يتّعظون بالجارتين: الليبيون ينأون بانفسهم عن الإسلاميين

نريد ديموقراطية حقيقية

طرابلس ـ جرت الانتخابات التشريعية في ليبيا السبت الماضي، وهي الانتخابات الثالثة بعد ثورات الربيع العربي، الذي كسبه الإسلام السياسي في تونس ومصر ، وكذلك كسبوا الانتخابات التي جرت في المغرب. إلا أن الانتخابات الليبية قللت من تلك الانتصارات وخيبت الآمال في الاجتياح الكامل للإسلام السياسي في المنطقة، بل إن الإسلاميين أخذوا يعدون العدة ويوجهون التهديدات مِن موقع القوة، بعد الفوز في أكثر مِن بلاد.

لقد خيبت الانتخابات الليبية أهل "الإسلام هو الحل"، عندما جاءت المفاجأة بتفوق الليبراليين والوطنيين، بفارق كبير جداً، ففي العديد مِن المناطق وصلت نسبة فوز الليبراليين المتوقعة إلى الـ 90% مِن نسبة المصوتين. لم يعلن التحالف الليبرالي وزعيمه محمود جبريل النتائج، على الرغم مما بأيديهم مِن نتائج شبه مؤكدة.

ويتألف اتحاد القوى الليبرالية مَن 65 حزباً، أُعلن عنه في 22 شباط /فبراير مِن العام الجاري، مِن بين 130 حزباً شارك في الانتخابات الليبية، بينما مثّل القوة الإسلامية حزب العدالة والبناء، واجهة الإخوان المسلمين، الذي صرح رئيسه محمد صوان معترفاً بتقدم الليبراليين وهزيمة الإسلاميين في الانتخابات، وإلى جانب حزب الإخوان المسلمين يظهر حزب "الوطن" الذي يتزعمه الجهادي السابق عبد الحكيم بلحاح، المدعوم مِن دولة قطر.

هناك أسباب ودلالات عديدة على توقع فوز الليبراليين وهزيمة الإسلاميين في الانتخابات الليبية؛ فمن الأسباب هو اتعاض الليبيين بالتجربة التونسية والمصرية، على الرغم مِن قصرها، لكن القوى الإسلامية السياسية، الإخوان والسلفيون على حد سواء، هيمنت على الشارع المصري والتونسي، ومارست الضغوط الدينية على المجتمع، من فرض الحجاب وإعلان التشدد في الجامعات والتأثير على السياحة، وهي المورد الأول بالنسبة للدولتين.

يضاف إلى ذلك أن الإسلاميين ما أن تقدموا في الانتخابات حتى أخذوا يبتعدون عن شعاراتهم التي رفعوها في سبيل الوصول إلى السلطة، ومنها ما بدا من الإخوان بمصر بالالتزام بالاتفاقيات الدولية المبرمة من قِبل النظام السابق، كالاتفاقية مع دولة إسرائيل، مما يثير التساؤل حول استخدام تلك الاتفاقية وغيرها في التحشيد الشعبي ضد النظام السابق، والطعن بوطنيته.

وكان مشهد البرلمان المصري المنحل، مِن قبل المحكمة العليا، صورة شوهاء في سياسة إدارة الدولة، وهو الممثل للسلطة التشريعية، ذلك عندما نهض أحد الإسلاميين، وهم الذين يؤلفون في البرلمان نسبة 70%، مؤذناً داخل القاعدة وفي ساعات انعقاد البرلمان، مما يدلل على أن هؤلاء لم يكونوا في يوم من الأيام رجال دولة، فكل الأماكن لديهم مساجد، وكل الأوقات عبادة، مما حدا برئيس البرلمان، وهو إسلامي أيضاً، إلى الاعتراض على النائب المؤذن بعبارة: "لا تزايد".

كانت تجربة الإسلاميين، القصيرة في أكثر من بلد، واحدة من المؤثرات على هزيمتهم في ليبيا، إلى جانب أسباب أخرى تتعلق بالواقع الليبي الداخلي، منها ضعف تنظيم الإخوان المسلمين وبقية الإسلاميين، ويعود هذا إلى طبيعة المجتمع الليبي وإلى الحكم السابق الذي استمر 42 عاماً لم يسمح بأي عمل سياسي معارض أو محابي، لكن هذا الأمر لم يعانِ منه الإسلاميين فقط بل القوى الليبرالية والوطنية الأخرى كافة، فظلت أغلب القوى تعمل في الخارج مع تعرضها للاغتيالات من قِبل النظام.

