الفلسطينيات يكسرن الحصار الذكوري، ويقتحمن الأعمال 'المحظورة'

رام الله (الضفة الغربية) - من صوفيا جونز
حقوق مشروعة تتحول الى مجرد أحلام

من أكشاك بيع الفاكهة في الخليل إلى الصالات الأنيقة للتدريب على رقص الباليه في رام الله تترك المرأة الفلسطينية بصمة في مجال الأعمال. البعض خرجن بدافع الحاجة وأخريات يتطلعن إلى تغيير الصورة النمطية عن دور المرأة ويسعين وراء حلم.

بالنسبة لشيرين زيادة (24 عاما) خريجة جامعة بيرزيت كان ذلك الحلم أن تفتح صالة للتدريب على رقص الباليه.

والآن تجسد حلم صاحبة مركز الباليه في رام الله وهو أول مركز من نوعه في الضفة الغربية. وتحتل صالة الباليه التي تغمرها اشعة الشمس الطابق العلوي في مبنى وتصدح فيها الموسيقى الكلاسيكية وتغطي المرايا جدرانها. هناك تؤدي الفتيات الصغيرات بأحذيتهن الوردية وملابس راقصات الباليه المجنحة حركات راقصة.

قالت زيادة "أريد تطوير الفتيات...الباليه يساعدهن على تكوين وجهة نظر في الحياة. نحتاج إلى أمور كهذه في فلسطين".

وتقدر آخر إحصائيات لمنظمة العمل الدولية أن المرأة ترأست خمسة في المئة فقط من شركات الضفة الغربية في عامي 2008-2009. وتشير أدلة استنتاجية إلى أن هذا الرقم قفز مدفوعا بالنمو الاقتصادي وبشهية متنامية للاقتراض المصرفي.

غير أن المجتمع شديد التقليدية الذي يسيطر عليه الرجل والسائد في معظم أنحاء العالم العربي بالإضافة إلى القيود البيروقراطية الخاصة بالضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل تفرض تحديات خاصة على المرأة الفلسطينية التي تتطلع للمضي قدما.

قالت زيادة "كثير من النساء في الضفة الغربية يرغبن في عمل أشياء ولكن لا يستطعن. فثقافتنا بشكل عام ثقافة متحيزة للرجل. المرأة تحاول عمل أشياء ولكن بخطوات صغيرة."

ومضت تقول إن القيود التي تفرضها إسرائيل التي تتحكم في كل نقاط الدخول إلى الضفة الغربية تضيف إلى المشكلات.

وتابعت "بسبب الاحتلال نحتاج إلى تصريح لعمل أي شيء" وتشير على سبيل المثال إلى صعوبة استيراد الثياب والملابس الأخرى للباليه التي لا تتوافر في الضفة الغربية.

وبالرغم من أن الاحتمالات ليست في صالح المرأة الفلسطينية إلا أن الفرص تتحسن أمامها في المدن ولكنها لم تتحسن بعد في القرى الأكثر فقرا التي تتناثر في الأرض القاحلة.

وتتزايد معدلات التعليم والتوظيف بالنسبة للمرأة ويجري دمج وحدات الشرطة النسائية في قوات الضفة الغربية وتحتل المرأة ربع المناصب في حكومة رئيس الوزراء سلام فياض.

ويتطلع راديو (نسا إف إم) إلى نشر الرسالة. والمحطة الإذاعية النسائية التي بدأت البث في عام 2010 أنشأتها وتديرها امرأة فلسطينية. ويسلط الراديو الضوء على قصص نجاح محلية من مجموعات استثمارية تقودها المرأة إلى مشروعات التمويل المتناهي الصغر في مخيمات اللاجئين.

وقالت ميسون عودة جانجت الرئيس التنفيذي ومؤسسة راديو (نسا إف إم) الذي يصنف بالفعل كواحد من أكبر خمس محطات إذاعية في الضفة الغربية "نحتاج إلى زيادة وعي المرأة بأن تكون سيدة أعمال".

وفي رام الله الآن (ليديز كافيه) وهو مقهى للنساء فقط وأسسته في وقت سابق هذا العام بلسم قدورة (21 عاما) مع سبع شريكات أخريات.

وتدرس قدورة اللغة الإنجليزية في جامعة بيرزيت ويعتزم الكثير من زميلاتها انشاء شركة بعد التخرج. ولكن قدورة تقول إنه لم يكن من الممكن الانتظار لتحقيق خططها.

وقالت "نحن مجموعة من الفتيات راودتنا فكرة".

