بشار الذي يحبه شعبه!

بقلم: جواد البشيتي

إبداءً لحُسْنِ نيَّتِه ليس إلاَّ، قَبِلَ بشار الأسد مقترَحات (وأفكار) وسطاء دوليين، في مقدَّمهم عنان، لحلِّ "الأزمة السورية"، تتضمَّن عبارات "لا معنى لها"، كعبارة "الإصلاح السياسي (والديمقراطي)"؛ لأنَّ ما يَحْدُث في سوريا، وعلى ما زَعَم الرئيس السوري في مقابلات صحافية ثلاث أجْرِيَت معه حديثاً، تَكْمُن فيه غايات وأهداف دولية وإقليمية لا تمت بصلة إلى "الإصلاح"؛ ولأنَّ "الإصلاح" نفسه بدأ في سوريا (وما زال مستمراً) منذ سنة 2000.

الرئيس بشار لم يَسْقُطْ بَعْد؛ وهذه واقعة لا نُنْكِرها؛ وإنْ اعترض أنصار بشار على كلمة "بَعْد"، قائلين: "لن يَسْقُط أبداً".

ومع الانتقال إلى التفسير والتعليل، ينشأ الخلاف ويَشْتَد؛ فالرئيس بشار، وبحسب التصريحات الصحافية التي أدلى بها، لم يَسْقُط كما سقط شاه إيران (فهو الذي عَقَد هذه المقارَنة) على عِظَم "المؤامرة (الدولية والإقليمية)" التي تتعرَّض لها سوريا؛ لأنَّ الشعب يقف معه، ويؤيِّده، وإنْ تناقَضَت أقواله (الصحافية) منطقياً في هذا الشأن؛ ففي المقابلة التي أجراها معه التلفزيون العام الألماني قال بشار إنَّه ما زال يحظى بـ "التأييد الشعبي"، موضِحاً أنَّه لا يَعْرِف "النِّسَب والأرقام" في هذا الأمر؛ أمَّا في مقابلته مع صحيفة "جمهوريت" التركية فقال إنَّ "الأكثرية الساحقة من الشعب (23 مليون سوري)" تؤيِّده؛ و"الشعب (لا "مؤسَّسات الدولة والجيش")"، على ما قال، من ثمَّ، في مقابلة مع القناة الرابعة في التلفزيون الإيراني، هو الذي أبقاه في السلطة؛ و"الدليل المُفْحِم" على صِدْق زعمه هو "ملايين السوريين الذين ينزلون إلى الشارع عفوياً بين الفينة والأخرى" للتعبير عن تأييدهم له؛ فلو كان الشعب (في أكثريته الساحقة) ضدَّه لسَقَطَ كما سَقَط شاه إيران، الذي لم تَقْوَ سلطته، على قوَّتها، على الصمود في وجه "الثورة الشعبية الحقيقية".

وبَعْد ذلك، يَجْرُؤ بعضهم على سؤاله "هل (ومتى) يتنحَّى؟"؛ فكيف لقائدٍ يحظى بما يحظى به الأسد من حُبٍّ وتأييد شعبيين عظيمين، وتتعرَّض بلاده إلى ما تتعرَّض له من مؤامرات الأعداء الدوليين والإقليميين، والتي لها ما يُبرِّرها في "المواقف القومية الصَّلبة" لنظام حكمه، أنْ يَخْذل شعبه (بتنحيه) وأنْ يتهرَّب من مواجهة التحدِّيات، ومن الاضطِّلاع بمسؤولياته؛ لا بلْ كيف له أنْ يَقْتُل، ويُقَتِّل، أبناء شعبه، الذين لولا حبهم وتأييدهم له لسقَطَ كما سَقَط شاه إيران، ولَمَا استطاع قيادة "السفينة"، والسير بها قُدُماً، في هذا البحر الهائج المائج، وفي مواجهة رياح التآمر الدولي والإقليمي العاتية؟!

أمَّا الذين يُحدِّثونه عن "الثورة الشعبية" في سوريا فَهُمْ، إنَّ أحْسَن الظَّنَّ بهم، قَوْمٌ من الأغبياء؛ لأنَّ صموده (حتى الآن) في الحُكْم هو خير دليل على عدم وجود هذه الثورة؛ فليس من قُوَّة (ولو كانت بشار الأسد) تستطيع إلحاق الهزيمة بـ "ثورة شعب حقيقية". إنَّه "منطق أرسطو" الذي مَسَخَه الأسد إذ استعمله قائلاً: الثورة (الشعبية) الحقيقية تُسْقِط الحاكم مهما كان قويَّاً؛ الأسد لم يَسْقُط؛ والاستنتاج، من ثمَّ، هو "لا وجود لثورة شعبية حقيقية في سوريا"!

الحاكم الذي يحظى بحُبِّ وتأييد الشعب له يمكن أنْ يرى الملايين من أبناء شعبه تَنْزِل إلى الشارع عفوياً، بين الفينة والأخرى، تعبيراً عن هذا الحب والتأييد؛ لكن هذا لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، وفي مثال "شعبية بشار" على وجه الخصوص، أنَّ هذا النزول إلى الشارع يَصْلُح دائماً دليلاً على "شعبية الحاكم"؛ وأحسب أنَّ بشار الأسد نفسه يَعْلَم هذا الأمر عِلْم اليقين، ويَعْلَم، أيضاً، أنَّ شعبه، والعالم كله، يَعْلَمه؛ لكنَّ مصلحته في "الإنكار" أقوى من أنْ يَغْلِبها العقل والمنطق.

ولم أرَ حاكماً (مُسْتَبِدَّاً) يمقته ويبغضه شعبه إلاَّ ويَلْعَب هذه اللعبة، لعبة إنزال الملايين (بالترغيب والترهيب) إلى الشارع، ليهتفوا بحياة زعيمٍ لم تَلِد مثله النساء.

أمَّا الذين لا ينزلون إلى الشارع (ليهتفوا بحياته) فيَحْسبهم الحاكم نفسه مِنْ محبِّيه ومؤيِّديه "الصامتين"، أو مِمَّن ارتضوا أنْ يُمثِّلهم، وينوب عنهم، "النازلون"، أي "الناطقون (أو الناهقون)".

بشار، وفي قصارى قوله، لن يتنحَّى؛ لأنَّه أعظم من أنْ يَخْذل شعبه، الذي يُمْعِن في قتله، "دفاعاً عنه"؛ ولأنَّه لن يُغادِر الحُكْم (أيْ "القيادة"، بحسب وَصْفِه المُفضَّل لدوره) إلاَّ كما جاء إليه؛ فهو من طريق "الانتخاب (الشعبي الحر الديمقراطي)" جاء إلى الحكم، ومن الطريق نفسها يغادره؛ فإمَّا أنْ يترشَّح للانتخابات الرئاسية المقبلة، فلا يفوز، ويذهب من ثمَّ إلى بيته، وإمَّا أنْ يمتنع عن الترشُّح، راغباً عن الاستمرار في الحكم، أو راغباً في أنْ يُفْسِخ لغيره الطريق إلى "قصر الشعب"!

لا تَقْتَرِحوا عليه انتخابات رئاسية (وبرلمانية) تُضْمَن ديمقراطيتها وحُرِّيتها ونزاهتها وشفافيتها دولياً؛ فعندئذٍ، يَنْتَصِر لـ "السيادة" السورية، التي يحرص عليها حرصه على "المضي قُدُماً في الإصلاح"، وفي "الحرب على المتآمرين والإرهابيين والعصابات المسلَّحة والخارجين عن القانون، وعلى كل المتربِّصين بالقلعة القومية الدوائر"!

بشار مُصِرٌّ على "الإصلاح" الذي بدأه سنة 2000؛ وها هو يتوعَّد شعبه (الوفي) بمزيدٍ من هذا "الإصلاح"!

جواد البشيتي