هل فقدت القاعدة خارطة طريقها بعد مقتل زعيمها؟

لندن - من وليام ماكلين
الحروب المحلية تغطي على تهديد القاعدة للغرب

ما كان اسامة بن لان ليرضى بان تنخرط الجماعات التي تستلهم نهج تنظيم القاعدة بصورة متزايدة في حركات تمرد في افريقيا والشرق الاوسط مما يؤدي الى سقوط قتلى واحداث فوضى في المجتمعات المحلية.

لكن هذا التأكيد على ملاحقة العدو القريب يلقي بشكوك على التزام هذه الجماعات وخوضها حرب بن لادن على "العدو البعيد" وهو الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص.

وبعد مرور اكثر من عام على قتل القوات الاميركية لبن لادن لا تزال بعض الجماعات مثل القاعدة في جزيرة العرب ومقرها اليمن تمثل بلا شك تهديدا للغرب.

كما تسمح الاضطرابات في سوريا والصومال ومناطق من ليبيا ومالي والعراق ونيجيريا للميليشيات الاسلامية بالتجنيد والتدريب والتسليح والتنظيم. ومع ذلك فقد اصبحت اهدافها قريبة على نحو متزايد وليس في اوروبا او الولايات المتحدة.

وقال ريتشارد باريت منسق فريق مراقبة القاعدة وطالبان في الامم المتحدة "القاعدة اصبحت علما بارزا لاي جماعة تسعى بالاساس لتحقيق اهداف محلية لكنها ترغب في المبالغة في مدى عملياتها وتطورها".

واضاف "القاعدة فقدت الكثير من سمعتها كرائدة لقضية عالمية ولأن انشطة الجماعات المنتمية لها توقع المزيد من القتلى وتلحق الدمار بالمجتمعات المحلية فستتسارع هذه العملية".

ويقول مسؤولون غربيون ان الكثير من الجماعات - التي تتفاخر بالاسلحة التي حصلت عليها في الاونة الاخيرة وبالاموال التي جمعتها من الفدى مقابل الافراج عن مخطوفين وبالاراضي التي سيطرت عليها في مناطق نائية وبمجموعة من المتطوعين الغربيين الذين تحولوا الى التشدد - لديها فيما يبدو المال الكافي لتدبير مؤامرات يمكن تنفيذها داخل حدود الدول الغربية.

ويخضع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي تأسس عام 2009 عندما انضم متشددون طردوا من السعودية الى القاعدة في اليمن بالاخص لمراقبة دولية دقيقة بسبب محاولاته التفجيرية الفاشلة والجريئة في الوقت نفسه لاهداف اميركية.

واعلن مسؤوليته عن محاولة تفجير طائرة متجهة للولايات المتحدة في يوم عيد الميلاد في ذلك العام وعن مؤامرة لارسال طردين يحويان قنابل الى الولايات المتحدة في 2010. ويقول مسؤولون غربيون انهم احبطوا مؤامرة للقاعدة في جزيرة العرب لتفجير طائرة اخرى هذا العام ويرون ان التنظيم سيحاول مرة اخرى مهما طال الوقت او قصر تنفيذ هجمات اخرى كما هدد ان يفعل.

ومع ذلك فإن مجموعة كبيرة من اتباع القاعدة المسلحين متعددي الاعراق مهتمة فيما يبدو بإخضاع المجتمعات المحلية للحكم الاسلامي بعد القضاء على اي معارضة.

واليوم لم تعد القاعدة تدار مركزيا بعدما كانت شبكة تسلسلية من المتآمرين الذين هاجموا الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر/ايلول 2001 تحت قيادة بن لادن.

ورغم ذلك توجد لها فروع غير القاعدة في جزيرة العرب. ففي شمال افريقيا ومنطقة الصحراء كان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي مسؤولا عن خطف وقتل غربيين بالاضافة الى افارقة في حين يدمر الاسلاميون في مالي على نحو منهجي الكنوز الثقافية لتمبكتو.

وفي الصومال تقاتل حركة الشباب قوات الاتحاد الافريقي وشنت هجمات على كينيا المجاورة في حين تستهدف جماعة بوكو حرام في نيجيريا المسيحيين المحليين بالاضافة الى الحكومة والامم المتحدة.

