التيار الديمقراطي العراقي والاحتفال بانقلاب 14 تموز... ألمانيا مثالاً

بقلم: مصطفى القرة داغي

ببالغ الحُزن والأسى قرأت قبل أيام خبَر الرَحيل المُبكر للتيار الديمقراطي العراقي الذي تشكل في ألمانيا قبل أكثر مِن سَنة مِن قبل مَجموعة شَخصيات وتيارات سياسية أكنّ للكثير مِنها كل التقدير والأحترام، وقد كتبت حينها مَقالاً حيّيت فيه تشكيل التيار وشَرَحت فيه وجهة نظري المُتواضعة في الأخطاء التي رافقت تشكيله وكيفية تجاوزها وصولاً لخلق تيار ديمقراطي عراقي حقيقي بإمكانه أستيعاب جَميع الشخصيات والقوى الديمقراطية العلمانية العراقية، التي تعاني اليوم تهميشاً قلّ نظيره في تاريخ العراق بسَبَب سَيطرة قوى إسلام سياسي ظلامية رَجعية طارئة على مُقدّرات العراق.

قد يَتسائل البَعض عَن أي رَحيل أتحَدّث. والجَواب هو أن رَحيل التيار مِن وجهة نظري ونظر الكثيرين، وهي وجهة نظر يُصِر التيار الديمقراطي ومَن يتحَكّم بمُقدراته على تجاوزها، يتمَثل بالدعوة التي قرأتها ووصلتني قبل أيام على صَفحات الانترنت والفيسبوك وجاء فيها "يدعو التيار الديمقراطي في ألمانيا الأتحادية، بنات وأبناء الجالية العراقية والدول المجاورة للمشاركة في مهرجان الاحتفال بذكرى ثورة 14 تموز المَجيدة" ويُضيف بمكان آخر"لنجعل أيام 15،14،13 تموز عُرساً عراقياً كما كانت الثورة" الى آخره.

أستحلِفكم بالله.. هل هنالك تيار يُسَمّي نفسه ديمقراطيا يَدعوا لمهرجان وأكرّر مهرجانا أحتفالاً بأنقلاب قام به حَفنة مِن الضُباط والعَسكر ضِد نظام حكم كان دستورياً بَرلمانياً ديمقراطياً الى حَد ما، وأحَل بَدلاً عَنه نظام حُكم عَسكري يُحكم مِن قبل شَخص واحد؟ أية ديمقراطية هذه التي يُبّشر بها التيار؟ أهي ديمقراطية شَرعَنة التآمر في الأقبية السِرية والغرف المُغلقة للإنقلاب على النظم السياسية الدستورية والسَطو على السُلطة فيها؟ هل كان النظام الملكي كالنظم الجمهورية لقاسم وعارف وصدام والمالكي التي تُحكَم من قبل زعيم أوحد وقائد ضَرورة بلا دستور وبرلمان؟ وهل جائت الثورة بنظام حُكم ديمقراطي دستوري تعدّدي لتستحق الأحتفال بها أم أن ماحَدث هو العكس؟ ألم يكن النظام الملكي رغم عيوبه التي كان مُمكناً إصلاحها دون جَريمة 14 تموز نظاماً ديمقراطياً فتياً دستورياً بَرلمانيا تعدّدياً فيه دستور لا يُغيّر ولا يُعَطل بجَرّة قلم وبَرلمان ومُعارضة وحُكومات تُستجوَب وتسَحَب عَنها الثقة وتتغيّر بَين حين وآخر تبعاً لأدائها الحكومي دون ضَجّة وهيستيريا كالتي يفتعلها المالكي اليوم مثلاً لمُجرَد سَماعه بأن هنالك مَن يَسعى لإستجوابه أو سَحب الثقة عَنه؟ ثم جاءت ثورتكم المَجيدة لتقضي على كل هذا للأبد ولتستبدله بنظام حكم جمهوري كان قادته يَرون الديمقراطية بُدعة إمبريالية، نظام مشوه لا دستور فيه ولا بَرلمان ولا تعدّدية، يُحكم مِن قِبل رَجُل واحد له السُلطة المُطلقة ومِن حَقه أتخاذ جَميع القرارات؟ هل هذه هي الديمقراطية التي تبَشّرون بها؟ وهل هذا هو المِثال الذي تعطونه للآخرين لتثبتوا به مَدى ديمقراطيتكم وسَعيكم الحَثيث لتحقيق الديمقراطية في العراق؟ إن كان الأمر كذلك فأنا مِن ديمقراطيتكم بَراء.

