الرئيس مرسي، بين ضغط الشارع الثوري وبراغماتية أروقة الحكم

بقلم: عبد الكريم رضا بن يخلف

يبدو أن المصريين هذا العام لن ينعموا بإجازات صيفية مريحة، ولا عطل سياحية ممتعة. لم يعد سحر شرم الشيخ، وهدوء وروحانية الحرم، بذلك السحر وذلك الهدوء. والظاهر أن المسلسل المصري الدراماتيكي، ما زال أمامه حلقات وأحداث محيرة ومشوقة تستقطب الشعب المصري على اختلاف طبقاته واتجاهاته، وشعوب العالم أجمع.

ما أقدم عليه الرئيس محمد مرسي من إعادة الشرعية للبرلمان المصري، يعد الاشتباك الأول بعد الهدنة الهشة بين الإخوان ومكونات الثورة المصرية من جهة، وبين المجلس العسكري والمحكمة الدستورية العليا من جهة أخرى؛ اشتباك يقع أسرع مما كان متوقعا، كما أشارت إليه الصحف الإسرائيلية. فالإجراء يعد تحديا كبيرا للمجلس الأعلى للقوات المسلحة وسلطته، ومفاجئا لكثير من المراقبين السياسيين.

هل ما وقع يعتبر جزءا من تفاهمات سابقة بين الطرفين في إطار عمليات عسيرة لـ "هات وخد"، والتي تمثل إعادة الشرعية للبرلمان الخطوة الأولى؟ أم أن الأمر يتعلق بنقض للمواثيق ودق طبول حرب، تبدأ باردة ولا ندري على ماذا ستنتهي؟ ما الذي أعطى كل هذه "الشجاعة" للإخوان على هذا الفعل الذي كان يبدو في وقت غير بعيد فعلا انتحاريا؟ أهو تأييد خارجي من عواصم العالم الثقيلة؟ أو داخلي من أطراف فاعلة وجهات سيادية؟ أم أن الأمر لا يتعدى "الصفقة" التي يعلمها "الخاصة" ويجهلها "العامة"؟ ما الذي أنزل كل هذا الهدوء والحكمة على المجلس العسكري الذي كان بالأمس القريب يهدد ويتوعد؟ أسئلة محيرة، وحيرة مسيطرة، وضبابية وسخونة وافقت أجواء مصر المناخية هذه الأيام.

المجلس الأعلى للقوات المسلحة، على كل الأحوال في اجتماع مفتوح منذ قرار الرئيس إعادة الشرعية للبرلمان المنتخب، فقد قرر الاجتماع فور سماعه القرار الرئاسي لمتابعة الأوضاع. والظاهر، أن نقاشا محموما وقع حول القرار الرئاسي، إلا أنه تم الاتفاق على التهدئة السياسية وعدم إصدار أي بيان. ويبدو أن المجلس العسكري يريد إن كانت هناك مواجهة، أن تكون مع المحكمة الدستورية العليا، التي أصدرت صبيحة الاثنين بعد اجتماع طارئ لها بيانا تقول فيه: "أن جميع قراراتها ذات طابع نهائي، وملزم لجميع مؤسسات الدولة"، وتماشيا مع القرار الرئاسي، دعا سعد الكتاتيني إلى انعقاد المجلس يوم الثلاثاء، في تصعيد آخر للوضع المصري المكهرب، وردت الرئاسة على كل هذا ببيان: "إن قرار عودة البرلمان الذي أصدره رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسي بالأمس هو حق أصيل من حقوق رئيس الدولة واختصاصاته التي نصت عليها المادة 25 من الإعلان الدستوري".

كان التحدي الأول للرئيس الجديد أن يظهر صلابة في المواقف، وجلدا في المطالبة على الحقوق، على الأقل أمام الرأي العام، ويعتبر القرار الرئاسي، التطبيق العملي لرجل لا يريد أن يكون نصف رئيس، ولا ثلاثة أرباع رئيس، كما أن التحدي الأول للمجلس العسكري هو الظهور على أنه جهة انتقالية لا يهمها إلا الامتثال للشرعية والقانون. حتى لو كتبت الأيام المقبلة عدم عودة البرلمان، سيكون د. مرسي "الرئيس الذي لم يقصر"، ويكون الإخوان "الجماعة التي لم تحيد"، والمجلس العسكري "المجلس الذي وفى بعهوده"، والمحكمة العليا الدستورية "المحكمة الساهرة على الدولة وقانونيتها"، والشعب يبقى "الشعب الثائر من أجل حقوقه".

"البراغماتية السياسية" و"ضغط الشارع" تدفع في أحيان كثيرة إلى تغيير في الوسائل، والسياسات والأهداف وحتى الإستراتيجيات، لأن الواقع غير الخيال، والعمل غير القول، يبقى فقط الديكور وبعض أحداث الواقع التي لا بد أن نزيد فيها وننقص، ونبيض ونسود، ونبني ونهدم لكي تحقق مصالح جميع الأطراف السياسية، وأساسا لكي لا تبدو للشعب (المشاهد) على حقيقتها، ونحافظ على "بطولة الأبطال"، و"شرف الشرفاء"، و"كلمة الرجال".

عبد الكريم رضا بن يخلف

كاتب صحفي

AMIDZ29@YAHOO.FR