المصالحة السياسية... كيف يفهمها العرب؟!

بقلم: عبدالأمير المجر

اكثر من معارض عربي، نسمعه يقول "كيف يمكن التصالح مع هذا النظام الذي..." واكثر من مسؤول رسمي عربي نسمعه ايضا يقول "كيف يمكن التصالح مع هذه المعارضة التي..."

وبين اصرار هذه الجهة واصرار تلك، سالت دماء عربية غزيرة، وسفحت اموال وخربت مدن ودول، وتشرذمت شعوب، والسبب هو الفهم العربي، البدوي، للمصالحة السياسية.

لقد دفعني لكتابة هذه السطور، ما سمعته قبل ايام من احد المعارضين العرب، في معرض رده على سؤال، اثناء لقاء اجرته معه احدى الفضائيات عن امكانية تسوية المشكلة بينهم وبين النظام في بلده، اذ كان رده، كيف يمكن التصالح مع هذا النظام الذي يقتل الشعب يوميا؟!

هذا الكلام يبدو منطقيا من وجهة نظر اخلاقية عامة، لكنه عندما يوضع في سياق السياسة واستحقاقاتها الوطنية، فانه لايمكن ان يكون مفهوما، لاسيما ان الشعب الذي يدفع ثمن التصادم اليومي من دمه، من الصعب تصور انه جميعه منخرط بالخلاف بين المعارضة والحكومة، الذي من دون ادنى شك له امتدادات خارجية ويجري في اطار لعبة اجندة سياسية كبيرة، لايعرف الشعب المغلوب على امره مضامينها، او ما هو خارج المعلن والاستهلاكي منها، الذي يلوكه الاعلام يوميا في اطار تلك اللعبة.

ان المشكلة تكمن في فهم معنى المصالحة، اذ ان هناك من يراها مسالة تصالح بين الاشخاص، او "تصافي قلوب!" و"تبويس لحى!" على الطريقة العشائرية، بينما هي تنبع من مصالح الشعب العليا، وحماية السلم المجتمعي، وتصحيح الواقع السياسي، واعادة بنائه على اسس تضمن قيام عملية سياسية تستوعب الجميع، وتنبذ مبدأ الاقصاء، وهي استحقاقات تتجاوز المشاعر الشخصية بين الغرماء، قبل التصالح وبعده، لان هذا لاقيمة له في معايير السياسة التي هي فوق الاشخاص وامزجتهم، او هكذا يجب ان تكون، الا عند العرب للاسف، فهم يرهنون مستقبل شعوبهم وفقا لما تكون عليه امزجتهم واهوائهم، او قل هكذا كان واقع الدول العربية في علاقاتها مع بعضها طيلة العقود المنصرمة، لان الحكام كانوا غير "متصالحين"!

ولعل البعض يطرح سؤالا معقولا، ويقول ان هذا النوع من الحكام، لا ينفع التصالح معهم، وهو سؤال صحيح من الناحية المنطقية، لكن المشكلة هي ان المعارضة في البلدان العربية لا تختلف في محتواها عن الانظمة، وان الفرق بينهما، هو ان احدهما في الحكم والاخر خارجه، وحين يكون في الحكم يمارس السلوك نفسه، والدليل، ان النظام في البلد الذي رفض المعارض الذي اشرنا اليه في بداية هذه السطور التصالح معه، كان قد وافق على اجراء حوار مع المعارضة، لكن الرد جاء بالرفض القاطع! ثم توالت المصائب لتكون مبررا له ولامثاله بالاستمرار في الرفض، ليستمر نزيف الدم وتحل الكارثة التي خلقت شروخا عميقة في جسد المجتمع وولّدت احقادا وثارات، قد لا تنفع معها مصالحة قادمة او تندمل جروحها بسهولة بين ابناء الشعب، الذي كان ومازال، وربما سيبقى يدفع ثمن هذا الفهم الخاطئ للمصالحة.

عبدالأمير المجر