ثم نأتي الى ما وَرَد في الدعوة من أن 14 تموز1958 كانت عُرساً عراقياً. هنا أسأل:عن أي عُرس يَتحَدّث كاتبوا ديباجة هذه الدعوة؟ هل المقصود به عُرس جُثث العائلة المالكة العراقية الهاشمية البَريئة المُسالمة التي حَكمَت العراق بكل أخلاص، أم جثة نوري باشا السعيد الذي خدَم العراق كما لم يخدُمه أي سياسي في تاريخه الحَديث، والتي رَقصَ عَليها قادة الثورة المَجيدة وأتباعهم مِن الرعاع وقطّعوا أوصالها وأحرَقوها وعَلقوها على أعمِدة الكهرباء وسَحلوها بالشَوارع والتي باتت أثر بَعد عَين حتى لم يَبقَ مِنها قطعة واحدة يَضُمّها قبر؟ أم هو عُرس مَحكمة الشَعب الفكاهية التي كانت تصلح كمُسلسل كوميدي والتي حَكمت بإعدام أناس أبرياء خدَموا العراق بكل أخلاص ووطنية؟ أم هو عُرس القضاء على الديمقراطية الفتية التي كانت تكبر شيئاً فشيئاً أبان العَهد المَلكي وجَرى إغتيالها مِن قبل الانقلابيين الى غَير رَجعة؟ أهذه هي أعراسُكم، كلها دَم ومَوت ودكتاتورية؟ لقد كانت ثورتكم مَأتماً عراقياً، مَأتماً على أرواح عائلة مالكة بَريئة قتلت بظُلم ووحشية على أيدي ضباط مُتهورين ورُعاع مُتوحّشين، ومَأتماً على روح الديمقراطية التي وأدت في مَهدها والتي لازلنا نأخذ فيها العَزاء حتى هذه اللحظة وسنبقى كذلك حتى تعودون وأغلب النخبة السياسية العراقية الى رُشدكم وتتخلصون مِن بقايا آيديولوجيات لم تجلب لكم ولبلادكم غير البُؤس والدَمار، ومَأتماً على روح المُواطَنة التي باتت منذ 14 تموز والى اليوم مُرتبطة بشَخص الزَعيم وحزبه القائد فالذي يُحبّهُما وطني مُخلص أما الذي لا يُحبّهُما فهو خائن عَميل للإستعمار والتي جَعَلها دُستور ثورتكم المُؤقت شَراكة بين العَرب والكُرد حَصراً في تركيز وتمييز عِرقي لم يَعرفه العراقيون قبل هذا التأريخ، أخيراً وليسَ آخراً مأتماً على روح بَلد كان بطريق الإزدهار والنُهوض بفضل قيادة مُخلصة حَكيمة واعية جَعَلت مِنه ورشة عَمل لا تنضب عِبر مَشاريع عِملاقة للبنى التحتية والسِدود والطرُق والمُستشفيات والمَعامل والمُجمّعات السَكنية والخَدَمية خَطّط لها مَجلس الأعمار عام 1952 ونفذ نصفها في زمن قياسي بحلول 1957 أي خلال خمسة أعوام فقط والتي لطالما هاجَمَتها أحزابكم الثورية وأطلقت الشائِعات والأكاذيب حَول عَدم جَدواها وضُعفها وأنها تهدُف لخِدمة الأستعمار ومُهاجمة الأتحاد السوفيتي صَديق الشُعوب وكان مِن ضِمنِها ولسُخرية القدَر ساحة رأس القرية التي أقيم بها نَصب تذكاري لزَعيم ثورتكم المَجيدة عبد الكريم قاسم!

أخوتي مِن ديمقراطيي التيار.. إن ما تسَمّونها بالحُكومة الديمُقراطية لثورتكم العَتيدة لم يَجرِ إغتيالها كما تدّعون، بل هي التي إغتالت نفسها بنفسها بعد أن سَنّت سُنّة التآمر والإغتيال عبر تآمر قادتها وإنقلابهم على مَليكهم وأميرهم ومؤسس جيشهم وإغتيالهم وخيانتهم لعُهود الوفاء والإخلاص التي قطعوها لهم، حكومَتكم الديمقراطية التي كانت تتألف في أيامها الأولى مِن ثلاثة اشخاص أختصِروا بعد أيام لزَعيم أوحد بَعد أن رُميَ أحدهم بالسِجن (عبدالسلام عارف) وأخضِعَ الآخر للإقامة الجبرية (نجيب الربيعي)، وبالتالي فكما تدين تدان، وكما شَرعَن قادتها مَفاهيم التآمر والإغتيال والخيانة وجَعَلوا مِنها وطنيةً ورفعةً وشرفاً، جاء اليوم الذي تآمر فيه البَعض عَليهم وقاموا بإغتيالهم.