وتعرقل الصراعات ذات القواعد العريضة روابط التجارة والنقل مما يفتح الباب امام المؤامرات الدولية ويوفر تدريبا شبه عسكري للمتشددين الجدد. ومع ذلك كان بن لادن يعتبر التمرد المحلي ملهاة خطيرة تنأى عن الهدف الاساسي للقاعدة وهو شن هجمات داخل الاراضي الاميركية.

ويتساءل البعض عما اذا كانت اهداف بن لادن قد تم تجاهلها.

وقال سعد الفقيه وهو معارض سعودي مقيم في لندن ان فروع القاعدة تشترك في الاساليب العامة والاستراتيجية لكن "لا يوجد تنظيم واحد. هناك هياكل مستقلة هنا وهناك فيما يتعلق بالاساليب العسكرية والعملياتية".

ويشير آخرون الى ان النعرة المحلية هي الغالبة.

وقال ستيفن تانكل وهو استاذ مساعد في الجامعة الاميركية وباحث غير مقيم في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي "عفريت الجهاد العالمي لم يوضع كلية في القمقم مرة اخرى لكن التشدد يعود لجذوره في الحملات على المستوى المحلي".

وقال مسؤول غربي كبير في مكافحة الارهاب شريطة عدم الكشف عن هويته "لم يعد لديك بؤرة محركة واحدة للقاعدة بعد مقتل بن لادن. التهديد العام بات اقل بصورة طفيفة.

"بدلا من ذلك هناك المزيد من الفوضى وزيادة في قدرة المتشددين فيما يرجع الى السياسة والازمات الاقليمية".

واضاف باريت ان الاتصال بين الجماعات المنتمية للقاعدة وقيادتها اصبح اقل فاعلية. فالقادة الكبار في باكستان يتابعون الصراعات المحلية بالتفصيل وبالتالي فهم يجدون من الصعب توجيه الاحداث او التأثير عليها.

وقال بيتر نيومان استاذ الدراسات الامنية في ادارة دراسات الحرب بكينجز كوليدج في لندن ان فهم زيادة تنوع الجماعات المتشددة وصراعاتها المحلية بات امرا حيويا لصياغة رد اكثر دقة لمكافحة الارهاب. واضاف "اذا قلت ان كل شيء خلفه (جماعة) القاعدة فسينتهي بك الامر الى رد فعل عنيف ونتائج سلبية. ينبغي لنا تفصيل هذا التهديد".

وادت الردود القوية في السنوات الاولى بعد هجمات 11 سبتمبر/ايلول 2001 الى انقسام الرأي في الغرب. وقال المؤيدون لذلك النهج ان التحرك العسكري في الاراضي الاسلامية واستخدام العدالة العسكرية كان امرا مناسبا. ودفع منتقدون بأنه افاد القاعدة بإعطاها وضعا فائقا كتهديد موحد على ارض الواقع.

واتحدت بعض الجماعات المنتمية للقاعدة مع مجموعات شبه عسكرية تتداخل معها في المصالح الانفصالية او الطائفية او الاقتصادية.

وتشير بعض الخطابات التي وجدتها القوات الاميركية في مخبأ بن لادن في باكستان الى انه قد تكون لديه قبل مقتله بسنوات احساس بأن بعض الجماعات التي تستلهم نهج القاعدة باتت غير قادرة او غير مهتمة على نحو متزايد بضرب "العدو البعيد".

وتظهر الخطابات التي نشر 17 منها في مايو/ايار مدى قلقه من ان الجماعات التي تعمل باسم القاعدة تهدر الطاقة في محاولة اقامة ادارات محلية واغضاب المسلمين المحليين بقتل المدنيين المسلمين.

وابدى اعجابه بالربيع العربي ووصفه بأنه "حدث هائل" وحث المواطنين المحليين على الانضمام اليه لكنه اشار الى ان حلفاء القاعدة مثل القاعدة في جزيرة العرب يجب ان يركزوا على محاربة الولايات المتحدة.

