'عمرة' مقبولة، و'سياسة' مبروكة و'تجارة' لن تبور!

بقلم: عبدالكريم رضا بن يخلف

صارت السفريات الأولى، وفاتحة الزيارات الخارجية، تمثل أهمية عظمى، ومعلما بارزا، لاتجاه البلد السياسي، وتموقعه الإستراتيجي، فلا يزال المراقبون السياسيون، والإعلاميون البارزون، ودوائر القرار العالمية، تدقق بالمجهر في الخطوات والتصريحات والتلميحات الأولى، وتقرأ ما بين السطور، عسى أن تعرف ما في الصدور.

لم يكن اختيار الرئيس محمد مرسي وجهته الخارجية الأولى بالسهل واليسير، فعدة بلدان كانت تتنافس أن يكون لها "الشرف" أن تحتضن أول رئيس للجمهورية الثانية المصرية العربية. كان يمكن أن تكون قطر "عرابة الربيع العربي" أول محطة للرئيس المصري، فقطر كان لها دور بارز لهز نظام مبارك إعلاميا، ومتابعة الثورة المصرية ميدانيا، وكان يمكن أن تكون غزة "القضية" أول موطئ قدم للدكتور محمد مرسي، فما تزال تشكل فلسطين البوصلة لأي تحرك ومشروع عربي، وكان يمكن أن تكون تونس "مفجرة الثورات" الوجهة الطبيعية لأي ثائر، نال حريته واستعاد كرامته، وكان يمكن أن تكون الجزائر "بلد المليون شهيد" مزارا من أجل رمزية التصالح العربي، بعد مهزلة استعمال الشعوب في تنابز وتراشق وتصادم لأغراض سياسوية رخيصة، كان يمكن أن تكون الإمارات "الناطقة العلنية" بما يضمره الكثير من قادة الخليج ديبلوماسيا في نفوسهم، لوضع النقاط على الحروف، وإعادة القطار إلى السكة، كان يمكن أن تكون بلدان كثيرة الوجهة للرئيس المصري، لسبب أو لآخر لا يقل أهمية، ولكنه قرر أن تكون المملكة العربية السعودية أول محطة له لاعتبارات وأسباب جد هامة نجملها في ما يلي:

1) أن المملكة العربية السعودية تمثل رأس حربة مجموعة دول عربية هامة، وعقلها المدبر، بلدان تمثل سياسة واتجاها معينا، وتتوجس أساسا من خطر إيراني داهم، وتجمعها مصالح مشتركة، كانت محفوظة أيام الرئيس المخلوع حسني مبارك، كان لا بد للرئيس الجديد أن يطمئن مستضيفيه على مصالحهم، وأن يؤكد لهم اصطفاف مصر معهم في أي خطر يداهمهم، لذلك قالها بلا تردد: "أمن الخليج خط أحمر". وهذا يعطي تلميحا أن العلاقات المصرية الإيرانية، لن تنتقل إلى الحميمية، وأنها في أحسن الأحوال، ستبقى عادية، مدفوعة بالموقف الإيراني السلبي مع الثورة السورية.

2) طمأنة السعوديين على دورهم الريادي في العالم الإسلامي، وأن قصة العدائية الإخوانية الوهابية، ما هي إلا نسيج من الافتراء، ومحض اختلاق لأعداء الأمة، بغية تمزيقها وتشتيتها، فقد صرح الرئيس المصري: "المملكة العربية السعودية حاضنة الحرمين الشريفين، وراعية مشروع الإسلام الوسطي السني، وأن مصر حامية لهذا المشروع، وما بين الراعي والحامي أنساب وأصهار... السعوديون، قادة وشعبا، كانوا دائما في حضن مصر، وكانت مصر في أعينهم، وكانوا مع مصر أوفياء".

3) يعلم الرئيس مرسي أن مفتاح نجاحه، يكمن في النهوض بمصر اقتصاديا، وضمان فرص عمل لأكثر من عشرة ملايين من الشباب المصري البطال، ولا يخفى أن الاستثمارات الخليجية عموما والسعودية خصوصا، تمثل الحل الأهم وسفينة نجاة، سيما أن الحلول الأخرى، الأوروبية والأميركية وغيرها، لا تخلو من شروط سياسية "تعجيزية"، ثم إن احتضان المملكة العربية السعودية لأكثر من مليون ونصف من العمالة المصرية، تشكل في حد ذاته معلما من معالم أهمية وإستراتيجية العلاقات السعودية المصرية. لذلك صرح الدكتور ياسر، الناطق الرسمي باسم الرئاسة:"تم الاتفاق خلال المباحثات على زيادة الاستثمارات السعودية في مصر، ومنح المزيد من الفرص للعمالة المصرية الماهرة للعمل في المملكة، كما تم بحث ومناقشة معوقات المستثمرين السعوديين ومخاوفهم، والسعي الجاد على إزالتها".

وقد تكون القائمة أطول، والأسباب أكثر، إلا أننا اكتفينا بأهمها، المهم أن نقرأ، ونفهم ونستنتج، والأهم أن تعود هذه الزيارات خيرا على الشعبين المصري والسعودي، وكامل العالمين العربي والإسلامي. وقديما قيل: "الحج عبادة وتجارة"، وفي أيامنا يقال: "حج وحاجة"، ونغتنم الفرصة لتبليغ السيد الرئيس المصري وحرمه وكريمته تمنياتنا الخالصة: عمرة مقبولة، وسياسة مبروكة، وتجارة لن تبور!

عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

Amidz29@yahoo.fr