الجيار يرى أن 'ربيع في عمَّان' عتبة نصية مفارقة لدلالتها

حول تجربة العقيلي القصصية

القاهرة ـ أقام اتحاد كتاب مصر في مقرّه بالزمالك (القاهرة) ندوة نقدية حول تجربة القاص الأردني جعفر العقيلي، بمشاركة الناقد د. شريف الجيار، والكاتب حزيّن عمر، وأدارتها رئيسة شعبة القصة والرواية وأدب الرحلات في الاتحاد الكاتبة هالة فهمي.

بدأ الجيار حديثه عن المجموعة القصصية الأخيرة للعقيلي "ربيع في عمّان"، إذ رأى أن عنوان المجموعة عتبة نصية مفارِقة لدلالتها، وأنه يضع القارئ في الأجواء الموضوعية والقضايا التي تطرحها القصص، مبيناً أن قصص المجموعة تتماهى مع أحداث الواقع العربي.

وأضاف أن لا سرد بلا شخصية سواء أكانت إنساناً أو حيواناً أو نباتاً أو جماداً، وفي "ربيع في عمان" فإن السارد الذي تأرجح بين نوعين من السرد (خارجي – هو/داخلي – أنا) تناول قضية واحدة هي الإنسان، مساوياً عبر الفانتازيا بين الإنسان وبين شَعرة من الحاجب: "الشَّعر مثل البشر.. التي ترفض البقاء في القطيع، عملة نادرة".

وتابع الجيار أن القاص حمّل البناء الجمالي بعداً فانتازياً، وبعداً إنسانياً في اتجاه آخر، وهو ما تكرر في قصة "تذكار" التي تتناول علاقة الكاتب عبر سارده بالطبيعة، وفيها يتفق البطلان على أن الصورة من الممكن أن تؤثر وتصبح لها دلالاتها أكثر ما تقول الحقيقة. وتوقف الجيار عند ما دعاه "لغة الاكتناز والاستثمار والتكثيف في السرد" في قصص العقيلي.

وفي تناوله لقصة "ربيع في عمّان"، قال الجيار إن الشخصية المحورية كانت تشك في قدراتها، بينما كان الجيل الجديد محرضاً على التمرد، حيث تمرد على أوامر الأب ونصائح الأم، وحتى على غريزة الجوع لديه.

ورأى الناقد في المجموعة انحيازاً للبعد النفسي، وقال إنه يُحسب للسارد اعتماده على بنية شفافة، بمعنى إمكانية التعرف على دلالتها بسهولة، مثلما هي الحال في تشكيل شخصيات البقرة والدجاجة والزوجة في قصة "انتصار"، وهي القصة التي تجلت فيها مشهدية بصرية عالية، إذ يبدو السارد المتحدث كأنما يحمل كاميرا ليسجل الأحداث بشكل دقيق وتفصيلي. كما أن الأفعال الماضوية في هذه القصة أسهمت في تسريع الإيقاع القصصي على غير المتعارف عليه: "أطل الثور من بعيد، فوقف الجميع يتابعون استعراضاً لقائد على رأس جيش عرمرم، هاج وماج في أرجاء المزرعة. دنا من مبتغاه،...".

ولفت الجيار إلى أن المكان يظهر في البنية السردية في هذه المجموعة بوصفه شخصية أيضاً (كما هي قصتا "ضيوف ثقال الظل" و"تذكار")، وهو ما يحمل المفارقة أيضاً، إذ المكان هنا حاضن للصداقة والخير والاستقرار إن كان ذا سمات ريفية، أما إن انتمى للمدينة فهو رمز للهروب والخيانة، وبيّن أن القصص يمكن أن تنسحب على بيئات ومدن وأرياف غير التي في الأردن، انطلاقاً من أن الهم الإنساني العربي واحد.

وأوضح الجيار أن القاص لجأ إلى السرد المؤطر، بمعنى اللجوء إلى السرد داخل السرد، فثمة سارد أساسي في القصة يمنح الفرصة لسارد آخر ليكملها أو يتحدث عن نفسه، وبيّن أن القصص تكشف أن المبدع العربي لا يمكن أن ينفصل عن ثقافته أو واقعه، وأن القاص نجح في إرساء دعائم بنية سردية مكثفة في ظل الاعتماد عل لغة معتدلة داخل السرد والحوار، كما أنه ألبس الشخصيات عالماً ولغة ملائمتين.

بدوره، رأى الكاتب حزيّن عمر أن الوصف المكاني بدا مثقلاً بالتفاصيل قبل الوصول إلى العقدة الدرامية، مثلما هي الحال في قصة "ربيع في عمّان"، وأن هذا ما ينبئ عن نوازع نحو الرواية، فضلاً عن تأثير مهنة الكاتب (الصحافة)، في كتابته، مبدياً قلقه من اختلاط الإنشائي بالتصويري بالإبداعي.

ورأى عمر أن المجموعة ينتظمها تياران اثنان: التيار الإنساني العام الذي يتجسد في قصص مثل "علامة فارقة" و"انتصار"، وهي تنطوي على التأمل والغوص في الأعماق الإنسانية والحركة والقفزات واللون والاختلاجات الحميمة، والبطل في قصص هذا التيار مستغرق في الفكرة الإنسانية العامة، إذ يجد أن هناك أشياء تستحق الاهتمام بها والثناء عليها، مثلما يحدث معه عندما يلحظ شَعرة نافرة في حاجبه الأيمن فيعدّ تمردها قضيته الأولى، وهو ما يجد رفضاً من الزوجة.

وفي هذا السياق توقف عمر عند قصة "انتصار" التي تكشف عن تناص مع أفكار فلسفية، وتسلط الضوء على حالة الجدب المزمن لأرضٍ ما، مهما نزل عليها من مطر، وهو الجدب الذي يصيب البطل وبقرته أيضاً كأنما هو قدر مقدّر. ورأى عمر في هذه القصة "لوحة أرابيسك، لا مجرد بنية لحدث درامي"، وفيها بدا جلياً حس السخرية والحوار الداخلي واللغة الخارجية الظاهرة والمنطوقة التي توازيها لغة داخلية مبطنة، مقارباً بين هذه التجربة وتجربة القاص المصري الراحل محمد جلال.

أما التيار الثاني، فهو تيار الهم العربي المباشر، الذي يتمثل بحسب حزين عمر، في "ربيع في عمّان"، إذ تبدو القصة في أحد أوجهها "أداء واجب" في سياق التحولات في المنطقة، ولهذا بدا السارد متلكئاً وهو يدخل أجواء هذه القصة. ولفت عمر إلى اللغة العالية وإلى الصراع الناعم بين الحاضر والمستقبل على المستوى الموضوعي، إذ يحوّل الولد مفاهيم أبيه بأسلوب هادئ في الوقت الذي يبدأ الأب بالانتصار على نفسه قبل أن تنتهي القصة بحمله ابنه على كتفيه.

وإلى جانب الوصف المشهدي، توقف عمر عند اللغة الفنية في المجموعة التي تتجسد في جُمَل تطلق الخيال لدى المتلقي، مستشهداً بعبارات تجمع المادي والمعنوي معاً، وتُظهر انزياح الصورة ونمو المعنى لتقديم دلالة جديدة عبر المزج بين المحسوس والملموس، مبيناً في هذا المضمار أن القصة قد تكون جملة أكثر من كونها فكرة.

من جهتها عرّفت الكاتبة هالة فهمي بتجربة العقيلي القصصية والإبداعية، قبل أن يقدم العقيلي عرضاً موجزاً للمشهد الثقافي في الأردن وتحولاته.