ويوفر المقهى الموجود في أحد شوارع رام الله الرئيسية مكانا للنساء للاسترخاء واللقاء وتدخين الأرجيلة والاستماع إلى موسيقى الشرقية.

ويتساءل بعض السكان عما إذا كان المقهى المخصص للنساء فقط يشكل انتكاسة في الكفاح من أجل المساواة ولكن قدورة ترد بأن النساء في حاجة إلى مساحة لمساعدتهن على التصدي لهيمنة الرجل الملحوظة في كثير من المنشآت المماثلة في المدينة.

وارتفعت مشاركة المرأة الفلسطينية في قوة العمل تدريجيا في العقدين الماضيين وزادت في منتصف التسعينات بفضل الازدهار الاقتصادي بعد حصول الفلسطينيين على حكم ذاتي محدود وبدء تدفق أموال المانحين الأجانب.

وقالت عودة جانجت من راديو نسا إف إم "كان ازدهارا اقتصاديا عاما ولم يقتصر على المرأة وحدها".

وفي عام 1995 كانت المرأة تشكل نحو 11.5 في المئة من القوى العاملة وهو رقم ارتفع إلى 16.7 في المئة طبقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني.

ولكن هذا الرقم يظل متدنيا مقارنة بنسبة 26 في المئة في المتوسط لبلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفقا للبنك الدولي وتوزيع العمالة غير متكافئ إلى حد كبير حيث المرأة في كثير من الأراضي الفلسطينية لا تزال خارج سوق العمل.

وفي قطاع غزة احتلت امرأة العناوين الرئيسية في الإعلام في مايو/أيار لمجرد أنها عملت نادلة في محل في القطاع الذي تديره حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ذات التوجه الإسلامي وحيث لا تزال المقاومة الأبوية لعمل المرأة خارج البيت سائدة.

وقال صلاح أبو عيشة ممثل مؤسسة الشرق الأدنى في الضفة الغربية وغزة وهي منظمة غير حكومية تشجع تمكين المرأة من خلال قطاع الأعمال "نسبة كبيرة لا تساهم في الاقتصاد الوطني".

ومضى يقول "نحن في حالة جيدة لكننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق المساواة الحقيقية" مضيفا أن كثيرا من الرجال يخشون أن يعطي تمكين المرأة للمرأة مزايا غير عادلة.

ويأمل في أن يعطي ارتفاع مستويات النساء بين طلاب الجامعات الفلسطينية دفعة للمرأة في قطاع الأعمال. وتشكل المرأة 50 في المئة من طلاب الجامعات.

ولكن جهاز الإحصاء يقدر أن ما يقرب من نصف النساء الحاصلات على تعليم عال لا يزالن عاطلات عن العمل.

وتنحى هدى الجاك المالكة والشريك في إدارة سلسلة مقاهي زمان أول سلسلة مقاهي في الضفة الغربية باللائمة على ثقافة يتعامل فيها الرجال في سياق اجتماعي يميل لاستبعاد المرأة.

والجاك من أصل سوداني فلسطيني انتقلت للعيش في رام الله من كاليفورنيا في عام 2003. وتقول "كان من الصعب علي أن اندمج".

ومضت تقول "كان علي أن احقق ذاتي. بدأت بتحقيق 30 في المئة مما كنت أحققه في الولايات المتحدة". وقالت إنه لم يتم التعامل معها بجدية إلا بعد أن شقت طريقها وساعدت في تأسيس شركة في دبي.

وقالت "أشعر أحيانا كما لو أننا نرجع للوراء" مضيفة أن رفض المجتمع لمعالجة مشكلة التحرش الجنسي في مكان العمل لا تزال تقيد المرأة.

وتأمل الجاك في قيام مجتمع للأعمال لا يفرق بين الرجل والمرأة وتخطط في الوقت الحالي لإنشاء شركة فلسطينية أخرى تخدم فيها المرأة الزبائن.

وتستفيد رائدات مجتمع سيدات الأعمال الفلسطيني الناشئ من النجاح الذي حققته الجاك. وترى زيادة التي افتتحت مؤخرا مركز التدريب على رقص الباليه أن دور سيدات الأعمال أساسي إذا كتب النجاح لدولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.

وقالت "الناس ستتقبل فكرة أن المرأة قادرة على التعامل وأن المرأة تتغير". وأضافت "أريد أن يعرف العالم أننا نحن الفلسطينيين يمكننا أن نفعل ذلك. يمكننا أن ننمو".