الحلقة الفلسطينية المفرغة... مجددا

بقلم: محمد السهلي

أوقفت حركة حماس عملية تجديد سجل الناخبين في قطاع غزة عشية الموعد المفترض لبدء التسجيل. وبذلك تكون شطبت إحدى الخطوات المهمة التي قطعت على طريق تحقيق المصالحة وعادت الحالة الفلسطينية بالتالي إلى مربع المراوحة والتجاذبات بين طرفي الانقسام.

وإذا كانت الحركة قد تذرعت بأسباب تتعلق بإجراءات أمنية تتخذ من قبل السلطة في رام الله بحق أعضائها، فإن المستغرب والمستنكر أن يكون الرد على ذلك من «سلة» المصالحة الفلسطينية، وهي العملية المعطلة منذ وقت طويل لأسباب تتعلق بغياب الإرادة السياسية اللازمة لإتمامها وليس لهذا السبب الطارئ هنا أو هناك..

نقول هذا مع التأكيد على ضرورة إغلاق ملف الاعتقال السياسي من قبل أي جهة كانت وضد أي شخص أو جماعة تكون، وعلاج ذلك يتم في إطار الحوار وضمن الملف المخصص لذلك دون أن يتم إغلاق ملفات المصالحة كافة عند حصول خرق ما، في غيره من الملفات.

ومن المؤسف أن يتم التعامل مع الاستحقاقات الوطنية الكبرى التي تمس وتعني مجموع الشعب الفلسطيني من زاوية منسوب العلاقة الثنائية بين حركتي فتح وحماس بغض النظر إن أتى ذلك في سياق السعي لإنجاز المصالحة أو في إطار الأوضاع العادية. وهو ما يعتبر تعديا صارخا على حق المواطن في إبداء رأيه ومساهمته في تصويب الوضع الفلسطيني القائم بعد سنوات من استمرار الانقسام وتفاقم تداعياته وانعكاساته على حياة المواطن ذاته ومستقبله الاجتماعي والوطني.

الانتكاسة الجديدة هذه على طريق المصالحة المفترضة تعيدنا إلى التأكيد على ما يلي:

* منذ أن وقع اتفاق المصالحة في 4/5/2011 بالقاهرة، كان واضحا أن الآليات الرئيسية التي اعتمدت لانجاة كانت ترتبط بالتوافق الثنائي بين حركتي فتح وحماس على مضمون ما ورد في الاتفاق. ومع أهمية وصول الحركتين إلى هذا التوافق كضرورة لسير تنفيذ الاتفاق، إلا أن تغييب الحوار الوطني الشامل في بلورته واعتماد المشاركة الوطنية في تنفيذه أبقى على الألغام التي تزخر بها نصوص الاتفاق ويزداد خطر انفجارها مع تكريس المفاوضات الثنائية حصرا عند كل خطوة يراد بها التقدم خطوة على طريق المصالحة. وهو ما جعل العام المخصص لتنفيذ الاتفاق يمر دون تحقيقه على الأرض.

من هذا الزاوية، أبقى طرفا الانقسام الصيغ التي توصلا إليها لاحقا في اتفاقات ثنائية في إطار العموميات، وابتعدا عن الخوض في التفاصيل في جميع الملفات التي تم الإعلان عن التوافق العام بشأنها وهو ما يوضح أن تجنب التفاصيل في جميع الملفات التي تم الإعلان عن التوافق العام حولها كان بسبب استمرار الخلاف حولها مما يؤكد أن أسبابا أخرى دفعت بالطرفين بين الحين والآخر لتقديم «مفاجأة سارة» للحالة الفلسطينية تبشر بأن المصالحة باتت قاب قوسين أو أدنى من التحقيق، وإذ بخطوة هنا أو هناك توقف تنفيذ ما تم التوافق حوله لتعود الأمور بانتظار جولة أخرى من المفاوضات الثنائية.

* وعندما توافقت الحركتان على مسألة تشكيل الحكومة الانتقالية من 19 وزيرا بما يعني تقليص عدد الوزارات القائمة، برزت على السطح عقبات عندما اتضح أن كل حركة قد قدمت من طرفها 30 مرشحا أي أن 60 مرشحا للوزارة سيتم «غربلتهم» أولا في كل تنظيم على حدة ومن ثم تبدأ المفاوضات بين الحركتين على الأسماء المتبقية ويدور الصراع مجددا على «نوعية» الحقائب الوزارية التي تسند إلى مرشحي كل حركة، وهذا يعني أننا سنكون بانتظار نتائج معركتين الأولى داخلية من داخل كل حركة لغربلة مرشحيها ومن ثم بين الحركتين حول الأسماء ومدى «استقلاليتها» المطلوبة وكذلك حول الوزارة التي يحصل عليها مرشح كل منهما.

