اغتيال عرفات: الريبة من توقيت فتح الملف!

بقلم: محمد قواص

لم يكن مفاجئا التحقيق التلفزيوني الذي بثته قناة الجزيرة حول ظروف وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. التحقيق يكشفُ عن قوة احتمال مقتل الرجل مسموماً، وهي فرضية لطالما تناولتها اليوميات الفلسطينية بصفتها أمرا مؤكدا دون الذهاب أكثر من ذلك. ولعل الإكتفاء بالشك "اليقيني" دون الإتهام والملاحقة، مرده، حينها، ضعف الاثباتات (أو الكسل في تدعيمها)، أو الرغبة بطيّ الصفحة، من قبل البيت الفلسطيني من جهة، والدائرتين العربية والإقليمية من جهة أخرى.

لكن المفاجئةَ تأتي من أن العالم تفاجأ بما لم يكن مفاجأة. راحت الصحافة العالمية (أكثر ربما من العربية) تتناولُ الأمرَ وتمطره تحليلا وتفحصا، وراح الرئيس الفلسطيني (المتفاجئ) يُطالب بلجنة تحقيق دولية لكشف ملابسات الأمر، معرباً عن عدم ممانعة السلطة الفلسطينية (هذه المرة) من أعادة نبش رفاة عرفات لأغراض التحقيق المتوخى.

وجديد الأمر ما كشفه فرانسوا بوشو مدير رادييشين فيزيكس في لوزان من أن التحاليل التي تركز على عينات بيولوجية أُخذت من الأغراض الشخصية لياسر عرفات، كشفت عن وجود معدلات مهمة من مادة البولونيوم.

مادة البلوتونيوم، هي تلك التي قضت، كما هو معروف، على الجاسوس الروسي السابق الكسندر ليفتنكو (توفي في لندن العام 2006). وقد غطى الإعلام الدولي يوميا نزاع الرجل مع الموت. وأُتهمت موسكو، دون أي إثبات، بالوقوف وراء الإغتيال. والعودة اليوم للحديث عن البلوتونيوم، تعطي مصداقية لحالات الإغتيال عبر تلك المادة، علما أن الأعراض التي سبقت وفاة الجاسوس الروسي قد لا تنطبق تماما على تلك التي أصابت الزعيم الفلسطيني.

لكن الأمر مثير للإهتمام، وهو مثير للصحافة في العالم هذه الأيام، بما يُعيد تسليط المجهر على الدور الإسرائيلي، وأدواته، في مقتل أبو عمار، لا سيما أن أعراض مرضه تزامنت مع حصار شديد قامت به القوات الإسرائيلية على مقر اقامته في المقاطعة في رام الله عام 2004. فسويسرا تكتشف الآن ما عجز أطباء مستشفى بيرسي الفرنسي من التوصل إليه في ذلك العام. فالتقرير الرسمي الصادر عن المستشفى الذي عالج عرفات، أفاد عن وفاة ناجمة عن سكتة دماغية نتيجة مرض مجهول.

البروفسور باتريس مدير المركز الجامعي للطب الشرعي في لوزان مانغان يقول أنه "اذا جمعنا كل المعلومات التي لدينا، نتائج التحاليل المخبرية والمواصفات العيادية وظروف وفاة عرفات، سيكون صعبا الخروج بخلاصة"، وأنه "سيكون بالتاكيد الزاميا الذهاب ابعد من ذلك واجراء تحقيق اكثر عمقا اذا كان ذلك ممكنا". فالمطلوب إذن نبش رفات عرفات واخضاعها للتحاليل.

حالات الإغتيال الكبرى ظلت تاريخيا عصية على فك طلاسمها. آخر تلك الإغتيالات ما تعرض له رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، وما أثاره تشكيل لجنة تحقيقي دولية ومحكمة دولية من لغط وسجال لم يخرج لبنان من تداعياته بعد. وربما أشهر الإغتيالات تلك التي طالت الرئيس الأميركي جون كينيدي، وما رافقها، وما زال يرافقها من نظريات لم تتجاوز حدودها الإفتراضية.

أن تقتل إسرائيل ياسر عرفات، فالأمر جزء من منطق الأشياء. فالراحل خصم عنيد، تعرض مرارا لمحاولات إغتيال، حتى أن الطائرات الإسرائيليى كانت تلاحق الرجل أثناء حصار بيروت عام 1982 إلى حد قصف مبان على سكانها لمجرد الشبهة بوجوده داخلها. وما اغتيال المسؤول في حماس محمود المبحوح في دبي عام 2010، وثبوت تورط الموساد، الا مثال جديد على سلوك المخابرات الاسرائيلية ازاء اعدائها.

أحد الزملاء كان بصدد اعداد كتاب باللغة الإنكليزية عن اغتيال الرئيس الفلسطيني. وقد اهتمت دور النشر البريطانية بالكتاب، لكنها كانت تطالب دوما بإثبات ذلك بما هو معروف بوليسيا بـ "رؤية المسدس والدخان يخرج منه"، فهل بات العالم جاهزا (من خلال العيون السويسرية) لتقديم الدليل؟

في تناول غموض الاغتيالات، تنشط سيناريوهات المؤامرة. وفي حالة عرفات والإغتيال وتحقيق الجزيرة، ستنشط تلك السيناريوهات. أولها، توقيت التقرير، وتوقيت الكشف السويسري. فلا بد للمراقب من التساؤل عن سرّ الإهتمام المفاجئ بحدث تقادم إلى حد النسيان، لا سيما، وأنه مُهمل ومُغيّب بشكل مريب ومؤسف من قبل النخب الفلسطينية. ولا شك أن ظروف المنطقة العربية ستلقي بظلالها على الحدث – المفاجئة لجهة دور إثارة الموضوع على الداخلين الفلسطيني والإسرائيلي ومغزى ذلك على ما يرسم للمنطقة.

ثم أن إثارة الأمر من قبل قناة الجزيرة سيطرح علامات استفهام على الدور الجديد الذي تلعبه القناة في هذه المسألة، بعد سيل الإتهامات التي تُكال لها وللدولة القطرية منذ ما قبل اندلاع ما بات يعرف بالربيع العربي. مع العلم أن المهنية ستتشابك لا شك مع ما هو أبعد من برنامج تلفزيوني، خصوصا عندما نعرف أن افتراض اغتيال الرجل قد أثير سابقا في تحقيقات وبرامج ومقالات دون أن يولّد ذلك ردود الفعل المناسبة.

القضية ورد الفعل "المتحمّس" للحقيقة من قبل السلطة الفلسطينية، يتزامن مع أزمة حرجة تتعرض لها تلك السلطة، سواء من خلال تراجع مرتبة المسألة الفلسطينية إلى مستويات خلفية عربيا ودوليا، أو من خلال الأزمة المالية الخانقة التي لم تعد سرا، أو من خلال تصفية الحسابات الداخلية التي تمثلت يوما بإبعاد محمد دحلان ويوما آخر بمحاكمة محمد رشيد، أو بانسداد أفق المصالحة بين فتح وحماس، أو أخير بظهور بدايات ربيع فلسطيني يعترض على السلطة وممارساتها الأمنية.

فتح ملف الإغتيال، في نزاهة مسعاه أو لبسها، سيشغل البيت الفلسطيني بسجالات خارج سياق الراهن، بحيث يتم القفز إلى الوراء من أجل قضية نبيلة، وبالتالي سيساهم ذلك في محاولة ابعاد موسم الأزمات عن يوميات الراهن الفلسطيني.

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي