ما بين الدولة والشعب العراقي

بقلم: عماد رسن

لا يُعرف إلى الآن ماهو الإطار النظري الذي يحدد شكل الدولة العراقية والذي يمكن أن يصف طبيعة العلاقة مابين الحكومة والشعب العراقي. فلا يمكن وصف الدولة العراقية بالاشتراكية الخالصة والتي تأخذ على عاتقها كل مايهم المواطن، من صحة وتعليم وخدمات، فتهتم في تنظيم شؤون حياته اليومية، ولاهي بالليبرالية والتي تترك للمواطن الحرية في تحديد مستقبله والفردية والإستقلالية في تنظيم شؤون حياته مع وجود شركات كبيرة تحل محل الدولة في إدارة ملفات خدمية على مستوى عال. ولا يمكن أيضاً وصف الدولة بإنها تخلط مابين الإشتراكية والليبرالية والتي تدع المواطن مستقل وغير خاضع للدولة في شؤونه اليومية عدا أمور مهمة تأخذ الدولة على عاتقها إدارتها كالتعليم والصحة والأمن وهكذا. فالمواطن العراقي كان ومازال في حيرة من أمره في إدارة شؤونه اليومية في غياب واضح لإستراتيجية، سياسية وإقتصادية وإدارية وإجتماعية، يمكن أن نفهم منها كيف تسير الأمور وإلى أين تتجه.

أن المواطن العراقي يعتمد على نفسه في كل شيء من أجل توفير لقمة العيش، والتي صارت من الصعوبة بمكان الحصول عليها، وفي تدبير شؤونه اليومية من توفير الماء والكهرباء والنفط والغاز والحصة التموينية. بل يتعدى ذلك، فالمواطن العراقي بات مشغولاً بشكل يومي من أجل حل مشاكل الدولة المزمنة والتي تخلت فيها عن مسؤولياتها اليومية في إدارة دفة الدولة. فالحكومة وباقي السياسيين المتاخمين لها كبرلمانيين وغير برلمانيين ممن يمارسون السياسة مشغولين في معاركهم السياسية من أجل ضمان مستقبل زاهر لأبنائهم.

أن المواطن العراقي، وبكل فخر وإصرار، يقوم بحل مشاكل الدولة وحكومتها كمشكلة السكن وذلك من خلال القبول بالعيش في العشوائيات والتي تنتشر بمئات الآلاف في أنحاء العراق كافة، وفي الخصوص في بغداد. لم تكلف الدولة نفسها في جرد تلك البيوت التي ليس فيها لا ماء ولا كهرباء ولا نظام للصرف الصحي وهي غير خاضعة لتخطيط المدن الأساسية ولا يجرؤ أحد على التحدث في هذا الموضوع بعد أن خضع للمعادلات السياسية في غياب واضح لإستراتيجية إسكانية لبلد مثل العراق بحاجة لثلاثة ملايين وحدة سكنية لم يُبن منها شيء في العشر سنوات الأخيرة. ليست هي مشكلة السكن فحسب، فقد أخذ المواطن العراقي على عاتقه حل مشاكل الدولة وحكومتها في أمور كثيرة. فالمواطن العراقي يدفع من جيبه الخاص للطبيب الخاص والذي ينتظره كما ينتظر القصاب ذبيحته ليبطش بها مع فشل المستشفيات الحكومية في إستيعاب عدد المرضى ونوعية الخدمات التي تقدم هناك. ويدفع المواطن من أجل تعليم أبنائه لمدارس خاصة تعلم أولاده بدل المدارس الحكومية والتي يجتهد المدرسون فيها في تقديم مادة رديئة بطرق تعليمية قديمة ليتجه أولياء الأمور للدروس الخصوصية فيجد الطالب ضالته عند ذلك المدرس الخصوصي. يقوم المواطن العراقي بتحلية المياه التي يشربها ويقوم بتعقيمها بمواد لا يعرف أحد آثارها على صحته على المستوى البعيد. يقوم المواطن العراقي بحل مشكلة الكهرباء بنفسه من خلال المولدات الأهلية والتي يبطش أصحابها بذوي الدخل المحدود فيدفعون له مئات الآلاف من الدنانير وكأنه يشاركهم في رواتبهم الشهرية بعد أن أنهكهم غلاء المعيشة في أسعار للسلع اليومية والإستهلاكية توازي في أسعارها مثيلاتها في الدول الغربية. فالمواطن العراقي وبطرق مختلفة يدفع نصف راتبه لأشياء كان يجب على الدولة أن توفرها له بأسعار مدعومة فكيف للذي لا يملك حتى هذا الراتب الذي نتحدث عنه!

لقد صار من الواضح بأن الدولة العراقية بمؤسساتها وحكومتها وسياسييها أصبحت عبئاً على الشعب العراقي الذي تعب من مساعدة حكومته في حل أزماتها. حتى أن المواطن بدأ بحماية نفسه بعد أن فشلت الدولة في حمايته من التفجيرات الإرهابية المتكررة والتي تضرب مناطق عديدة في العراق بدون تحفظ. لقد تجاوز المواطن العراقي الطائفية السياسية وهاهم السياسيون يحاولون العودة اليها من أجل البقاء في مناصبهم وكراسيهم غير مكترثين بما يحدث للمواطن العراقي البسيط.

لابد أن نعترف بأن المواطن العراقي مازال يفكر بأن الدولة هي من تجب أن ترعاه في إداره شؤونه اليومية وهو ينظر إليها بعين المستعطف لها المنتظر منها العطايا كأرث طبيعي لدولة شمولية وثقافة أبوية يعتمد فيها الصغير على الكبير والضعيف على القوي. لكن الدولة بحكومتها تخلت عن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية لتضع المواطن تحت رحمة صاحب المولدة الجشع والطبيب المستغل والمدرس الذي باع ضميره والإنتهازي الذي يبيع قطع الأرض على الورق لمن هو بحاجة لها. فالدولة العراقية هي الآن عبارة عن بنك يوزع الأموال في نهاية كل شهر للموظفين الذين ينفقون الكثير من رواتبهم في تلك المتطلبات والإحتياجات التي هي من شغل الدولة في غياب واضح لأي دعم للفقير والمحتاج وذوي الإحتياجات الخاصة والمرأة والمثقف والفنان وكل شيء.

ففي الدولة الليبرالية تقوم الدولة بدعم الفئات الضعيفة وتحميهم من المستغليين، وفي الدولة الإشتراكية ترعى مصالحهم ولكن في العراق لا هذا ولا ذاك، فقط دبر أمورك بنفسك وإستعن بالله. على الحكومة التي تدير مؤسسات الدولة أن تعلم بأن للمواطن العراقي حق ربما هو الآن في جيوب السياسيين والمسؤولين، ولكن، لا يضيع حق وراءه مطالب كما قال الإمام علي.

عماد رسن

Imad_rasan@hotmail.com