لماذا خسر حزب الله عمقه الاستراتيجي عقب عدوان تموز 2006؟

بقلم: حسان القطب

الإستراتيجية الدفاعية التي يناقشها المجتمع اللبناني على طاولة الحوار تتضمن الحوار حول السلاح فقط. هذا ما يريده حزب الله. ولكن غاب عن المتحاورين وحتى عن حزب الله أن الإستراتيجية الدفاعية تتضمن تماسك وتكاتف الشعب ومكونات المجتمع اللبناني قبل الحصول على السلاح والمحافظة عليه وإلا ما الفائدة منه إذا كان في مواجهة الشعب ولا يخدم الجيش ولا يحمي بنية الدولة ومؤسساتها؟

مع الأسف سياسة حزب الله كانت وما زالت قائمة على قاعدة توحيد الساحة الشيعية التي يمسك بزمامها بحيث تكون وحدها عمقه الاستراتيجي لحماية حضوره وتخزين سلاحه، وعمل على استنهاض شبابها وإلحاقهم بميليشياته تحت اسم المقاومة لخدمة مشروعه الذي لا علاقة له بالمقاومة ولا حتى بفلسطين وبياناته تدل على ذلك. وإستراتيجية حزب الله هذه التي هدفت إلى السيطرة على ساحته وجمع شملها تحت عناوين مذهبية دفعته إلى التحالف مع قوى من ضمن طائفته لا علاقة لها بفكره الديني ولا التزامه العقائدي كحركة أمل وبعض التقليديين. وفي حين عاب على الآخرين من أبناء الطوائف الأخرى إتباع سلوك من هذا النوع، ونهج سياسة مماثلة، تضمنت إستراتيجيته أيضاً العمل على تفكيك الساحات المذهبية والدينية الأخرى وحتى الوطنية والعلمانية منها وبقوة، لينفرد بحضور قوي ضمن طائفته ويهيمن بسطوتها على باقي الطوائف الأخرى في لبنان وهو البلد المتعدد الطوائف والمذاهب وتحكمه قواعد ترسم التوازن بين مختلف مكوناته، سياسياً وتسليحاً ووظيفياً وحضوراً محلياً وإقليمياً وحتى دولياً وفي دول الاغتراب التي بدأ مناصروه وأتباعه وحتى من أبناء طائفته الذين لا علاقة لهم بسياساته يعانون من تداعيات مواقفه على علاقات لبنان بهذه الدول.

عام 2006، وخلال عدوان تموز/يوليو على لبنان من قبل إسرائيل لم يعان حزب الله وجمهور حزب الله وسائر اللبنانيين من مشكلة التنقل والتعاون والدعم والتكاتف لمواجهة العدوان ونتائجه وتداعياته، سواء في الداخل اللبناني أو في العالم العربي والمجتمع الدولي. فهب العالم بأسره ليدعم لبنان ويعيد بنائه ويساعد أبنائه ويضعه على سكة الأعمار لتجاوز آثار العدوان ومحو الخراب الذي عم البلاد وأصاب العباد.

ولكن عقب الحرب مباشرة ونتيجة الشعور بنشوة الصمود والبقاء على خريطة العمل السياسي والمحافظة على السلاح غير الشرعي وبناءً على تفاهم دولي يضمن حدود إسرائيل من تكرار أي عملية عسكرية من قبل حزب الله ويضمن وقف إطلاق النار من الجانب الإسرائيلي وانتشار القوات الدولية على الحدود المشتركة في لبنان مع فلسطين المحتلة بموجب القرار الدولي 1701، ولتنفيذه بدقة، عندها بدأ حزب الله في الاستخفاف بالحلفاء وجمهورهم، وبالخصوم السياسيين وحجمهم، من كافة الطوائف دون استثناء وحتى خارج لبنان وفي كافة الدول، وعوض تعزيز علاقاته مع حكومات وشعوب الدول التي وقفت إلى جانب لبنان وشعبه وحزب الله بالتحديد إبان الحرب، وبدأت قيادة حزب الله في إعلان مواقف وإطلاق تصريحات تدين وتؤيد تستهجن وتستنكر بل وتطالب بحقوق هذه الفئة أو تلك وكأن حزب الله جزء من مكونات تلك المجتمعات.

