنا العرب والمسلمين في كل مكان من أرض الله، واكتشاف النوابغ في هذا الفن الرفيع ورعايتهم، وتنمية قدراتهم.

قوالب نمطية

وفي رأي د. خالد فهمي أستاذ علم اللغة بكلية الآداب جامعة المنوفية: إن مجتمعنا العربي والإسلامي يعانى من ضعف خطوط الكثير من أبنائه في سني الدراسة المختلفة، ويقلل من قدراتهم الإبداعية في مجالات كثيرة كما أن الموهوبين في مجال الخط العربي – على ندرتهم – لا يجدون من يشجعهم أو يرعاهم أو يصقل مواهبهم، ناهيك عن كتابة للافتات وعناوين الصحف والمجلات في بلادنا العربية والإسلامية وغيرها بخطوط كمبيوترية جامدة عبارة عن قوالب نمطية ثابتة مرصوصة، تسهم – مع غيرها – في نشر الرتابة، وتكاد تقضي على عناصر الإبداع لدى الموهوبين في المجالات الفنية وغيرها. وقد كان الخط العربي وسيلة لنقل العلوم والمعارف العربية إلى العالم الآخر قبل اختراع الطباعة، وعليه كان العماد فى دفع الحركة العلمية في أوروبا التي كانت مظلمة وقت أن كان العرب هم رواد العلوم والفنون والمعارف.

ويضيف د. فهمي: إنه يجب ألا ننسى فضل الخط العربي في حفظ مقومات الهوية العربية والإسلامية، وأنه كان العماد في حفظ القرآن كتابةً، منذ عصر الرسول (صلى الله عليه وسلم) إلى عصرنا هذا، وكذلك جمع السنة وعلومها منذ القرن الثانى الهجري إلى عصر الطباعة، وينطبق القول على كافة علوم الدين الإسلامي؛ لذلك أخذ القدماء خصوصًا من الأتراك والمصريين والعراقيين وغيرهم بجميع الوسائل التي ترتقي بالخط العربي حتى صار في ذاته فنا عالميا له مكانته السامقة في جميع الثقافات، وأصبحت له صور وأشكال وقوالب عديدة، ولا يزال الباب مفتوحاً نحو ابتكار الجديد في مجال الخط العربي ولكن ذلك قاصراً على قلة من الخطاطين.

ويؤكد أنه لا يستطيع التاريخ أن ينكر براعة المئات من العرب والمسلمين في فنون الخط العربي. لقد كتبوا بأناملهم لوحات بالخط العربي تعد من أجمل ما كتب في هذا الفن، فهناك الفنان الراحل محمد عبدالقادر الذي تعد كتاباته في الخط الديواني أفضل ما كتب على وجه الأرض، وهناك الرواد من أمثال: عثمان طه، ومحمد حسني وعبد الرازق سالم ومحمد إبراهيم ومحمد حمام وفوزي عفيفي وخضير البورسعيدي، وهاشم البغدادي، وصالح العلي وغيرهم كثير.. وهؤلاء وغيرهم متعوا ناظرينا بلوحاتهم الخطية الممتعة، التي تكشف عن مواهب عملاقة وقدرات خلاقة أبهرت الدينا .. كما أنهم علموا أجيالا من العرب والمسلمين هذا الفن الرفيع لينشروه ويعلموه للتلاميذ في المدارس الابتدائية منذ نعومة أظافرهم، لتظل لبلادنا الريادة والقيادة.

وفجأة ومن دون سابق إنذار وجدنا انحدارة كبيرة في الاهتمام بهذا الفن الرفيع، وكأننا اعتبرناه ابنا غير شرعي لنا!

• دورات تدريبية

ومن أجل أحياء فن الخط العربي يقول د. يوسف إبراهيم مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر: إنه يجب إقامة دورات للعمل على إحياء فن الخط العربي (خط المصحف الشريف)، وحمايته من الاندثار في عصر العولمة التي تحاول تنميط العالم كله بميراثه وثقافاته في ثقافة القطب الأوحد. كما تستهدف الدورات التعريف بأحد فنون الحضارة الإسلامية، والإسهام في تحسين خطوط طلابنا في شتى المراحل الدراسية، حتى يحصلوا على درجات أفضل في الامتحانات.. وغيرهم من الراغبين في تعلم هذا الفن الرفيع، وتكوين أجيال من الخطاطين المتميزين، الذين يسهمون في كتابة المصحف الشريف للأجيال القادمة، والعمل على اكتشاف الموهوبين في الخط العربي، وإخراج كنوز الخط العربي والتعريف بها للعالم كله، والحفاظ على هوية الأجيال المسلمة، وربطهم بماضيهم المجيد وبحضارتهم الإسلامية التي أضاءت جنبات الدنيا، في الآداب والفنون والعلوم الإنسانية والطبيعية. (خدمة وكالة الصحافة العربية).