إياكم والمادة الثانية من الدستور

بقلم: سهام فوزي

لا حديث اليوم في مصر سوى الحديث عن الجدل الدائر داخل الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور المصري بين ممثلي التيار السلفي وبين باقي أعضاء الجمعية التأسيسية، التيار السلفي يرى ضرورة لتغيير نص صياغة المادة الثانية من الدستور المصري من "مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع" كي تصبح أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع أو أحكام الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، ويرى حزب النور والدعوة السلفية أن حكم المحكمة الدستورية العليا في الثمانينات من القرن الماضي الخاص بالمادة الثانية والذي نص على أن الشريعة هي الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة، قد أخرج السنة النبوية من التشريع، وكذلك بعض آيات القرآن الكريم مما يفرغ المادة من مضمونها وأهميتها.

هذا الجدل الدائر والصراع الذي يسعى حزب النور ومن ورائه التيار السلفي قد يبدو للوهلة الأولى عبثي في نظر الكثير من أهل مصر، فما الفرق كلاهما يعني تطبيق الشريعة الإسلامية وإعلاء دين الله كما يروج أنصار التيار السلفي، بل ومحاولة تصوير من يرفض نص الصياغة التي يسعون لإدراجها في الدستور على أنه كافر جاحد منكر لدين الله ويجب معاقبته حتي لا يفسد الأمر، الكارثة في الأمر أنه في بلد ترتفع فيه نسبة الأمية إلى درجة مخيفة، كما ترتفع فيه نسبة عدم الوعي السياسي يصبح هذا الأمر جد خطير، فالتهديد باللجوء للشارع يعني استقطاب هذه الفئات وتصوير الأمر لها على أنه دفاع عن دين الله المهدد بالإلغاء من أرض الكنانة، وللأسف تلعب القنوات الدينية الوسيلة الوحيدة أمام الكثير من الناس باختلاف مستوياتهم العلمية والثقافية والمادية والإجتماعية دورا في خلق رأي عام يقف وراء جهود الدعوة السلفية لتغيير صياغة المادة بهذا الشكل.

هذا الإنقسام الحاد الذي يسعى أنصار الدعوة السلفية لإحداثه في المجتمع المصري يتطلب هدوءا وتوقف أمام الأمر، ويحتاج نقاش مجتمعي يوضح الخطر الكامن وراء تغيير هذه الصياغة.

الأزهر الشريف وعلى رأسه الدكتور أحمد الطيب رفضوا رفضا واضحا وصريحا تغيير صياغة المادة الثانية وقالوا أنهم يتمسكون بوثيقة الأزهر والتي شارك في وضعها عدد كبير جدا من المفكرين والسياسيين والنخبة المصرية بكل تنوعها الديني والثقافي، وهذه الوثيقة تنص في بندها الاول على أن المبادئ الكلية للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، كذلك رفض مفتي الجمهورية الشيخ علي جمعة تغيير هذا النص قائلا أن النص الحالي يقفل الباب أمام الخلافات المذهبية، كذلك يسعى الإخوان المسلمون إلى التهرب من وعدهم السابق للتيار السلفي بالاستجابة لرغبتهم تلك وأعلن الإخوان وعبر أكثر من قيادي من الجماعة أنهم مع الإحتفاظ بنص المادة دونما أي تغيير.

إذا الرفض هنا ليس رفضا فقط من القوى المدنية والتي تطالب بالدولة المدنية لا الدينية ولكنه أيضا من القوى الدينية والتيارات الاسلامية السياسية المؤثرة لمثل هذا التغيير.

والسؤال هنا ما هي الخطورة المترتبة على تغيير صياغة هذه المادة وتضمين كلمة أحكام في المادة بدلا من كلمة مبادئ؟

الأحكام هنا وبكل تأكيد ستطرح تساؤلا هاما أي أحكام ستطبق؟ بمعني في الشريعة الإسلامية تتعدد المذاهب والأحكام الفقهية، وتتدرج من أكثرهم تشددا وهو مذهب الإمام ابن حنبل إلى أن نصل إلى أيسرهم وهو مذهب أبي حنيفة النعمان، فأيهم سنختار ونعمل به ويصبح هو المرجع للأحكام الفقهية، وماذا عن المسلمين المصريين من غير أهل السنة كالشيعة مثلا هل سيجبرون على الإحتكام لغير الفقه الذي يتبعونه دينيا، أم أننا سنطبق الشريعة كما يراها حزب النور وبالتالي سنعتبر أنهم كفرة وهذه رؤية حزب النور والدعوة السلفية لهم ويجري معاقبتهم على ذلك وهو بكل تأكيد ما يتعارض مع حرية الفكر والرأي الواردة في باقي بنود الدستور؟