وكتب في شهر مايو/ايار تقريبا عام 2010 في احد الخطابات التي نشرها مركز مكافحة الارهاب وهو وحدة بحث في الاكاديمية العسكرية الاميركية بوست بوينت "لذا ينبغي المواصلة والاستمرار في استنزافه (العدو الاميركي) وارهاقه ليصل الى حالة من الضعف لا تمكنه من اسقاط اي دولة نقيمها".

واضاف ان الاعمال التي لا تسهم في استنزاف امريكا تضعف اكثرها من جهود التنظيم وتبدد طاقته.

ويتوقع محللون انه كان يدور في ذهنه خطر تكرار تجربة القاعدة في العراق حيث ناصبت الجماعات المنتمية للقاعدة العداء اشخاصا محليين بسلسلة من المذابح.

وادى هذا الى تحول الميليشيات القبلية السنية الامر الذي ساعد قوات الاحتلال الاميركي على الانتصار على التمرد.

غير ان وجهة نظر بن لادن تختلف عن وجهة نظر خلفه ايمن الظواهري الذي عادة ما يتبنى وجهة نظر اكثر تساهلا للجماعات المتحالفة مع القاعدة في افريقيا والشرق الاوسط.

وفي حين حث الظواهري هذه الجماعات على ملاحقة امريكا ويطالبها ايضا بالتعاون مع بعضها بعضا في اطار مواصلتها لحملاتها المحلية وهذا ما تفعله احيانا فيما يبدو.

وقال روبرت فاولر وهو مبعوث سابق للامم المتحدة في النيجر كان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي الذي تقوده الجزائر قد احتجزه رهينة 130 يوما عامي 2008 و2009 بعد اطلاق سراحه ان خاطفيه كانوا من اكثر المجموعات الشابة تركيزا على الاهداف من المجموعات التي قابلها على الاطلاق.

وقال متحدثا امام مركز ابحاث تشاثام هاوس البريطاني في 2011 ان خاطفيه ابلغوه انهم يريدون "تحويل الساحل الى صومال شاسع مضطرب يعمه الفوضى".

وقال فاولر الشهر الحالي انه بالنسبة لخاطفيه كان الاعداء المحليين "في اذهانهم بدرجة كبيرة".

وفاولر شاهد على الروابط بين الجماعات المتشددة.

وقال "الجدل بشأن ما اذا كانت بوكو حرام هي بالاساس منظمة انفصالية اقليمية او دولية هو جدل عقيم فيما يبدو. الحقيقة هي ان احد خاطفي كان من كانو في نيجيريا. وكان بالفعل مسؤول التبادل.. لا يوجد شك في إقامة هذه الروابط وان جدول الاعمال اصبح مشتركا اكثر من اي وقت مضى".

وأضاف "عهناك قدر اقل من الوضوح بشان هذه القضية. اعتقد ان من الانصاف ان نقول ان هناك نقاشا بينهم بشأن الطريقة المثلى لفعل ذلك وبأي نسبة وما هو نوع الاولوية".

والصلات مستمرة في التطور. وقال الجنرال كارتر هام الذي يرأس قيادة الجيش الاميركي في افريقيا في يونيو/حزيران ان بوكو حرام والشباب وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الاسلامي يتقاسمون الاموال ويتبادلون المتفجرات فيما قد يمثل زيادة في المخاطر الامنية للقارة.

ومن غير المعروف الى اي مدى تلقى هذه الروابط رعاية من جانب القيادة الاساسية للقاعدة على الحدود الباكستانية الافغانية والتي تقلصت بدرجة كبيرة وما اذا كان جدول الاعمال الذي يشتركون فيه والذي ذكره فاولر يتوسع ليشمل الهجوم داخل حدود الدول الغربية.

وابلغت نيلي لحود الباحثة بمركز مكافحة الارهاب بوست بوينت ان هذه الجماعات "على الاقل من ناحية الشكل" جزء من شبكة القاعدة العالمية لان الظواهري اعترف علنا بتبعية اغلبها للقاعدة.

وقالت "على الرغم من ذلك فمن الصعب تمييز ما اذا كانت توجيهات الظواهري لها اي ثقل لدى الجماعات المنتمية (للقاعدة) او ما اذا كان هو ببساطة يدخل الجماعات الاقليمية في حظيرة القاعدة ليعطي انطباعا بان القاعدة تنمو".

