القوة المتنامية لموسكو تزيد حنينها للاستبداد

القيصر بوتين يعيد عجلة التاريخ

موسكو - اعتمد مجلس النواب الروسي الجمعة في قراءة ثالثة وأخيرة مشروع قانون مثير للجدل يصف المنظمات غير الحكومية التي تستفيد من تمويل خارجي ولها نشاط "سياسي" بأنها "عميلة للخارج" ويضعها تحت رقابة مشددة.

ويقول مراقبون إن روسيا تشهد تراجعا كبيرا في مجال الحريات السياسية وتفشي الفساد المالي والاداري في مرافقها، حتى أن "الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصبح يسيطر على مقاليد السلطة بشكل ديكتاتوري بارز".

واعتمد مشروع القانون الروسي الذي طرحه حزب روسيا الموحدة الحاكم والذي تم التصويت عليه في قراءة أولى قبل أسبوع وأدرج بصورة عاجلة على جدول أعمال الدوما رغم احتجاجات المدافعين عن الحريات والمعارضة الليبرالية والخبراء القانونيين، بغالبية 374 صوتا فيما عارضه ثلاثة نواب وامتنع نائب عن التصويت.

ويحظى حزب روسيا الموحدة بالأكثرية المطلقة البالغة 238 من 450 مقعدا في الدوما، واعلن الحزب الشيوعي المعارض للكرملين ولأي "تدخل" غربي أيضا - المستهدف ضمنا بهذا القانون - والحزب الليبرالي الديموقراطي (شعبوي) انهما سيصوتان لمصلحة القانون.

وينص مشروع القانون على ان تسجل على حدة المنظمات غير الحكومية التي تستفيد من تمويل خارجي وتشارك في "نشاط سياسي" على الأراضي الروسية.

ومشروع القانون هذا الذي عرض في مطلع الشهر يشكل "مبادرة جديدة تجرد المجتمع المدني من مصداقيته بهدف تأليب المواطنين ضد بعضهم"، كما قال قبل التصويت النائب ايليا بونوماريف (من حزب روسيا العادلة، وسط يسار)، أحد البرلمانيين القلائل الذين ينددون بسياسة الرئيس فلاديمير بوتين.

ويأتي القانون متماشيا مع توجه القيادة الروسية نحو المزيد من قمع حرية الاحتجاج والتعبير عن الرأي.

وتقام احتجاجات تطالب بحرية التجمع منذ اكثر من عامين.

ويقول زعماء المعارضة ان الحكومة الروسية تنتهك الحق الدستوري في حرية التجمع من خلال المطالبة بتصريح من السلطات المحلية لتنظيم مظاهرات في الشوارع. وغالبا ما تفرق الشرطة المظاهرات غير المرخص بها وتعتقل محتجين.

وعلى مدى الفترة التي تلت عود بوتين إلى سدة الرئاسة في الكرملين، تدخل الأمن الروسي بقوة لمنع تظاهرات حاشدة بسبب رفض نتائج الانتخابات التي اتهموا بوتين بتزويرها، وايضا دفاعا عن حرية التجمع.

وتتهم جماعات من ناشطي المعارضة التي تنظم احتجاجات بين الحين والآخر، حكومة بوتين بأنها تنتهك بشكل معتاد حرية التجمع المكفولة بموجب المادة 31 من الدستور الروسي.

وغالبا ما يتم احتجاز زعماء المعارضة والعشرات من المحتجين في المظاهرات.

ويندد ايليا بونوماريف بالقانون الروسي الجديد قائلا "لقد اصبحت انا شخصيا عميلا للخارج من خلال جمعي من ألف شخص في الخارج هبات لكريمسك" القليم في منطقة كراسنودار (جنوب- غرب) حيث قتل 172 شخصا في نهاية الأسبوع الماضي في فيضانات قوية.

وأي انتهاك لهذا القانون يؤدي إلى عقوبات قاسية أو عقوبات سجن.

واعتمد النواب أيضا مشروع قانون يجعل من التشهير جنحة يعاقب عليها بغرامة تصل إلى خمسة ملايين روبل (حوالى 125 الف يورو) في تصويت لاقى احتجاجات في داخل كما في خارج الدوما.

وصوت على هذا النص 238 نائبا مقابل 91 في حين غادر النواب الشيوعيون القاعة للتعبير عن رفضهم إزاء هذه الإجراءات الجديدة التي ندد بها أيضا صحافيون تظاهروا أمام مبنى الدوما قبل التصويت.

وأقر أحد المتظاهرين الصحافي تيمور اوليفسكيي بأن "بنود القانون المتعلق بالتشهير تتيح للموظفين الرسميين منع مهنة الصحافي الذي يحاول قول حقيقة الأمور، بحيث أن لا أحد سيكون قادرا على دفع غرامة بقيمة خمسة ملايين روبل حتى آخر أيام حياته".

وتشكل المعارضة الليبرالية الروسية وممثلي الطبقة المثقفة والكتاب والفنانون لبوتين، صورة تجمع بين ملامح الديكتاتور وبطل الحرب العالمية الثانية جوزيف ستالين والزعيم الأسبق ليونيد بريجنيف والنظرة المتجهمة والحازمة للقادة السوفييت مع ظلال للقيصرية.

ويسعى بوتين إلى ترجمة هذا المنحى التسلطي في داخل روسيا إلى أسلوب للتعامل في العلاقات الدولية.

وبرزت موسكو بموقف متشدد ضد التوجهات الغربية في منطقة دول ما يعرف بـ"الربيع العربي" التي شهدت احتجاجات انتهت بتغيير عدد من الأنظمة العربية إلى درجة أنها أصبحت تتهم بانها ضد حق شعوب هذه الدول في الحرية والديمقراطية.

ويقول بوتين إن "هذه الدول العظمى المتغطرسة دعمت الانظمة السابقة في شمال افريقيا والغريب في الأمر ان هذه الدول نفسها دعمت الثورات التي اطاحت بهذه الانظمة".

ويسعى بوتين بأقصى جهده إلى إعادة إحياء المجد العسكري لروسيا. وأعلن، ردا على نشر حلف الأطلسي بطاريات مضادة للصواريخ في جمهوريتي التشكيك وبولندا، عن زيادة كبيرة في الانفاق العسكري لبلاده.

وأكد أن القوات المسلحة الروسية ستجهز خلال العقد القادم بأكثر من 400 صاروخ باليستي حديث تطلق من الأرض والغواصات، وبـ8 غواصات صاروخية استراتيجية وحوالي 20 غواصة متعددة الأغراض، وأكثر من 50 سفينة حربية، ونحو 100 جهاز فضائي للأغراض العسكرية، وأكثر من 600 طائرة قتالية وما يزيد على 1000 من المروحيات، وغيرها من بقية الأسلحة.

ويقول مراقبون إن الطموح الروسي باستعادة المجد المفقود يتطلب، على المدى المنظور والمتوسط مكافحة الفساد والرشوة، وضمان استقلالية القضاء، والأهم إجراء مراجعة اقتصادية شاملة بهدف التخفيف من اعتماد روسيا على صادرات النفط والغاز والخامات، وبناء اقتصاد أكثر تطوراً وقدرة على المنافسة، والتخفيف من حدة الاحتقان بتبني سياسات تخفف من الفروق بين أبناء المجتمع الروسي الذي تفاوت فيه مستويات الحياة بين طبقة غنية تعيش حياة بذخ ورفاهية، وأخرى تكدح من أجل حياة كريمة.