ما أشبه غار أحد بآثار تمبكتو وباميان

باريس - من حبيب طرابلسي
زيارة الآثار بدعة!

أمر الدكتور خالد طاهر أمين منطقة المدينة المنورة الأحد بفتح غار جبل أُحُد الذي يُعدّ من بين الأماكن التاريخية التي يحرص المعتمرون والحجّاج ‏على زيارتها بالمملكة العربية السعودية، مهبط الوحي وحاضنة الحرمين الشريفين، بعد أن وقع طمسه بسدّ اسمنتي على يد أحد "المحتسبين" بحجّة أنه "بدعة".

ووجّه طاهر كذلك بإزالة اللّوحات التي وضعها المحتسب للتّحذير من "البدع"، كما أمر بوضع سياج حول الجبل، مؤكدا أنه "ليس لأي جهة حكومية تنفيذية علاقة بإغلاق" الغار" الذي يُعتقد أنه احتضن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أن أصيب في ‏غزوة أُحُد، إذ كان يتلقى العلاج فيه.

ويُقلل المختصون من صحّة هذه الرّواية.

وكان عدد من المهتمين قد تداولوا على مدى واسع نبأ إغلاق مدخل الغار، ملقين باللائمة في ‏ذلك على عدد من الجهات الحكومية التي قيل أنها تقف وراء تلك الحادثة، الأمر الذي دفع "هيئة ‏السياحة والآثار" وفرع "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بالمدينة المنورة إلى تبرئة ساحتيهما من ذلك.

ومن جانبه قال د.محمد الشيباني، الأستاذ المساعد ورئيس قسم التاريخ بالجامعة الإسلامية، أن اغلاق الغار هو "تصرّف خاطئ يمثل تعديًا على ممتلكات الدولة والجهات المسؤولة". وأقترح الشيباني بأن تقوم هيئة السياحة والآثار بتوظيف مرشدين متخصصين ومؤهلين بثقافة وخلفية صحيحة عن هذه الأماكن التاريخية والمعالم الدينية لتوضيح الحقائق التاريخية الصحيحة للوافدين والزائرين".

إزالة جهل ‏بأجهل منه

وقال الكاتب م. طلال القشقري بصحيفة المدينة "بغضّ النظر عن حقيقة الصدع وكيفية نشأته، لا يحقّ لأحدٍ الاجتهاد في إغلاقه إلاّ الجهة المسؤولة عنه، وهي هيئة السياحة والآثار، إذا صدرت فتوى من هيئة كبار العلماء"، مضيفا "لو كانت هناك قلّة جهلة من (المحتسبين) فلماذا لا يُوَعّون؟ أليس ترْكه مفتوحاً مع توعيتهم خيرٌ من إغلاقه مع بقائهم الدائم في جهلهم؟" وتساءل الكاتب "إلى متى يستمرّ مسلسل استعداء الآثار التاريخية؟ والاستهتار بها؟ بل والاعتداء عليها؟".

وعلّق عضو مجلس الشورى المدير العام لوكالة الأنباء السعودية ووكيل وزارة الإعلام سابقا، د.عائض الردادي، في نفس الصحيفة قائلا "ليس لأيّ كائن أن يطمسَ معلمًا تاريخيًّا إلاَّ بقرارٍ رسميٍّ من الجهة المختصة التي تتحمّلُ ‏مسؤولية ذلك".

وقال الإعلامي السعودي متهكّما "الجاهل إذا رأى جهلاً أزاله ‏بأجهل منه"، وتساءل "هل لكلِّ مَن يرى رأيًا أن يحطّم المعالم التاريخية لاعتقاد اعتقده؟ فإذا كان ‏بعض الجهلاء يتبركون بهذا المكان أو غيره، فإن الجهل لا يُزال بطمس المعلم التاريخي، بل بطمس ‏الجهل من النفوس".

وشاطره الرأي أحد القراء بمطالبة "أهل الحسبة والمحتسبين بأن يئدّوا دورهم من خلال التوعية، وليس عن طريق طمس المعالم التاريخية والآثار ... حتى لا يلعننا التأريخ في يوم من الأيام".

وقال آخر "متى ننتهي من الفكر المتحجّر؟ هل يعقل أن يتم وضع خرسانة في شق بجبل فيشوّه؟ أين كبار العلماء وأين التوعية؟ كفاكم عبثاً أيها الجهلة".

لا أهمية للآثار

وذهب أحدهم إلى القول بإن "ثمة شبهاً واضحاً بين طمس الغار وتدمير قباب وأضرحة (رجال الدين المسلمين الأثرية بمدينة) تمبكتو في شمال مالي على أيدي ميليشيات "أنصار الدين" التي ترفع راية القاعدة وتهدد بإقامة دولة إسلامية. وأعاد آخر بالذّاكرة إلى "تدمير تماثيل بوذا في باميان على أيدي طالبان الأفغانية" عام 2001.

لكن هناك من عارضهم بالقول "لن يُقام للشّرك معلم في عهد آل سعود، حُماة التّوحيد".

يُذكر أن عدّة انتقادات كانت قد وجّهت للسعودية التي تعتنق المذهب الوهابي الذي يستند نظريا الى الفكر السلفي المتشدد ويدعو إلى إزالة كل ما يرى أنه "بدعا وشركا ومخالفة لعقيدة التوحيد".

ويقول الكاتب التونسي الناصر خشيني أن "الوهابيين لا يقدسون المباني ولا يعتبرون لها أي قيمة عقائدية او تاريخية او حضارية او فنية، بل انهم عمدوا الى تدمير الكثير منها حتى لا تكون مواقع من شانها ان تؤدي الى الشّرك".

ويضيف الكاتب "هم لم يكتفوا بتدمير المباني المادية وما تحمله من رموز تاريخية وحضارية وقيمية لكل المسلمين، بل انهم دمروا اكثر من ذلك. انهم أقدموا على تدمير المنهج العقلاني في الاسلام (...) فاستبعدوا كل منهج عقلي ورموه بالضلالة والكفر ورفضوه رفضا مطلقا".

أما مواطنه، الكاتب أحمد النظيف، فقد أكّد بأن "ما يقرب من تسعين بالمائة من الآثار الاسلامية في الحجاز قد تم تدميرها منذ ظهور الحركة الوهابية في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر".