ألف رصاصة من الاحتلال ولا هراوة من ابن بلدي

بقلم: ماجد كيالي

لم تكن السلطة الفلسطينية بحاجة إلى حدث من نوع اعتداء شرطتها على متظاهرين سلميين، بالضرب بالأيدي والهراوات، كي تزيد الاحتقان المختزن، أصلاً، بين فلسطينيي الأرض المحتلة، والناجم عن ضياع المشروع الوطني، وانهيار خيار الدولة المستقلة، مع التمدد السرطاني للإستيطان وبناء جدار الفصل العنصري، والإنقسام في النظام السياسي، بين سلطتي فتح في الضفة وحماس في غزة، وشيوع مظاهر الفساد والمحسوبية فيهما، مع تدهور الأحوال المعيشية. والحاصل فإن هذا الحدث ذكّر ببدايات ثورات «الربيع العربي«، أي بحادثة «البوعزيزي» في تونس، و»التنكيل بأطفال درعا» في سوريا، واللتين كانا بمثابة الشرارة التي أشعلت السهل كله، كما يقال؛ هذا أولاً.

ثانياً، إن الدعوة إلى التظاهرة جرى من قبل نشطاء على شبكات التواصل الاجتماعي، على الانترنت، وكان هدفها الإحتجاج بطريقة سلمية على زيارة مجرم الحرب شاؤول موفاز إلى مقر القيادة، في مبنى المقاطعة في رام الله، حيث مثوى الرئيس الراحل ياسر عرفات، لإجراء مباحثات تفاوضية معها، في وقت ظلّت فيه تلك القيادة تروّج لرفضها استئناف التفاوض مع إسرائيل، قبل وقف هذه الأخيرة لأنشطتها الاستيطانية والإفراج عن الأسرى.

ثالثاً، تعامل جهاز الشرطة مع المشاركين، من شباب وبنات، بنوع من الرعونة، وبقسوة زائدة، وبطريقة غير مسؤولة، لاسيما مع وجود رجال أمن بملابس مدنية، اندسوا بين المتظاهرين بطريقة مريبة، ما ذكّر بدور الشبيحة في سوريا، والبلطجية في مصر، حيث جرى اعتقال العديد من المتظاهرين. وقد تفاقم الأمر في اليوم التالي، في التظاهرة التي نظّمت احتجاجا على ما جرى في اليوم الأول، وجوبهت بالطريقة بنفسها، وتم خلالها الاعتداء على كتّاب وفنانين، منهم فنان الغرافيك حافظ عمر، مصمّم غرافيك التضامن مع الأسرى، الذي تداوله أكثر من ثلاثة ملايين مشترك على شبكة الانترنيت وقتها.

رابعاً، نجم عن هذا الحدث نوع من «تظاهرة» الكترونية، على شبكة فيسبوك، ندّدت بما جرى، بمختلف الطرق، بالصورة والرسم والكاريكاتير وصوغ الشعارات وكتابة المقالات، وتم ترجمة ذلك بالقيام بتظاهرات تضامنية في بعض التجمعات الفلسطينية، كان أبرزها الاعتصام الذي نظمه شباب مخيم اليرموك.

خامساً، سرعان ما تمّ ربط هذا الحدث بنهج السلطة المتأسّس على تبني تسوية جزئية ومجحفة ومهينة، لجزء من الشعب على جزء من الأرض، وبوجود طبقة سياسية تحاول تعزيز هيمنتها في هذا الواقع، على رغم انهيار مشروعها السياسي، وعلى رغم كل شبهات الفساد السياسي والمسلكي المحيطة بها.

السؤال الذي طرح هنا، أنه إذا كان هكذا أمر حصل في ظل سلطة مازالت تحت الاحتلال، فكيف سيكون الأمر إذاً بعد قيام الدولة العتيدة؟ هكذا أثارت هذه الحوادث الخواطر، وحفرت عميقاً في ذاكرتهم، داخل الأرض المحتلة وخارجها، وبيّن مدى الانحراف الحاصل في مجمل بنية حركتهم الوطنية، عطفاً على الانحراف الحاصل في المشروع السياسي الأصلي، إذ تحولت تشكيلات المقاومة لديهم إلى أجهزة أمنية، والأنكى إلى أجهزة هدفها حماية السلطة القائمة التي تتعايش مع الاحتلال؛ أو ربما حماية الاحتلال ذاته!

فضلا عن كل ذلك، فما حدث كشف غياب الفارق بين سلطة فتح في الضفة عن سلطة حماس في غزة، لجهة استخدام السلطتين القمع لكبح أي مبادرات شعبية للارتقاء بالحالة الفلسطينية، أو لشق طريق جديد للمقاومة الشعبية ضد إسرائيل؛ وهي مقارنة لاتخدم سلطة «فتح» في الضفّة. وبديهي أن ثمة رسالة في ذلك إلى إسرائيل، أيضاً، التي ستبدو أكثر تحرّرا في المستقبل في قمعها لنضال الفلسطينيين.