إن مُشكلة التيار الديمقراطي اليوم هي مُشكلة أغلب القوى السياسية المَدنية العلمانية المَوجودة على الساحة السياسية العراقية التي تأسّسَت في بدايات ومُنتصف القرن الماضي، فهي بغالبيتها قوى يَسارية أو قومية تعيش إزدواجية صارخة بَين مَفهومين مُتناقضين، بَين حَنينها وولآتها لأدبياتها الكلاسيكية التي تتبَنى وتدعم ما يُسمّى بالشَرعية الثورية التي أثبتت هَمَجيّتها وبدائيّتها وفشلها في إصلاح المجتمعات بل وأعادتها الى الوراء، وبَين تعايشها مَع مَفهوم الديمقراطية والشَرعية الدستورية والأسلوب السِلمي لتداول السُلطة وإستيعابها لها كواقع أثبتت التجارب أنه السَبيل الأفضل للنهوض بالمُجتمعات وبنائها على أسُس مَدنية حَضارية سَليمة. إن جَمهور التيار الحالي ومؤيديه هم بغالبيتهم مِن جيل وشَريحة مُجتمعية لا تزال مأخوذة بعزة أفكارها الكلاسيكية المقولبة التي لاترى عَنها بَديلاً ولا ترغب بإعادة النظر فيها أو تقييمها، خصوصاً أنها نشأت بأجواء ثورية شعاراتية حَماسية صَوّرَت لها 14 تموز كثورة عَظيمة مَجيدة مُباركة، رغم أنها ومِن وجهة نظَر عَقلانية مَوضوعية ليسَت سوى تحرّك عَفوي طائش كان هدفه الأول والأخير والوحيد هو قلب نظام الحُكم وإستبداله بنظام حُكم آخر، مُتأثراً ومَأخوذاً بالبَريق الزائِف لتجارب ومُغامرات مُجتمعات أخرى دون أن تكون له رؤية فكرية أو برنامج سياسي وإجتماعي وإقتصادي مُؤثر في مُجتمعه، قامَت به مَجموعة عَسكر طائِشين هُواة عَديمي الخبرة بأمور السياسية والإقتصاد والدبلوماسية، بل إن بَعضهُم عُرفَ عَنه عَدَم خبرته بالأمور العَسكرية نفسَها كعبدالسلام عارف مَثلاً الذي أصبح فيما بَعد ولسُخرية الأقدار رئيس الجُمهورية العراقية، ثم جاء بَعده مَن هُم أسوأ مِنه بكثير.

المُؤسِف في الأمر هو أنه وبَدلاً مِن أن يُحاول التيار تأكيد ديمقراطيته وإحترامه لحقوق الأنسان بإعتماده ودَعمه للأساليب السلمية الدستورية الديمقراطية طريقاً لنقل السُلطة وبناء المُجتمعات والأوطان ونبذه لكل أشكال العُنف والتآمر، وذلك بأن يقوم بإدانة نكبة 14 تموز وما حَدث فيها مِن مَجزرة وحشية بشِعة والتبرّء مِن أفعال جَماهيرها المُتوحشة المُنفلتة بحَق العائلة المالكة البَريئة المُسالمة التي كان لها الفضل ببناء دولة العراق الحديثة، وأيضاً إدانة ما حَدث ذلك اليوم مِن إنقلاب على الديمقراطية والشرعية الدستورية مِن قبل قادة الثورة الطائِشين، بدلاً مِن كل هذا نراه قد بدأ يَكشِف عَن فئويته وتأدلجه الواضح وتبنيه لأفكار لا تمُت للديمقراطية بصِلة ويتبنى إقامة مهرجان يَحتفل بذكرى أول إنقلاب على الديمقراطية والشَرعية الدستورية وكان فاتحة لجَميع الإنقلابات التي تلته، والتي لطالما جائت بحُكومات دكتاتورية أسوأ مِن التي أنقلبت عليها، وبالتالي كانت السَبب بما وَصَل أليه العراق وشعبه اليوم مِن حالة اللادَولة بعد أن كان دَولة يَحسِب لها العالم ألف حِساب أيام النظام الملكي.

لقد توقعت سَلفاً هذه الإخفاقات والقرارات الأرتجالية التي تعكس الخلفية الآيديولوجية لمَن يُمسكون اليوم بزمام التيار الديمقراطي في ألمانيا ومَن يقف خلفَهم، وقد حَذرت مِنها في مقالي آنف الذكر الذي وجَد آذان صاغية لدى عَدد قليل مِن مُؤيدي التيار بعَدد أصابع اليَد الواحدة، الذين تحدثوا مَعي حينها حَول المَوضوع وقلت لهم بصَراحة بأنني في الوقت الذي أحيي تأسيس هذا التيار وأراه خطوة في الاتجاه الصَحيح لتوحيد القوى الديمقراطية وتفعيل دَورها في المُجتمع والحياة السياسية العراقية، إلا انني أخشى مِن هَيمنة تنظيم وفكر وجيل مُعَين على هذا التيار ودفعه ليَكون واجهة له لا أكثر، وبالتالي أفراغه مِن مُحتواه ومِن الهَدف الذي تأسّسَ لأجله، وهو ما بدأنا نلمَسه في الأشهر التي تلت تأسيس هذا التيار، وهو ما يحدث اليوم.

مصطفى القرة داغي

karadachi@hotmail.com