عمار علي حسن يكتب عن المعلم الأكبر نجيب محفوظ وتلاميذه

بقلم: محمد الحمامصي
منهج واحد في المعالجة

"بهجة الحكايا ... على خطى نجيب محفوظ" عنوان الكتاب الذي صدر هذا الأسبوع عن سلسلة كتاب الهلال للدكتور عمار علي حسن، وهو يشمل رؤى نقدية كُتبت على فترات متقطعة، تحوي في شكلها ومضمونها بعض ما تحصل عليه الكاتب وارتقى إليه في الصياغة والتفكير، وفي الاهتمام والانشغال بقضايا الأدب إبداعا ونقدا، جاءت على قسمين الأو "قراءة في أدب نجيب محفوظ وسيرته" والثاني "أولاد نجيب محفوظ وأحفاده" في إشارة إلى الأجيال اللاحقة.

يبدأ الكتاب بتصورات حول أدب نجيب محفوظ وشخصه، بوصفه "المعلم الأكبر" في مسيرة الرواية العربية، الذي تعددت زوايا علاقته بكل القادمين بعده، لتتراوح بين التأثر التام، الذي يصل إلى حد الاقتطاف والتمثل، وبين التمرد عليه وتحديه، أو بمعنى أدق محاولة الخروج من عباءته، بغية التجديد في الشكل والمضمون، مرورا بأنماط متدرجة من التناص.

وأتبع الكاتب هذا إسهامات نقدية حول روايات وقصص لأدباء مصريين من أجيال ومدارس مختلفة، مثل بهاء طاهر وإبراهيم عبدالمجيد ومحمد ناجي وسلوى بكر وأحمد صبري أبو الفتوح ونجوى شعبان وإبراهيم فرغلي وهاني عبدالمريد، وذلك حتى يقف القارئ على ألوان معبرة، أو عينة ممثلة، لمسيرة الإبداع المصري في السنوات الأخيرة.

وسيلاحظ القارئ المتمهل، والدارس الواعي المدقق، أن كل ما ورد في هذا الكتاب قد اتبع منهجا واحدا في المعالجة، لم يخرج عنه، لا يقف عند حد الانطباع أو القراءة العابرة والمس الخفيف للنص الإبداعي إنما إخضاعه لأدوات منضبطة تنظر إليه ليس بوصفه تشكيلا جماليا للغة فحسب إنما أيضا باعتباره حاملا لمعان وقيم وتصورات، لا تنفصل عن السياق الذي يحيط به، والظروف التي تم إنتاجه فيها.

ويقول د. عمار في مقدمة كتابه "أضع ما يأتي بين دفتي هذا الكتاب بين يدي القارئ، لعله يجد فيه ما يفيده في تذوق وإدراك المعاني الكامنة في بعض النصوص الروائية، وكذلك مواطن ومفاتن الجمال التي تتزين بها أو تعرضها سخية رخية على الأذهان والأفئدة".

تحت عنوان "المتحايل" يكتب د. عمار عن علاقة نجيب محفوظ خاصة والأديب عامة بالسياسة، حيث يرى أن هناك اتفاقا بين كثير من النقاد على وجود علاقة ضرورية بين البنية السياسية لأي مجتمع وأدب هذا المجتمع "إنهم مختلفون حول ما إذا كان توجه النظام السياسي يؤثر على مضمون وشكل العمل الأدبي أم على المضمون فقط، ويمتد هذا الخلاف إلى ما إذا كان الأدب يزدهر مع التسلط كما ذهب محفوظ، أم لا".

ويؤكد أن الأدب بمختلف ألوانه يلعب دورا سياسيا مباشرا أو غير مباشر في الحياة السياسية، ففضلا عن كونه قد يكون أداة في يد السلطة لتشكل وعي المجتمع بما يخدم مصالح طبقة أو فئة معينة، أو على النقيض، قد يصبح أداة لمقاومة استبداد السلطة بالحيلة تارة وعنوة تارة أخرى، فهو أيضا أحد العناصر الرئيسية التي تكون وجدان الأمم، ويساهم مع غيره من أدوات التشكيل الثقافي في صياغة شخصيتها القومية وبلورة هويتها الحضارية، كما يعتبر أحد المصادر الأساسية لدراسة الشعوب".

ويؤكد "آليت على نفسي ألا أقتصر في علاقتي بالأدب على إبداع الأقاصيص والقصص والروايات إنما أيضا قراءة ما ينتجه الأساتذة والزملاء ونقده بحب وإخلاص وتجرد".

وحول علاقة محفوظ وأعماله بالتصوف رأى د. عمار أن محفوظ شرب من الظاهرة الصوفية حتى الثمالة فأعماله التي تناول فيها هذا الصنف من الناس "تدل إلى حد كبير على أنه هضم الكثير عن المريدين وشيوخهم، وعرف الفرق بين الأولياء والأدعياء، وبين الباحثين عن رياضة روحية تشفي أنفسهم العليلة وتقربهم من الحق والحقيقة زلفى وبين القابضين على مصالحهم الدنيوية المتسترين بعباءة التصوف لتحقيق مآرب عاجلة لا تخرج بأي حال من الأحوال عن ثروة تتراكم من جيوب الغلابة أو جاه يقوي بكثرة الأتباع".

واختار د. عمار في هذا الشأن بعضا من أعمال محفوظ مثل "حكاية بلا بداية ولا نهاية"، و"اللص والكلاب"، و"زقاق المدق"، و"يوم مقتل الزعيم"، و"رحلة بن فطومة"، ففي هذه الرواية الأخيرة "يذهب محفوظ بالتصوف إلى آفاق بعيدة حيث يطرحه على أنه طريق الخلاص ودرب السلامة الذي ينتهي إلى الحقيقة الكبرى في هذا العالم وهي الموت، وهذا ما أكده في عمله الإبداعي الفريد "أصداء السيرة الذاتية".

يعد كتاب "بهجة الحكايا" الرابع والعشرين لمؤلفه، وهي عبارة عن ثمانية أعمال روائية وقصصية وقصة للأطفال وستة عشر كتابا في علم الاجتماع السياسي والنقد الأدبي والتصوف، حاز الكاتب جوائز عن بعضها في مقدمتها جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية، وجائزة الشيخ زايد للكتاب في التنمية وبناء الدولة، وجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في القصة القصيرة.