ولعل مراجعة للشعارات المرفوعة في تظاهرات رام الله ومخيم اليرموك تبيّن مدى اتساع الفجوة بين الكيانات السياسية السائدة وبين المجتمع الفلسطيني، لاسيما مع شعارات من مثل: «منظمة التحرير للفلسطينيين جميعا»، «الأمن الفلسطيني لحماية الفلسطينيين وليس لقمع الحريات»، «شو بالنسبة لحق العودة للاجئين؟»، «الهراوات التي سقطت على رؤوس الشباب في الضفة أدمت رؤوس الشباب في مخيم اليرموك»، «ألف رصاصة من الاحتلال ولا هراوة من ابن بلدي»، «انولدنا بالانتفاضة الأولى وكبرنا بالانتفاضة الثانية إحنا بنخافش من حد إحنا متعودين على القمع«.

أما على شبكة «فيسبوك» فقد تم تضمين تعليقات سياسية غاضبة، أو ساخرة، هكذا كتب احدهم: «أنا الموقع أدناه أقرّ واعترف بأنني كنت من الأوائل ممن دعوا إلى إلغاء زيارة موفاز على الفيس بوك حيث كنت تحت تأثير حبوب الهلوسة والترومادول التي زودني بها بن لادن بواسطة المدعو الغضيب سويد الوجه دحلان والصبي تبعه محمد رشيد..لكي نعيد القضية 100 عام للخلف خدمة للأجندات الخارجية والرجعية والامبريالية.» وكتب أخر: «السلطة التي فشلت في خيار المفاوضة، والانتفاضة، وبناء السلطة، واستحقاق أيلول/سبتمبر (لمن يتذكّر)، وكذا في الخيارات الخمسة أو الستة، والتي تحوم من حول معظم طبقتها السياسية شبهات الفساد السياسي والمسلكي والأخلاقي، ماعاد عندها شغل إلا قمع الشباب الفلسطينيي والتنكيل به وامتهان كرامته؟!». وبديهي فقد كان لمثقفي فلسطين كلمتهم أيضا، إذ كتب الشاعر غسان زقطان:»أرجو ألا يخبرني احد أن هتافات الشبان لم ترق لأذن الضابط المسؤول وانه وجدها نابية ومبالغ فيها..كما سيكون من المضحك اتهام إياد خارجية بالوقوف خلف التحرك الشعبي على طريقة الأسد والبشير وصالح ومبارك...ببساطة نحن نستطيع أن لا نحب أبومازن، ونستطيع أن نعترض على سياساته وان نقول له أننا لا نتفق معك في هذا الأمر أو ذاك..الثغرة هنا ثقافية، وهي تكمن في أن بناء جهاز امني لا يتوقف على التدريب والتسليح والتعبئة بقدر ما يتأسس على بناء الوعي بدور الجهاز في حماية حرية التعبير وحقوق المواطن، المطلوب هو الإنصات للناس وتفهم رغباتهم وليس إسكاتهم وتهشيم عظامهم.» وهذه الكاتبة والأكاديمية نائلة خليل، وجهت خطابا إلى الرئيس جاء فيه:» سيدي الرئيس هل تعرف حافظ عمر؟ أنه فنان شاب، أحد مؤسسي جاليري المحطة، هو وأصدقاؤه حولوا منذ سنوات موقف سيارات مهمل كان عبارة عن مكب نفايات إلى أول جاليري فلسطيني، من دون أي قرش من ممول أجنبي. حافظ هو الفنان الذي حول الزي البني المقيت للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال إلى»رمز يدلل على نازية إسرائيل» عشرات الملايين في كل العالم تناقلوا هذا الرمز ووضعوه على «بروفايل الفيس بوك»... حافظ نزف طوال يوم أمس بعد أن تعرض للضرب المبرح على يد الأجهزة الأمنية.. سيدي الرئيس: هل تعرف الفنان حمزة أبو عياش الذي رسم على مدار أيام رسما على جدران رام الله نصرة للأسرى، لقد كسرت عناصر الأجهزة الأمنية أصبعه، هم يعرفون ماذا يفعلون يكسرون أصابع فنان، ويلكمون عين مصور صحافي حيث استطاع الأطباء بالكاد إنقاذ عين المصور محمد جرادات، أما محمود حريبات، كتلة الذكاء والمرح، مؤسس»موقع «Event in Palestine»، فهو مصاب بنوبة حادة من القهر، لأنه لم يستطع أن يحمي صديقه المصور من الضرب وتكسير كاميرته على يد أحد عناصر الأمن.. سيدي الرئيس... أرجوك افتح حساب على الفيسبوك وسنقوم بإضافتك على صفحاتنا لترى بأم عينك ماذا يفعلون بنا». وكتب الشاعر زكريا محمد: مثل الجميع... مثل الجميع بالضبط. مثل بن علي، مثل مبارك، مثل بشار... مجموعة حاكمة منفصلة عن الدنيا، تنسى الاحتلال وتراكم ثرواتها، وتستند إلى أجهزة أمنية بناها لنا الأجانب لمصلحة إسرائيل..غير أن نقطة الاتفاق الأهم مع مصر هي التالية: انعدام الكرامة الوطنية. فالمصريون كانوا يشعرون بأن مصر تهان من كل جانب ومن كل طرف، وأن حاكمهم وعصابته يبتلعون الإهانات، ويسكتون. لكن حين يتعلق الأمر بشعبهم يتنمرون، ولا يتساهلون..هنا، في رام الله، لا يثور الشباب من جوع أو غيره، بل من إحساس كامل بانهدار الكرامة الوطنية.

ماجد كيالي