الشيعية والوهابية تتصارعان على اقتسام 'الكعكة المصرية'

القاهرة
الدور الايراني في مصر وحزمة من التساؤلات

تتناحر القوى السياسية المصرية في صراع مرير للاستيلاء على السلطة وانشغال مؤسسات وأجهزة الدولة مصر على مصراعيها لتكون ساحة لنشر وترسيخ الأفكار الوهابية السعودية والشيعية الإيرانية، الأولى مدعومة ومساندة من قوى وتيارات أصبحت نافذة في السلطة وعلى الأرض أيضا كالجماعات والأحزاب السلفية والإخوانية والجهادية، والثانية مدعومة ومساندة من محبة المصريين لأهل بيت الرسول محمد (ص) وبعض الطرق الصوفية والمشايخ الموالين لإيران.

وأكدت مؤشرات على أن صراعا قويا تدور رحاه على الأرض المصرية بين الطرفين، تختلف فيه آليات العمل خاصة أن الأول يمتلك المنابر والمساجد والجوامع في كافة أنحاء مصر، ويستمد أفكاره ويدين بالولاء لتكامله مع رؤى الشيخين محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية، التي تؤيدها سنية الأغلبية المصرية مما يجعلها، تربة خصبة لتشرّب أفكار التشدد والتطرف لدى الشيخين وتلاميذهما والجماعات المؤسسة على الانتماء لهما في البلدين مصر والسعودية.

وعقب وصول مؤيدي الطرف الأول إلى السلطة ممثلين فالجماعات السلفية والجهادية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة الذي ينتمي إليه رئيس الجمهورية د.محمد مرسي، يحاول البعض الآن "سعودة مصر"، حيث ظهرت في الكثير من محافظات ومدن وقرى الدلتا ـ شمال القاهرة ـ دعوات للنقاب ومقاومة السفور، فضلا عن بذور تأسيسية لجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على غرار جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية.

وراح ضحية هذه الجماعة في أول بوادر عملها طالب في كلية الهندسة بالسويس رفض الانصياع لها بالكشف عن هوية الفتاة التي كانت في صحبته.

ووفقا للمجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والتنمية برئاسة المستشار حمدى نواره هناك قرص مسجل بمسجد النبي موسى والذي اعترف مرتكبو الجريمة أن هذا المسجد الذي تتلمذوا به وتلقوا دروسهم، يكشف "عن تكوين جماعة إرهابية مسلحة مهمتها القتل الفوري للمفسدين وحل دم الزاني والقاتل والتارك لدينه وانه سيأتي اليوم للنصر مثلما تكسرت الحملات الصليبية".

وكشف تامر الجندي منسق عام المجلس المصري الدولي لحقوق الإنسان والذي حصل على نسخة من الشكوى أن تلك الشكوى والتسجيل الصوتي يعكس حقائق مفزعه عن جماعة الأمر بالمعروف بالسويس وخلاياها النائمة، مؤكدا أن القبض على قتلة طالب الهندسة الذي راح ضحية التطرف الفكري لهم هو بداية لهذا التنظيم والذي يجب مواجهته بكل قوة.

وتؤشر الزيارة الأولى للرئيس المصري محمد مرسي "الإخواني" إلى المملكة العربية السعودية على ما تحمله العلاقة بين الوهابية السعودية والإخوانية المصرية من تاريخ قوي في الأفكار والعلاقات والمصالح.

وكشف الرئيس في كلمته أمام الجالية المصرية هناك عن ذلك حين قال "إذا كانت السعودية الراعية لمشروع أهل السنة والجماعة، ذلك المشروع السني المعتدل، فإن مصر حامية لهذا المشروع وما بين الراعي والحامي نسب وصهر، والإسلام والمسلمون يحتاجون إلى الوحدة وإلي النموذج ولم الشمل دون أن تتدخل دولة في شؤون الأخرى".

وإذا كان الطرف الأول يشتغل علانية منذ ثلاثينيات القرن الماضي استنادا إلى سنية السواد الأعظم من المصريين، فإن الطرف الثاني لم يبدأ العمل علانية إلا منذ زمن قريب حيث كان يعمل خفية ومن وراء حجب منذ السبعينيات، كون المصريين وإن كانوا يحملون لآل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم حبا خاصا ويجلون مقاماتهم في مصر إجلالا لا يناظره إجلال في أي مكان، إلا أنهم يرفضون رفضا قاطعا الإساءة إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن مع تدهور الأمور الاجتماعية والسياسية والفكرية واحتدام الصراع السياسي على السلطة وانشغال وغفلة الكثير من أجهزة الدولة ومؤسساتها، دخلت القوى الشيعية ممولة من إيران لتعمل في العديد من الأوساط خاصة أوساط الصوفيين وهي أوساط ذات أغلبية أمية وفقيرة، لنرى المظاهر المذهبية للشيعة كالحسينيات الخاصة المقامة في مدينة 6 أكتوبر جنوب القاهرة، والحسينية التي قام علي الكوراني، العلامة الإيراني، بافتتاحها أخيرا في طنطا لتكون اللبنة لبناء حسينيات أخرى في عدد من محافظات مدن وقرى دلتا مصر.

وفقا لوكالة الأنباء الرسمية المصرية بدأت نيابة بنها التحقيق في ضبط ألعاب مسيئة لأم المؤمنين عائشة، رضي الله عنها، بأحد الموالد الشعبية بقرية ميت السباع ببنها، حيث أكد بائع الألعاب أنه تحصل عليها من بائع جملة بالزقازيق، ولم يكن يعلم مضمون ما تحمله من أغاني.

ويرى مراقبون ان عمل هذين الطرفين في مصر التي يشكل شعبها نموذجا لاعتدال المذهب السني "حيث لم تمنعه سنيته من محبة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والالتفاف حول مقاماتهم والتقريب منهم ومن أولياء الله الصالحين"، غير أن مؤشرات تدخل النفوذ السعودي والإيراني ممثلي الطرفين باتت واضحة وجلية، مما يهدد بانحرافات قد تدفع إلى العنف وانتشار أفكار التطرف والتشدد، خاصة في ظل عدم رضا الطرفين عن موقف الأزهر الشريف، حتى ليواجه الأخير حربا ضروسا من قبل الجماعات والتيارات الداعمة للطرف الأول، وكذا الطرف الثاني بعد أن رفض ووقف الأزهر الشريف ضد نشر مذهبه أو إقامة أي مظاهر فعاليات تأييد له.

ويتصاعد خطر تصارع الطرفين على الاستحواذ على أكبر قدر من الساحة المصرية، في إمكانية انتشار الانحراف والتطرف والعنف والانقسام بين المصريين، ويلقي بظلال واسعة على إمكانية جر مصر في حرب إقليمية.

وتنذر الاشتباكات الإيرانية والسعودية في منطقة الخليج والشام والمغرب العربي مع وجود تهديدات إسرائيلية وأميركية لضرب إيران بحرب سنية شيعية، وانقسام شعبي عربي وإسلامي سيفضي إلى اضطرابات داخلية قوية.

وتكمن الإشكالية في غلبة العناصر المتشددة والمتطرفة بين الطرفين، فالأفكار الوهابية وتشددها تقابل تطرف وتشدد أفكار الخمينية والملالي.

وتاتي هذه الغلبة للتطرف والتشدد في ظل انتشار واسع للجهل والأمية والفقر والقمع، مما ييسر انتشار الحريق في حال شب هنا أو هناك.