تونس: دولة المواطنين لن تصبح دولة مؤمنين

بقلم: كرم نعمة

لن أبدو كمن يدس أنفه بشأن لا يعنيه، وانا اراقب الحياة في تونس اليوم، وأعيد رسم صورة في ذاكرتي لتونس منتصف التسعينيات من القرن الماضي. سامنح الحق لنفسي بالزعم ان "عراقيتي او بريطانيتي" أشبه بمعادل حسي لتونسيتي، كذلك تاهت عيناي في طرقات المدينة من مركزها حتى ضفاف المرسى وقرطاج وقمرت بعد أكثر من أثني عشر عاما على مغادرتها.

تكاد ترسم تونس صورة للوطن الذي يتوق له الانسان العربي، ويكفي الاشارة الى خصوصية المرأة التونسية وتمتعها بامتياز للحقوق المدنية يتفوق غالباً على بلدان غربية تمرست في الديمقراطية، وبالطبع ليس هذا المثال الاوحد المتميز في تاريخ تونس المعاصرة، يكفي الاشارة الى سلميتها في مغرب عربي قلق.

ساسقط عن قصد هنا مستوى الخلاف السياسي في الاراء، واتذكر قبل خمسة عشر عاما وانا احاور كاتباً تونسياً معارضاً بوجل لنظام زين العابدين بن علي، لكنه يدس قناعاته في مساحة مظللة عندما يتحدث عن نظام معمر القذافي في ليبيا المجاورة، ويكفي ان نجد الفرق بين ليبيا الغنية وتونس الافقر في التقاط صورة لشارع أو مصرف في تونس العاصمة أو طرابلس!

لم يقبل هذا الكاتب التونسي (على أهميته في المشهد السياسي والثقافي العربي) متراجحة نظام بن علي والقذافي آنذاك، وكيف تبني بلداً من موارد ضئيلة وتخرب بلدا بموارده العالية، واكتفى بتبرير ان الشعوب لا تتوق الى تحويل بلدانها الى "فندق سياحي" كما في تونس أو "ثكنة ثورية" في اشارة الى ليبيا.

ومهما يكن من أمر، فتونس كانت بطبيعتها وحريتها المدنية "انموذجا" عربياً بامتياز قياساً للانظمة الاخرى.

ولنا ان نتذكر هنا رسالة رجال الدين الى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة المعترضة على تعري السائحات الغربيات على الشواطئ التونسية وخشيتهم من انتقال الظاهرة الى المرأة التونسية، واجابته "المتفذلكة" والحاسمة في آن آنذاك "دعوهم يتعرون في الصيف كي نكسي أبناءنا في الشتاء"!

وكم بدا للعرب، على الاقل الذين يعرفون تونس عن قرب، ان تحويلها من دولة "مواطنين" الى دولة "مؤمنين" سيعيدها الى قرون الظلام، والتونسية التي وجدت دورها كشرطية مرور في الشارع وقاضية في المحاكم ولاعبة كرة قدم بارعة، ستضعها حكومة "الإخوان" في كيس أسود وتعزلها في غرف "الحريم"!

والسلفيون الطارئون على تونس المعاصرة، ليسوا سوى "حلقة ضيقة" تبدو أكبر بكثير من حجمها في وسائل الاعلام، وان كانوا قد سلبوا زاوية من المشهد الجمالي لشوارع المدينة بلحاهم وارديتهم القادمة من قرون الظلام وأقبية تورا بورا أو قم أو النجف!

لكن الصورة الحقيقية لتونس غير ذلك تماما، ولا يمكن لـ"إخوان تونس" أو من يستمدون قوتهم من أموال القرضاوي، ان يرسموا غير الصورة المعتادة للمرأة التونسية، او الشاب "المتفرهد" الطموح التواق لخدمة تونس.

تونس منذ الثورة تبدو تحت وطأة حكومة لاهية بنفسها وليس بشعبها، انها تونس بلا خدمات كانت إلى ماض قريب متميزة. فقدت الشوارع شيئاً من بريقها، وظهر قاع المدينة الفقير الى الواجهة، في وقت تلاشى الخوف وتكميم الافواه الذي كان سائدا في حكم بن علي، وكشفت وسائل الاعلام عن "كوامن ابداعية" ونقدية لاذعة كما تقدمه اذاعة "آي اف ام" مثلا.

ولنا ان نتصور هزالة التفكير السياسي والاقتصادي في قرار الرئيس المنصف المرزوقي بيع القصور الرئاسية، من اجل ان "يتهنى" بصورة المال، من دون ان يدرك ان بضعة ملايين لا تعني شيئأ في المقياس المالي لدولة، ولا تعوض خسارة المكان والمبنى خصوصا عندما يباع الى ثري عابر من دولة "صديقة"!

سيكون مبلغ الملايين مثيرا للمرزوقي الشخص الذي كان حله الساذج للتنمية هو بيع قصور رئاسية، ولن يحل معضلة اقتصادية أو يبني أكثر من مشروع صغير، في وقت تظهر حاجة البلاد الى مشاريع استراتيجية بعيد المدى!

وتونس في نهاية الامر لن تتحول الى دولة "مؤمنين" كما يريدها القرضاوي وتلميذه الغنوشي، بل ستبقى دولة "مواطنين" لانها كذلك منذ ان كانت، وتجربة "الاسلام السياسي" المتصاعدة في غفلة من الزمن، لن تجد من يدفع عربتها الاثرية الساعية لنقل تقاليد المسجد الى الدولة.

لقد عرف الليبيون ان الاحزاب الطائفية والدينية الحاكمة حولت العراق الى جمهورية اسلامية على غرار ايران من اجل سرقة البلاد، وان تونس المجاورة كانت البلاد التي يتوقون الى ان تصبح بلادهم بمستواها، بدأت بالتراجع منذ ان سقطت في لجة "الاسلام السياسي"، لذلك كان خيارهم بداية الاختلاف في منحنى التغيير المتصاعد.

وبدأ التونسيون يشعرون بمعنى "الاخفاق" بان توضع مقاليد الدولة بيد "أئمة المساجد" وماذا يعني ان يكون الوزير تابعاً يقبل يد القرضاوي، او خامنئي كما يحدث بين وزاء حكومة حزب الدعوة الاسلامي في العراق.

ولذلك من يعيد المرور في شوارع تونس اليوم بعد سنوات من مغادرتها، سيتحسس بقوة خصوصيتها وعدم انصياعها لـ"اسلاميي القرون المظلمة" والتونسية لن تفرط بجمالها كي تقبع في "كيس أسود" يريده اولئك الذين يقبعون في المساحة المظلمة من التاريخ.

سأتفائل لانني أحب تونس، واقول وانا مازلت فيها، تونس ستبقى دولة "مواطنين"!

كرم نعمة