الرواية العراقية بلا قاع للمدينة

بقلم: حيدر قاسم الحجامي
لوحات جامدة عديمة الحركة

في الاعمال الروائية التي تخترق بنية المجتمعات المغلقة وتفك شيفرتها، لتصل بالقارئ الى تلخيص مهم وضروري للتعرف على شكل العلاقات الاجتماعية، وطبيعية الحراك للطبقات المتفاوتة، وكيف تتشكل الافكار الكبيرة، وتجد مساحات من اللغة المشتركة التي تنشأ نتيجة التداخل المصالحي أو النفعي. المجتمعات من الداخل هي غيرها من الخارج، فالحكم على أي مجتمع لا يمكن بلوغه وتحديد ملامحه دون الغور في أعماقه والعيش بتفاصيل حياته اليومية، ولهذا تعجز وسائل الاعلام عن وصف مجتمع ما، واعطاء صورة كافية عنه ما لم تستمد توصيفها له من مصدر آخر غير التحليلات الصحفية العابرة.

وهنا يأتي دور الرواية كوثيقة عاكسة للمجتمع، لأنها تقتطع جزءا من الحياة الاجتماعية وتلقي بضوئها الكاشف على علات ومشاكل وامراض المجتمع، وتحلل الوقائع الحياتية والتشكلات السكانية وطبيعية الصراع الكامن خلف صورة المجتمع الكبير.

المجتمعات من الداخل تبدو لوحات جامدة عديمة الحركة، لكنها من الداخل كألواح رمال ناعمة تتحرك باستمرار، وهنا تعجز صورة الصحفي القلمية، أو كاميرته عن التقاط هذه الحركة ونقلها، كما يجب.

ولعل الروايات التي فضحت الواقع وعرت المستتر كثيرة حول العالم، بل أغلبها انتجتها السينما العالمية كأفلام مهمة، صارت فيما بعد وثائق لاستكشاف مجتمع ما.

لكن أين الرواية العراقية من هذا ..؟ لماذا غابت تلك الروايات في العراق، تلك الروايات التي تكشف عن العمق الاجتماعي وتغوص تحت طبقته الظاهرة، لماذا لا نجد كما من الروايات العراقية التي تقترب من الهامش لتنيره ولتكشف عن كل ما لا يقال، وتفضح ما تعمدت السلطات واجهزتها الاعلامية، بل وحتى المؤسسات الدينية والاجتماعية الكلاسيكية تغيبه حفاظاً على ما تسميه "أسرار المجتمع وصورته النقية"!

المشكلة الاخرى تكمن في أن اغلب الاعمال الروائية العراقية لا تزال تعيش حلمها الرومانسي القديم، وتبحث عن صناعة أبطال خارقين ومناضلين متخيلين، وتغرق في الوصف للظاهر دون الغوص في الاعماق. وهذه علة لا ينكرها أغلب المتابعين للشأن الروائي العراقي، ولكن هذا لا يلغي أبداً وجود أعمال روائية عراقية تناولت الهامش وتعمقت في القاع الاجتماعي وكشفته، لكنها ظلت مجرد محاولات فردية قليلة لم تحظ بالاهتمام الكافي والضوء المطلوب لكي تصل رسالتها المنشودة.

كاتب وصحفي عراقي