في الداخل اللبناني، ارتكب حزب الله خطيئة وجريمة 7 أيار/مايو عام 2008، بحق المواطنين اللبنانيين وأحزابهم التي لا توافقه تفكيره السياسي وارتباطه العقائدي وانتماءه المذهبي والتحاقه بمحور سياسي إقليمي ودولي لا يحظى برضا معظم الشعوب والدول في المنطقة. فخسر حينها حزب الله عمقه الإستراتيجي في الداخل اللبناني ولم يعد يتمتع سوى بتأييد بعض أبناء جلدته ولكن ليس معظمهم بل فقط الفئة المستفيدة من قوته العسكرية وتسلطه السياسي. وضع جمهوره نتيجة خطابه الفئوي في مواجهة مع باقي مكونات الوطن اللبناني، فخسر بذلك عمقاً استراتيجياً داخلياً لا غنى عنه ولا بديل له في أية مواجهة. والقوى التي كان ولا يزال حزب الله يدفع لها الموال بسخاء لتعطيه موطئ قدم تبين له انه غير ذي فائدة وحضورها هش وتستفيد من أمواله فقط دون أية نتيجة مرجوة، حتى أن التيار العوني قد بدأ مؤخراً يعرب عن تململه من سياسات ومواقف حزب الله وبالتحديد بعد الذي جرى ويجري في جرود بلاد جبيل من استهداف للأوقاف المارونية.

وفي الخارج اختار حزب الله أن يعادي الشعب السوري المقاوم بتأييده النظام العائلي الطائفي الذي يقوده بشار الأسد مطلقاً عليه لقب نظام المقاومة والممانعة مع أنه لا يعرف منها شيئاً متجاهلاً جرائمه وما يرتكبه من حفلات التدمير والقتل والتعذيب والاعتقال ومتهماً الشعب السوري أو معظمه بالعمالة والانخراط في الفتنة. في البحرين اختار أن يتخذ موقفاً مذهبياً مؤيداً الأقلية الشيعية في مواقفها ومطالبها ومعادياً الأكثرية الشعبية والنظام الحاكم بدل أن لا يتدخل في شأن داخلي لدولة صديقة مهما كان شكل الصراع وطبيعته..وكذلك لم ير في القوى الإسلامية التي تجاوزت الانتخابات الرئاسية أو التشريعية في الدول التي انتفضت حديثاً سوى أنها أدوات أميركية ومتآمرة على المقاومة ومستقبل فلسطين. في حين أنه يحمي الحدود الدولية بكل ما أوتي من حضور وقوة في جنوب لبنان التزاماً بالقرار 1701. وفي الوقت عينه يعيب على حركة الإخوان في مصر التزامها الاتفاقات الدولية التي ورثتها عن النظام السابق، ولقاءها مبعوثين دوليين في حين أن إيران دولة الولي الفقيه تفاوض الولايات المتحدة والمجتمع الغربي لتخرج في سعيها للخروج من عزلتها.

إن أي صراع مع دولة معادية يتطلب تماسكاً داخلياً وتلاحماً بين مكونات الوطن وتفاهماً أو على الأقل علاقات طيبة مع دول الجوار لضمان القدرة على المواجهة والصمود وحماية المجتمع المدني ورعايته خلال أية حرب أو صراع مفتوح. ولكن في حالتنا هنا في لبنان فقد اختار حزب الله أن يواجه أبناء الوطن. ونظرة سريعة على مواقفه السياسية وبياناته الإعلامية نرى أنها تتضمن الإدانة والاتهام والتخوين لفريق لبناني ولمعظم المجتمع العربي باستثناء ذلك الموجود في القطيف وبعض العراق وجزء من البحرين والحوثيين في اليمن ونظام سوريا وليس شعبها.

واليوم يعاني حزب الله ليس فقط من علاقاته مع الدول العربية أو معظمها، بل حتى مع جمهوره الذي أصبح يرى فيه سلطة فوق السلطة وقوة فوق قوة الدولة وما عليه سوى حماية ممارسات هذا الجمهور وما يقوم به من تجاوزات وإلا فإنه سوف يخسر هذا العمق الوحيد الباقي في جعبته. لذلك شجع حزب الله الدولة اللبنانية مؤخراً على أن تتدخل في مناطق نفوذه لأن هذا الحزب لم يعد قادراً على الاستجابة لرغبات وطلبات بعض العائلات والمجموعات التي تجاوزت في سلوكها كل قدرةٍ له على التحمل. وهذه نتيجة طبيعية لمنطق التحريض والتعبئة وشد العصب وضخ المعنويات والاعتداد بالقدرة الذاتية على مواجهة العالم بأسره كما يقول نصر الله وهو اليوم عاجز عن تبرير وتفسير سقوط ضحايا في سوريا من عناصره كما تذكر وسائل الإعلام، وعن تحرير المختطفين.

هذا ما أدى ليصبح حزب الله بسبب خطابه وسلوكه ومواقفه في حالة حصار ذاتي ضمن جمهوره ومعزولاً عن باقي مكونات المجتمع اللبناني، ومعاديا لمعظم المجتمعات العربية بعد أن كانت ساحة مفتوحة له.

حسان القطب

مدير المركز اللبناني للأبحاث والاستشارات