السبب الآخر الذي أضعف الإسلاميين تماماً هو طبيعة المجتمع الليبي القبائلية، واعتماد تشكيله الاجتماعي على التحالفات القبيلة، والتي لا تقبل الزعامات أو الأحزاب الإسلامية، ويعد هذا من الأسباب القوية في فوز الليبراليين والوطنيين، إلى جانب أن القوى المتعلمة في طرابلس وبنغازي عانت خلال الفترة التي عقب مقتل القذافي وسقوط نظامه، وهي ما يقرب من العام، مِن صراعات القوى الدينية، السلفية وغيرها، المهيمنة على الحياة العامة، وأن وجود العديد من الميليشيات المسلحة تقاد من قبل زعماء دينيين، وأن وجودهم يهدد بسيطرة تنظيم القادة السلفي، وما يعني ذلك من إشاعة الإرهاب. ذلك الذي حذر منه معمر القذافي في إحدى خطبته، محاولاً لاستمالة الدولة الغربية إلى جانبه.

وصف محمود جبريل، من قِبل الصحافة الغربية، بالمعتدل وهو يقدم نموذج رجل الدولة المدنية المناسب، فمن مبادئ التكتل الليبرالي الذي يتزعمه: أن ليبيا دولة ديمقراطية موحدة، مبينة على أساس المواطنة والتعددية والسيادة للشعب، والإيمان يتداول السلطة، وكذلك الإيمان بالتوافق في تشكيل الحكومة، بمعنى لا يقصى أحد بما فيهم الإسلاميون، ضمن ضوابط مدنية الدولة والإسلام الوسطي، ومع الاعتراف بأن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، وأن الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي للتشريع القانوني للبلاد، وبطبيعة الحال هناك فرق بين أن تكون الشريعة المصدر الرئيسي ومصدر رئيسي، ففي الأولى تتحول الدولة إلى دولة دينية، وفي الثانية تجمع بين الدينية والمدنية، حسب مستجدات الحياة وضرورات وضع القوانين.

كذلك كشف التحالف الليبرالي عن نيته في اعتماد السياسة اللامركزية في إدارة الدولة، فبعد نظام مركزي قاهر، لا بد من اللامركزية التي تتوزع فيها التنمية على المناطق حسب حاجتها، وهذه بحد ذاتها تقلل من مخاطر تقسيم ليبيا. ففي هذا الانتخابات تقدمت مصراتة فيها بتحالف "الاتحاد من أجل الوطن"، وقررت عقد النتخبات بعيداً عن بقية ليبيا، أو عن الحكومة الانتقالية، وقد ترأس التحالف المصراتي هذا عبد الرحمن السويكي.

تنافس المرشحون الليبيون على 200 مقعد، هي مقاعد المؤتمر الوطني العام (البرلمان) كافة، منها 80 مقعداً مخصصة للأحزاب السياسية التي خاضت الانتخابات بمرشحيها، و120 معقداً للمرشحين الأفراد. وبطبيعة الحال لايخلو هؤلاء المرشحين من دعم الأحزاب نفسها. وبعد إلتئام المؤتمر الوطني العام سيكتب الدستور الليبي وهو ما يُعبر عنه بـ "ميثاق وطني جامع".

بعد فوز اللبراليين الليبيين، بما خالف نتائج الانتخابات لصالح الإسلاميين، بتونس ومصر، سيظهر التأثير المباشر، آجلاً أم عاجلاً، على وجود الإسلام السياسي بأشكاله كافة، بداية من الثورة الإيرانية، واحتفاظ الإسلاميين بمواقعهم في العراق، إلى ما سيؤديه هذا الفوز من مراجعة الإسلاميين أنفسهم لبرامجهم وممارساتهم، وإعادة النظر بما يستهويهم ويدفعهم غرور الفوز إليه، ألا وهو ممارسة ما يشبه تصدير التجارب أو الثورات، فقد ظهر العديد من قياداتهم يهددون الدول التي لم يطلها الربيع العربي بحلته الإسلامية، مع فوزهم كان بمصر على قلقٍ، لم يكن كاسحاً مثلما هو فوز الليبراليين في لبيا.