مظالم على باب الرئيس

بقلم: د. خالد محمد غازي

قرار الرئيس محمد مرسي رئيس الجمهورية بافتتاح مكتبين لتلقي شكاوي المواطنين في كل من القصر الجمهوري بعابدين وقصر القبة.. وكذلك حثه أيضاً على افتتاح المكتب الثالث من ديوان المظالم لتلقي الشكاوي بالتجمع الخامس في وقت لاحق، وتأكيده بالنظر إلى تلك المشكلات والشكاوي والعمل على حلها في أسرع وقت ممكن من تقديمها مازال يثير الجدل في الشارع السياسي.

(1)

مهما تباينت الآراء فقد يكون الاتفاق أن التظاهر أمام القصر الجمهوري إساءة للدولة، وضياع لهيبتها، ولا يمكن أن يتظاهر شخص الإ إذا كان يحمل مظلمة ثورية، وبالتالي لابد أن يكون الحل ثورياً، وليس الإحالة لمكتب الشكاوي أو الانتظار لحين تشكيل ديوان المظالم؛ حيث يتوافد العشرات يومياً على مكتب الشكاوي والتظلمات بالقصر الجمهوري للرئيس في "ديوان المظالم".. أولئك الذين زحفوا من المحافظات المختلفة والمدن والقرى النائية في ربوع مصر لعلهم يجدون ضالتهم على باب الرئيس.. فهل يكون الديوان مأرب القاصدين لحل مشكلاتهم... ودواء السقام من تقلبات العصر؟

فهل عودة ديوان المظالم هو الحل الأمثل للمطالب الفئوية؟ أم أنه الطريق إلى أسلمة مصر وتدمير دولة القانون؟ وكيف سيتم التعامل معها وتحجيمها أم أن ضخامة المشكلات ستجهض الفكرة.. أم ستكون نافذة تنفيس عن الرئيس وتخفيف عبء عنه؟

أسئلة كثيرة يطرحها الحدث واجابات تتأرجح بين النخبة كافة، فانقلب السياسيون والاقتصاديون على عقبيهم وما عادوا قادرين على وضع تصور لمستقبله أو أسباب ممكنه عن إنشائه، إلا أن عودة هيئة ديوان المظالم؛ التي أقيمت لفترة أيام الرئيس الراحل أنور السادات؛ سيكون لها دور في القضاء على حالة الاعتصامات والمطالب الفئوية الموجودة حالياً والاحتجاجات بقطاعات الدولة خاصة بين الموظفين والعمال والطلاب. لا أحد يستطيع أن يتنكر لحق الجميع في المطالبة والتظلم؛ فهذا أمر مشروع على المستويين الانساني والقانوني، ولكن تزايد حدتها في الوقت الحالي قد يؤدي إلى مخاطر لا حدود لها من تعطل عملية الإنتاج وأثار الفوضى.

(2)

فكرة الديوان كان قد طالب بها بعض المستشارين في مجلس الدولة بتشكيله لرفع المظالم التي وقعت على الكثير من الفئات في مصر قبل ولادة ثورة الخامس والعشرين من يناير، وقد لا يكون غرضه -كما تتداول بعض النخب السياسية - اعتباره هيئة لأسلمة الدولة المصرية وإجراء شكلي وليس موضوعياً، بالتزامن مع بدايات ظهور جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛كما هو موجود بالسعودية؛ باعتبار أن هذه الهيئات مرتبطة ببعضها هناك، تلك الجماعات التي اغتالت أحد الشباب الأبرياء في مدينة السويس، وهذا طرح ربما يصادق عليه البعض.

وهناك من يرى أن كثرة المطالب الفئوية الموجودة حالياً ستكون عاملاً أساسياً في فشلها وستزيد من تعطيل المصالح بسبب هذه الاحتجاجات التي لا تستطيع حلها؛ فتثير الفوضى وأن تطبيق دولة القانون أفضل من إنشاء هيئة كهذه؛ لأن تطبيق القانون الطريق الصحيح لديمقراطية حقيقية في الدولة الجديد عقب انتخاب الرئيس، وربما يكون الأصلح للمواطن، خاصة أن الدعائم الأساسية التي قامت عليها ثورة الحرية تدعو لتأسيس وبناء دولة حديثة يحصل كل فرد فيها على حقوقه الطبيعية، وأن هذه المشاكل والاعتصامات نتيجة تراكمات وقوانين فاسدة لأخطاء نظام قديم حلها الوحيد إقامة دولة القانون. وبالنسبة لهذه النقطة فمن الضروري أن يعتمد على هيئة مستقلة تختص بشكاوي المواطنين، فهناك ضرورة لإنشائه ويتوجه له أصحاب المصالح والشكوى في شكل مذكرة مكتوبة تتضمن مطالبة والظلم الذي تعرض له، ويفضل أن يكون بعيداً عن الحكومة وانتخاب أعضائه بعيداً عن أي منافسة أو مجاملة وممن هم مشهود لهم بحسن الخلق والسمعة وعلي دراية بالقانون والشئون الاجتماعية وتنعقد الهيئة وبشكل دورة لتلقي الشكاوي وفحصها..

