العراق... 'ذكاء' العملية السياسية

بقلم: د. علي بابان

اجرت مجموعة من الباحثين الأميركيين دراسة عن الرؤساء في بلادهم لبيان مستوى ذكائهم وقدراتهم الذهنية. وتمت دراسة حالة عدد كبير منهم وفق منهجية علمية اعتمدت على إحتساب عدد المفردات والصيغ والتعابير التي استخدموها في خطبهم وتصريحاتهم وكتاباتهم. فثراء اللغة عند هؤلاء الباحثين هو المعيار الأدق لتحديد عمق أو ضحالة فكر صاحبها ومقدرته العقلية.

عكف هؤلاء الباحثين دهرا قبل أن يعلنوا نتائجهم والتي كانت مفاجأة للرأي العام إلى حد كبير. فلقد اتضح أن الرئيس الأميركي بيل كلينتون هو اذكى الرؤوساء على الإطلاق بينما احتفظ جورج بوش (الأبن) بلقب "أغبى الرؤساء" لضآلة عدد المفردات والتعابير التي استخدمها.

الثراء اللغوي معيار سليم بالفعل لقياس قدرات الساسة وعموم الناس. فوراء كل مفردة معنى مستقر في النفس وعند كل جملة مغزى وفي ثنايا كل تعبير فكرة تولد وتنضج كما تنضج الثمرة. والقرآن الكريم يؤكد لنا هذا المعنى ويرسخه من خلال الآيات "وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء أن كنتم صادقين". فآدم استحق الإمتياز والخلافة في الأرض بقدرته على حفظ الأسماء وتوليد المعاني. والله سبحانه وتعالى يقول "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا". وهذا دليل على غزارة الفكر والعلم وحدودهما اللامتناهية وإرتباطها بثراء المخزون اللغوي وإتساعه.

لو جئنا نطبق هذه المفاهيم على السياسة العراقية فما الذي سنجده؟

سنكتشف ظاهرتين واضحتين للعيان. أولاهما، المحدودية المذهلة للمصطلحات والتعابير السياسية المستخدمة لدى ما يعرف بــ "النخبة السياسية". وثانيهما، التكرار الممل والمزعج لهذه المصطلحات لدى القوى والشخصيات السياسية رغم إختلافها وتباينها الشديد في الإنتماء السياسي والإجتماعي. هذا يقودنا بدوره إلى استنتاج أن الساسة العراقيين لا زالوا في المرحلة الإبتدائية من ناحية النضج أن لم يكونوا في مرحلة رياض الأطفال، وأن مستوى ذكاء العملية السياسية في العراق "متدن" إلى درجة تنذر بالخطر. كما يمكن استنتاج أن هذا التكرار الممل والتطابق في استخدام نفس الجمل يدل على أن الخلافات لا تستند إلى أساس فكري أو سليم وأن هناك قدرا من الإصطناع وعدم المصداقية بين الساسة. فالمواطن العادي يتسأل إذا كان هؤلاء متشابهين حد التطابق فلماذا هم مختلفون حد الاحتراب؟

ثمة تفسيران لا ثالث لهما. فأما أن يكون هؤلاء ممنْ يفتقدون إلى المصداقية فيما يقولون أو أن كل واحد منهم يحمل مفهوما مختلفا عن الكلام الذي يردده وهنا يطالب بالتفصيل والتوضيح وأن يعلن أجندته الحقيقية والمفهوم الذي يستقر في ذهنه. فالكل يلعنون المحاصصة صباح مساء. والكل اصحاب مشروع وطني. والجميع يردد العراق اولا. وقس على ذلك باقي المصطلحات والتعابير السياسية التي نسمعها في اليوم عشرة مرات.

لو استمعنا إلى السياسيين العراقيين وتصريحاتهم لوجدنا أن هناك عشرين جملة لا أكثر تتكرر باستمرار وبشكل مثير للاستفزاز والملل. ولولا خشيتي من إصابة القارئ بملل إضافي لسردت هذه الجمل واحدة واحدة. وفي بعض الأحيان نجد طغيان مفردة أو جملة خلال أيام أو أسابيع وتكرارها بشكل استثنائي ثم تراجعها لتحل محلها مفردة أو جملة اخرى تستأثر بإذان السامعين المساكين الذين صار قدرهم أن يصغوا رغما عنهم وأن يتابعوا رغم انوفهم.

لو اجرى ذات الباحثين الأميركيين اصحاب التجربة المشار إليها دراستهم على الساسة العراقيين لأصيبوا بالذهول ولتعذر عليهم أن يصدقوا أن هذا يحدث في بلد عمره الحضاري ستة آلاف عام وأن الأديان والشرائع والقوانين ولدت على ارضه قبل إرجاء الدنيا الواسعة.

أود أن استعير هنا سطورا من الدكتور علي الوردي الذي يطيب لي دائما أن استشهد به واعتقد أن هذا النص يعبر عن الواقع السياسي العراقي الحالي إلى حد كبير.

يقول الوردي "حين نشهد معركة من معارك النساء في أحد أزقة بغداد القديمة نستطيع أن نفهم طبيعة تلك النظرة الجزئية التي إعتاد عليها الكثير منا. فأن المعركة تبدأ عادة بحدوث شجار بين طفلين فيؤذي كل منهما الآخر، وعندها تخرج أم كل واحد منهما صائحة نادبة حيث نراها تبالغ في تقدير الأذى الذي وقع على طفلها بينما هي تتناسى ما أوقع طفلها على خصمه من الأذى، والأم الأخرى تفعل مثلها طبعا وبذا قد تتضخم المعركة تدريجيا وتمتد إلى الرجال وسائر الأقارب وبمرور الأيام قد تتطور المعركة فتصبح تراثا عائليا مليئا بالأحقاد والثارات، ومن يستمع إلى أحد العائلتين وهي تقص قصتها يجد بونا شاسعا بينهما وبين قصة العائلة الأخرى فكل عائلة تصور الأحداث من الوجهة التي تلائمها وتنسى الوجهات الأخرى، لعلي لا أغالي إذا قلت أن أكثر المنازعات الطائفية والسياسية والقبلية التي يزخر بها تاريخنا هي في أساسها الإجتماعي لا تختلف عن معركة النساء الآنفة الذكر".

ما أجمل كلمات الوردي، وما أدق تعبيرها عن واقعنا. مع الإعتذار للعملية السياسية "شديدة الذكاء".

علي بابان

وزير التخطيط العراقي السابق