* وبقي قانون انتخاب المجلس الوطني بانتظار الاتفاق على طبيعة العلاقة بين «الوطني» و«التشريعي» وتوحيد قانون الانتخابات في كليهما ومن ثم نسبة الحسم في الانتخابات، ورأى المراقبون في تأجيل البت في هذه القضايا الحيوية أن مسار المصالحة بشأن هذه القضية متعثر أيضا داخل الحركتين وفي التوافق المفترض بينهما.

* وإذا كان التعجيل بتشكيل الحكومة ربط ببدء لجنة الانتخابات المركزية عملها في تجديد سجل الناخبين وخاصة في غزة، فإن التوافق الذي حصل بين الحركتين بالقاهرة (20/5/2012) وأدى إلى انطلاق عمل لجنة الانتخابات قد قوبل بترحيب وسط تفاؤل بأن المصالحة أخيرا وجدت قوة دفع مفصلية من خلال بدء اللجنة في مهامها وتسلمها لمقارها في قطاع غزة. وقد توقع كثيرون أن يقلع ملف تشكيل الحكومة الانتقالية بعد إنجاز هذه الخطوة الهامة. لكن ما حدث مؤخرا من تعليق عملية التسجيل قبل البدء به، قد بدد أجواء التفاؤل وأعاد التوقعات إلى خانة التشاؤم مرة أخرى.

لهذه الأسباب جميعا، من الواضح والمؤكد أن مسار المصالحة لا يوسم فقط بالبطء والتعثر وإنما في الأساس بغياب الإرادة السياسية من أجل إتمامها. وقد سجل تغييب الحوار الشامل كأساس فاعل في عملية المصالحة كأحد تعابير غياب هذه الإرادة.

لكن ما يتم تجاهله في غمرة البحث عن سبل تحقيق المصالحة ليس آليات الحوار الشامل فقط بل يسجل في المرتبة الأولى تغييب الإرادة الشعبية العارمة في تحقيق المصالحة وتجاهلها، ونذكر الحملة الجماهيرية الواسعة التي انطلقت في الوطن والشتات وهي تطالب بإتمام المصالحة تحت شعار «الشعب يريد إنهاء الانقسام». والمؤسف أنه تم الالتفاف على هذه الحملة بإعلانات لفظية تحدثت عن السعي لتحقيق هذا المطلب الوطني الهام.

وإذا كانت الجماهير الفلسطينية والمنظمات والمؤسسات المجتمعية قد قابلت بترحيب كبير توقيع الاتفاق في العام الماضي إلا أن الوقت الطويل الذي مر على ذلك التاريخ والمسار المتعثر والمتعرج الذي مضت فيه المصالحة يؤكد مجددا ضرورة إحياء الحملة الجماهيرية كعنصر ضاغط على طرفي الانقسام على أن تكون هذه الحملة متواصلة ومتصاعدة ومتعاظمة، تشمل كافة أماكن تواجد الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.

فمن الواضح تماما أن مسار المصالحة لن يتحرك نحو نتائجه المرجوة وطنيا إذا ما بقي رهن المعادلة القائمة التي تحكم العلاقة بين طرفي الانقسام وسيخضع مجددا إلى ثنائية المد والجزر وفق التبدل الذي يطرأ على هذه العلاقة.

والمهم أيضا في هذه الحملة الجماهيرية المفترضة أنها تعيد مشكلة الانقسام ومسار حلها إلى الحاضنة الوطنية بكل صفائها بعيدا عن الرهانات على التغيرات الإقليمية.. فصندوق الاقتراع الذي ينتصب في هذه العاصمة أو تلك معني بالإجابة عن الأسئلة التي تطرحها المجتمعات في تلك الأماكن.. ويبقى صندوق الاقتراع الفلسطيني هو المعني والقادر على الإجابة عن الأسئلة الكثيرة والكبيرة التي تدور في جنبات المجتمع الفلسطيني وفي حركته السياسية.

محمد السهلي