(3)

هيئة المظالم مطلوبة بشكل كبير في هذه المرحلة؛ ولابد أن تكون للاسهام في حل المشكلات؛ سواء كانت فئوية أو شخصية مطالبة بأن تكون هذه الهيئة تابعة لرئاسة الوزراء مباشرة؛ ويكون لها دور آخر أيضا في متابعة عمل الوزارات الأخرى؛ لأن أي مشكلة ستكون تابعة لوزارة بعينها كوزارة الإسكان، ومن الضروري لهذه الهيئة أن تكون لها صلاحيات تشرف على الوزارات المختلفة وتقدم الطعون وتحاسبهم في حالة الاهمال أو التقاعس، ومن الضروري كذلك أن يكون المسئول عن هذا الديون يتمتع بصلاحيات واسعة، بعيداً عن القيود الحكومية حتى يستطيع من أن يحقق الأجندة التي تنفذ مطالب الشعب المتنوعة والمتشعبة؛ إن هذه الفكرة مطبقة بالعديد من الدول وتعتبر بمثابة نافذة يطل منها الحاكم على شعبه، ووجود هذه الفكرة في مصر مجرد إجراء شكلي وليس موضوعيا- حتى الآن - والأهم أن تكون الآلية التي يتم بها حل الشكاوي موضوعية وتعيش مع المواطن في أرض الواقع، وأن المشاكل الموجودة في مصر خلال الأوقات الراهنة أكبر من هذه الهيئة وستكون سبباً في فشلها وتصبح عملية روتينية بحتة وتزرع حالة من الإحباط داخل نفوس المواطنين وتعود حالة الإعتصامات وقطع الطرق.

(4)

القضية – إذن - كبيرة وبحاجة ماسة لتنفيذها عقب استيفاء شروطها اللازمة حتى تترسخ لدينا مقولة: "إن الاستماع إلى الشكاوي يساوي حلها في نفوس البشر".. وهذا أمر جيد يرجح كفة للرئيس الذي استحدث الديوان، من أجل خدمة الشعب الذي سجنت شكواه لأكثر من ثلاثين عام، حتى أن الكثير من المواطنين طالبوا بإنشاء هذا الديوان في كل محافظة على حدة، باعتباره المكان الوحيد الذي يثق فيه المواطن للإعراب عن شكواه وفتح مكاتب لتلقي شكواه والرد عليها، لذا فإنه يمثل خطوة لإرضاء المواطنين وأعطاء الأمل الحقيقي لهم في حل مشاكلهم.

إلا أن هذا الأمر قد يثقل على الرئيس، وربما مع الوقت يصيبه بشيء من الحسرة أو عدم القدرة على تلبية كل الطلبات؛ مما قد يؤثر على أدائه وهذا أمر سلبي، وكذا هل من المعقول أن المشكلات لا تحل إلا على باب الرئيس؟! واذا كان هو الخلاص، فماذا عن العاملين في القطاعات كافة ماذا يعملون؟ واذا كانوا يعملون فلماذا لا تحل تلك المشكلات دون تأشيرة الرئيس، من ثم هل هذا الاجراء لا يعد بابا خلفيا لاستحداث "المحسوبية" بطريقة جديدة؛ باعتبار أنها ستكون من يجلس بباب الرئيس؛ متسترة بعمالة زائدة في ديوان الرئيس.. وهل لدى الرئيس وقت لمتابعة مشكلات أكثر من خمسة وثمانين مليون مواطن كلا على حدة، والذين سوف يستقبلون الشكاوي ما دورهم؟ وهل سينحصر حول استقبال الشكاوي فحسب أم ماذا؟

لاشك أن مبدأ تصدير المشكلات والأزمات قد يكون عائقا أمام حلها، ثم إن ارضاء الناس غاية لا تدرك.. ديوان المظالم حل جيد إذا تم تقنينه وحسن استخدامه وتصرفه مع الشعب حتى لا يكون بوابة عبور لتعجيز الرئيس.

د. خالد محمد غازي

رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة

k@k-ghazy.com