ابعد من الكلام عن ظروف وفاة ياسر عرفات...

بقلم: خيرالله خيرالله

بعيدا عن الكلام الكثير الذي يقال هذه الايام عن ظروف وفاة ياسرعرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني والرجل الذي اعاد وضع فلسطين على "الخريطة السياسية للشرق الاوسط"، لا مفرّ من السعي الى الابتعاد عن كلّ انواع الاثارة.

الكلام الجديد والمتجدد عن "ابو عمّار" مرتبط بالاسباب التي ادّت الى وفاته وما اذا كان صحيحا انه قضى نتيجة تسمّم عن طريق مادة دسّت له عن طريق الطعام او شخص ما اقترب منه. والواقع ان كلاما كثيرا قيل في الماضي عن المسألة، الاّ انها المرة الاولى التي يشار فيها الى اشعاعات ومادة معيّنة استخدمت في ما يعتبره بعضهم اغتيالا لـ"ابو عمّار".

لا شك ان الكلام عن تسميم "ابو عمّار" يمكن ان يكون صحيحا، ذلك انه كانت هناك دائما رغبة اسرائيلية وغير اسرائيلية في التخلّص منه. ما لا يمكن تجاهله ايضا درجة العداء التي كان يكنّها النظام السوري ايام الاسد الاب ثم الاسد الابن لكلّ ما كان يمثله الزعيم الفلسطيني. الم يقل حافظ الاسد في احد خطاباته، الموجّهة مباشرة الى ياسر عرفات وما كان يمثّله، ان القرار الفلسطيني المستقل مجرّد "بدعة" وان فلسطين "جنوب سوريا"؟

الاكيد ان الزعيم الفلسطيني الراحل غادر دنيانا بعد سنوات طويلة قضاها في مواجهة مع عدوّ لا يرحم هو اسرائيل. كانت اسرائيل تعرف جيّدا اهمية ياسر عرفات. لكنّ ما لا يمكن تجاهله ان "ابو عمّار" كان يعاني منذ فترة طويلة، اي في السنوات الخمس عشرة التي سبقت وفاته، من مشاكل صحيّة كثيرة جعلته غير قادر على تحمّل الحصار الذي تعرّض له منذ نهاية السنة 2001 والذي جعله اسير "المقاطعة"، اي المقرّ الرئاسي في رام الله.

لم يكن ذلك الحصار، الذي شاركت فيه اسرائيل- ارييل شارون واميركا- جورج بوش الابن واطراف عربية كالنظام السوري وغير عربية مثل ايران، مجرّد تصرّف عشوائي. كان الهدف القضاء على الزعيم الفلسطيني نظرا الى ان كلّ المشاركين في الحصار كانوا على علم بالوضع الصحّي لـ"ابو عمّار" الذي يحتاج الى الشمس والهواء الطلق قبل ايّ شيء آخر.

من الصعب القول ان "ابو عمّار" اغتيل في العام 2004 حين نقل الى مستشفى قرب باريس لمعالجته من مرض غامض. ياسر عرفات اغتيل على دفعات، خصوصا منذ فشل قمة كامب ديفيد التي جمعته بالرئيس بيل كلينتون ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك، وقتذاك، في صيف العام 2000. صار سهلا، بعد تلك القمّة التي ذهب اليها "ابو عمّار" مجبرا، المباشرة في تنفيذ عملية الاغتيال لرجل منهك لم يعد قادرا على اتخاذ قرارات سياسية صائبة في مواجهة عدوّ وضع نصب عينيه كيفية قطع العلاقة الخاصة التي ربطت الزعيم الفلسطيني بالبيت الابيض.

كان الهدف الاسرائيلي الدائم، الذي لم يتغيّر الى اليوم، القضاء على العلاقة بين الولايات المتحدة والفلسطينيين وجعل اي اتصال فلسطيني بواشنطن عبر البوابة الاسرائيلية.

تكمن اهمية "ابو عمّار"، بغض النظر عن الاخطاء التي ارتكبها في الاردن ثم في لبنان، في انه تجاوز اسرائيل. زار ياسر عرفات البيت الابيض في السنة 2000 اكثر من اي زعيم آخر في العالم. لكنّ كلّ شيء تغيّر في بداية السنة 2001 بعد وصول بوش الابن الى الرئاسة الاميركية وبعد العمل الارهابي الذي ارتكبته "القاعدة" في الحادي عشر من ايلول- سبتمبر من تلك السنة. سهّلت الحرب الاميركية على "الارهاب" اتخاذ ارييل شارون الذي اصبح رئيسا للوزراء الاسرائيلي محاصرة ياسر عرفات في "المقاطعة".

بدأت عملية اغتيال الزعيم الفلسطيني بشكل تدريجي بدءا بحبس الهواء عنه ووصول الدبابات الاسرائيلية الى محيط مقر اقامته وممارسة كل انواع القصف والقنص بهدف عزله عن العالم. بلغت عملية الاغتيال ذروتها عندما مُنع ياسر عرفات من توجيه كلمة عبر الاقمار الاصطناعية الى القمة العربية التي انعقدت في بيروت في آذار- مارس 2002. من منع توجيه الكلمة وقتذاك، كان الرئيس اللبناني الذي كان تحت السيطرة المباشرة لنظام الوصاية السوري!

سيستمر الجدل في شأن كيف توفى ياسر عرفات. ولكن ما لا يمكن تجاهله مع مرور الايّام، ان الرجل لم يكتف بوضع فلسطين على الخريطة السياسية للشرق الاوسط. نجح هذا الرجل عندما كان يمارس السياسة بشكل فعّال، اي بعد خروجه من بيروت في العام 1982 وصولا الى اتفاق اوسلو في العام 1993، في القضاء على مشروع "اسرائيل الكبرى". هذا المشروع دفنه ياسر عرفات. كان هذا المشروع حلما يراود بعض المرضى من نوع اسحق شامير، رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق، الذي توفّى قبل ايام.

لم يعد مهمّا الدخول في متاهات من نوع من قتل ياسر عرفات او كيف قتل الرجل، خصوصا في ضوء ما تعرّض له من ظلم وقسوة في السنوات الاخيرة من حياته محاصرا في "المقاطعة". كان ذلك كفيلا بالقضاء جسديا على اي رجل كان. لكن ياسر عرفات صمد. حلم الدولة الفلسطينية لا يزال حيّا في حين ان حلم اسحق شامير بـ"اسرائيل الكبرى" صار من الماضي. انتصر عليه ياسر عرفات. من حيث هو على ابواب القدس، يدقّ الزعيم التاريخي ابواب القدس يوميا. لا بدّ من ان تفتح هذه الابواب يوما في حال كانت هناك رغبة لدى المجتمع الدولي في السلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين. فاستعادة الشعب الفلسطيني حقوقه في اطار "دولة مستقلّة" جزء لا يتجزّأ من "ربيع الشرق الاوسط" الذي لا يمكن الا ان يزيل الاحتلال الاسرائيلي مثما سيزيل الظلم اللاحق بالشعوب العربية على رأسها الشعب السوري البطل...

خيرالله خيرالله