ثورة العاطلين تهدد حكومة النهضة

جيش العاطلين والمعطلين

تونس - أعلنت 32 جمعية تمثل المعطلين عن العمل في تونس إحداث "جبهة وطنية لجمعيات المعطلين عن العمل لتكون بمثابة النقابة" من أجل الدفاع عن "الحق في الشغل وفي الحياة الكريمة لأكثر من 800 ألف عاطل فيما أظهرت إحصائيات حديثة أن نسبة البطالة ارتفعت إلى 18.3%.

وقال المعهد الوطني للإحصاء "مؤسسة حكومية" أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع ليتجاوز 800 ألف عاطل فيما توقع الخبراء أن عدد العاطلين يقارب المليون عاطل بعد فقدان حوالي 200 ألف موطن شغل منذ ثورة 14 كانون الثاني (يناير) التي أطاحت بنظام الرئيس بن علي.

ومنذ تشكيلها إثر انتخابات 23 تشرين الأول (أكتوبر) لم تنفذ الحكومة التونسية أية خطة عملية لمعالجة البطالة التي باتت تهدد استقرار المجتمع وعلى الرغم من أن الثورة قام بها الشباب العاطل في الجهات المحرومة وفي الأحياء الشعبية.

وكانت حركة النهضة التي فازت في الانتخابات وعدت خلال حملتها الانتخابية بتوفير 300 ألف فرصة عمل غير أنها بعد مرور أربعة أشهر من الحكم لم تنفذ تلك الوعود.

وأصبحت البطالة في تونس ظاهرة اجتماعية خطيرة تنخر فئات واسعة من المجتمع وتعمق الفوارق بين جهات بلد احتد فيه الاحتقان الاجتماعي ولم يعد قادرا على تحمل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

وتؤكد المؤشرات الإحصائية أن هناك تفاوت مجحف في نسب البطالة بين جهات البلاد، حيث تبلغ في الوسط الغربي 28.6%، يليها الجنوب الغربي 26.9% فالجنوب الشرقي بنسبة 24.8%.

وتؤكد هذه الإحصائيات أن أكثر من ربع سكان تونس البالغ عددهم 10 ملايين يعيشون تحت خط الفقر.

ويقول الخبراء أن ظاهرة البطالة تأتي في أولويات سلم التحديات التي تواجها تونس، باعتبارها ظاهرة تمس الآلاف من مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية.

ويضيفون أن حكومة الائتلاف الذي تقوده حركة النهضة لن تنجح في إدارة المرحلة الانتقالية إن لم تقدم حلولا عملية وملموسة لظاهرة البطالة باعتبار أن الشغل حق من حقوق الإنسان.

ويشكل خريجو الجامعات نسبة 30 بالمائة من عدد العاطلين الذين يسودهم اليأس والإحباط في ظل غياب أفق واضح لمعالجة أوضاعهم.

وخلال أشهر الثورة اضطر خريجو الجامعات العاطلين إلى ممارسة مهن "وضيعة" لا تليق بمستواهم العلمي حتى أن الكثير منهم فتح دكاكين لبيع الخضار والغلال.

ويقول محمود بن رمضان أستاذ العلوم الاقتصادية بالجامعة التونسية أن الحكومة "ستواجه ثورة ثانية، ثورة يقودها العاطلون وخاصة من خريجي الجامعات". مشددا على أن "البطالة تتجاوز آثارها بكثير الجانب الاقتصادي والاجتماعي ،لأنها إذا كانت تعنى بالأساس تعطيل قوة بشرية فى سن العطاء، وهم فئة الشباب الجامعي، القادرة على إحداث التنمية والتقدم والدفع ببلدانها إلى الأمام؛ فإنها تشكل تربة خصبة للثورة الاجتماعية و السياسية".

ويضيف بن رمضان "إن القوة التي لعبت دور المحرك الرئيس الثورة، حتى سقوط نظام الرئيس بن علي،هي الحركة الشبابية وخاصة تلك الفئة الاجتماعية المتكونة من الخريجين الجامعيين العاطلين عن العمل" ملاحظا أن "الإحساس بالحرمان والتهميش تحول إلى قوة ضاغطة يعاني منها الآلاف من الشباب ذوي المؤهلات العلمية، وتعاظم الإحساس بالظلم الاجتماعي الناجم من حالة الفساد التي عرفتها تونس واستئثار حفنة قليلة من المستفيدين بجزء هام من الاقتصاد في قطاعات متنوّعة".

ويطالب الفاعلون السياسيون والاجتماعيون وفي مقدمتهم الإتحاد العام التونسي للشغل الحكومة بالإسراع في تنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية تستجيب لتطلعات التونسيين وتعالج ظاهرة البطالة معالجة جذرية.

غير أن رئيس الحكومة حمادي الجبالي ما انفك شدد على أن معالجة البطالة هي "شأن وطني" يستوجب جهود الجميع فيما تتهم المعارضة الحكومة بالتنصل من مسؤولياتها و"تضليل" الرأي العام.

وبرأي بوجمعة الرميلي الخبير الاقتصادي وعضو حركة التجديد فإن "الحكومة لم تعالج بصفة جذرية معضلة البطالة" مشددا على أنه بخلاف ما يتطلع له التونسيون فإن نسبة البطالة بعد الثورة ارتفعت بنسبة 5.3% لتبلغ 18.30% مقابل 13% خلال شهر مايو/آيار 2010.

ويؤكد الرميلي أن مما يعمق حدة البطالة وتداعياتها الاجتماعية والسياسية هو التفاوت المجحف والمخيف في نسبة العاطلين في الجهات حيث بلغت 28.6 % في منطقة الوسط الغربي، و26.9% في الجنوب الغربي، و24.8% في الجنوب الشرقي.

ويؤكد الخبير في السياسات التنموية عبد الجليل البدوي "أن حكومة حركة النهضة أكتفت بترقيع وترميم النموذج التنموي للنظام السابق الذي فشل في خلق مواطن الشغل والحال أن المطلوب خلال هذه المرحلة وضع وانتهاج أنموذج تنموي جديد ينأى بالبلاد عن الاقتصاد المتوحش ويولي أهمية خاصة للأبعاد الاجتماعية من خلال تخصيص نسبة مئوية لا تقل عن 60 بالمائة للقطاعات التي تمس مباشرة الحياة اليومية للمواطن".

وتوقع الأستاذ الجامعي محمد قريعة أن تتجه معضلة البطالة في تونس نحو مزيد التعقيد مستقبلا في حال لم تتحرك الحكومة تحركا جديا لإدخال تغييرات جذرية على واقع وسياسات التشغيل مشيرا إلى أن الضغوطات على سوق الشغل ستزداد تحت مفعول العوامل الديمغرافية والتربوية والاقتصادية والمنافسة المتصاعدة في السوق الدولية.