السؤال الآخر المطروح هنا هو هل هذا يعني أننا سننتقل فورا إلى تطبيق الحدود الشرعية وإلغاء المحاكم القانونية واستبدالها بالمحاكم الشرعية، واطلاق يد هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع المصري؟ إن كانت الإجابة بنعم حتى وان اقرنت بكلمة التطبيق التدريجي فمن حقنا أن نتساءل هل قمنا بثورة حتى نعود بالمجتمع لعصور التخلف والظلام، أم أننا قمنا بالثورة من أجل أن نصنع مجتمعا قويا قادرا على النهضة الحقيقية والقائمة على أسس حرية التفكير والإبداع؟

إن ناقشت أنصار هذا التيار وقلت لهم هذا الكلام سيكون الرد الحاضر والقوي بأنك تسعي لنشر الفجور والمعاصي في المجتمع ولهذا تخشى من تطبيق شرع الله، والحقيقة أننا نخشى أن نقتل باسم شرع الله كما حدث في السويس مثلا، ونخشى أن نهان باسم شرع الله كما يحدث لكثير من نساء مصر ممن لا يرتدين النقاب في العديد من المدن المصرية ونخشى أن يحجر على حرية التعبير والفكر باسم شرع الله كما نرى الآن من فتاوى بعض الدعاة كوجدي غنيم الذي طالب صراحة بقتل وجلد من يخالف هذا التيار الرأي وكما رأينا من استباحة دم الكثير من المفكرين وقضايا الحسبة سابقا والتي دفعت بمفكر كبير كنصر أبوزيد لمغادرة مصر لسنين طويلة، لسنين طويلة وقرون عديدة عشنا في ظل منظومة قضائية تسعى لتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية ولم نكن مجتمعا فاجرا أو منحل أخلاقيا بل على العكس لعبنا دور الإسلام الوسطي فما الذي استجد الآن كي يرى البعض فينا مجتمعا مريض بكل الآفات الإخلاقية ويحتاج إلى معالجة أخلاقية.

من الأسئلة الأخرى التي تطرح نفسها بقوة هنا هل يمتلك المطالبون بتطبيق الشريعة رؤية متكاملة لكيفية التطبيق وتغيير حياة مجتمع بأكمله بكل قوانينها وسبل معيشته أم أنهم يسعون للتطبيق ويفرجها الله في كيفية التنفيذ؟ ومن سيقوم بهذا التطبيق هل أنصار التيار السلفي أم علماء الأزهر؟ إن كان الرد علماء الأزهر فليرتاح هؤلاء فالأزهر يرفض هذا الأمر جملة وتفصيلا ويصر على وسطية الإسلام، وإن كان الرد أن أنصار التيار السلفي هم من سيقومون بتنفيذ الشريعة فهذا يعني أمرا واحدا هو أننا نسعى وبارادتنا الحرة إلى تعيين جلادين يلاحقوننا في كل مكان ووفقا لأهوائهم هم فقط يحللون ويحرمون سلوكياتنا وتصرفاتنا فهل هذا ما نسعى إليه، وهل حقا يصلح رموز هذا التيار للقيام بهذه المهمة؟

لنعد قليلا بالذاكرة ونتذكر الشيخ ونيس الامام المتورط حاليا والهارب من قضية فعل فاضح في الطريق العام، ولنتذكر أنور البلكيمي الذي كذب وزور وقام باجراء عملية تجميل يرفضها كل دعاة هذا التيار جملة وتفصيلا فهل هؤلاء يصلحون؟

عذرا لن نقبل أبدا بأن نعود للكهوف مرة أخرى من أجل مطامع البعض السياسية المغلفة بطابع ديني لخداع الناس، لن نقبل أن نسير في شوارع مصر خائفين أن نقتل أو نضرب أو نحاكم من أجل ان يسيطر علينا البعض، لن نقبل بمحاكم التفتيش والحجر على الرأي لهذا نحذركم من المساس بالمادة الثانية من الدستور فنحن من قبل وجودكم مسلمين ومسيحيين نعرف الله ونعرف الاخلاق ولا نحتاج إلى جلادين.

سهام فوزي