وبالاضافة للظواهري فلا يزال هناك قادة اساسيون بالقاعدة طلقاء مثل القائد العسكري المخضرم سيف العدل وهو مصري والمتشدد عدنان شكري جمعة من جايانا وهو مخطط مؤامرة عام 2009 لتفجير مترو انفاق مدينة نيويورك.

ومع ذلك فليس لاي من هؤلاء الرجال تأثير بن لادن او سلطة ابو يحيى الليبي منظر التنظيم الذي لقي حتفه في هجوم بطائرة دون طيار في باكستان في الرابع من يونيو/حزيران.

وحاول وضع نهج متماسك لفروع التنظيم بشأن ضرورة ان يشن المتشددون هجمات قاسية ضد الولايات المتحدة واسرائيل والانظمة العربية "المارقة".

وقال جاريت براتشمان وهو متخصص اميركي في مكافحة الارهاب "ابو يحيى كان اخر شرطي مرور لايديولوجية القاعدة.. كان الوحيد الذي يمكنه رعاية كل هذه القطط".

واضاف "وبدونه.. بدأنا نرى حركات تمرد ضيقة الافق تركز على الداخل ومتشددين ربما يتبعون اسلوب القاعدة لكن لا يتبعون قواعد الطريق".

وربما يكون اكثر تراث لليبي يحمل تهديدا في اعين الغرب هو مناشدته والظواهري في الشهور الاخيرة للمتشددين الذهاب الى سوريا للانضمام للانتفاضة ضد الرئيس بشار الاسد.

ويبعث تدفق المقاتلين - الذين اكسبتهم مهاجمة القوات الاميركية في العراق قوة - الى سوريا على قلق الدول الغربية. كما تخشى من احتمال ان تقع اسلحة متطورة في ايدي الجماعات المتمردة وبينها القاعدة والتي ربما تهدد المصالح الغربية.

لكن التدفق دفع ايضا بعض المحللين الى اثارة المخاوف من تكرار تجربة القاعدة في العراق.

وقال كميل الطويل وهو مؤرخ للجماعات الاسلامية المسلحة وكاتب بصحيفة الحياة "ارى نفس الشيء يحدث في سوريا". واضاف ان جماعة متشددة غامضة تدعى جبهة النصرة والتي اعلنت مسؤوليتها عن عمليات قتل جماعي تنفر اغلب حركات المعارضة السورية.

وفي حين ان تنظيم القاعدة في جزيرة العرب يبدو ابرع تنظيم فيما يتعلق بالتعامل مع السياسات القبلية فإن لدى متشددين اخرين بالقاعدة مهارات اقل فيما يبدو في الادارة العامة اعتقادا منهم ان الحكم الاسلامي يقوم على ارضاء الله وليس الناس.

وقال باريت "في الوقت الذي قد يثبت فيه فرض النظام عبر بتر الاطراف والقتل انه اكثر فاعلية ضد الجرائم الصغيرة فإنه لا يوفر العمالة والخدمات او التنمية الاقتصادية".

واضاف "حيث تحاول القاعدة استئصال او تجاوز قرون من التقاليد القبلية او المعايير الثقافية الراسخة الاخرى فإنها تواجه نفس تراكم الغضب مثلها مثل اي دخيل اخر".

ويقول ويل مكانتس وهو محلل في معهد سي.إن.إيه البحثي الاميركي الذي لا يهدف للربح ان الارض الوحيدة التي يمكن للقاعدة "فتحها" هي في الدول التي تكون فيها الدولة ضعيفة والسياسات القبلية مسيطرة. وبالتالي فإن جماعات القاعدة تصبح قابلة لتبدل الولاءات القبلية.

وكتب في مجلة فورين بوليسي "رفض القاعدة للتخلي عن حربها على العالم يعني انه لا يمكنها توفير امن دائم... وهي حقيقة ستغضب بمرور الوقت حلفاءها المحليين".

وكتب جوشوا فوست وهو زميل بمركز ابحاث امريكان سيكيورتي بروجت بمجلة اتلانتيك ان العدد المتزايد للجماعات الاسلامية النشطة الان "يربك المحاولات السهلة في التصنيف" ويخلط عناصر جماعات التمرد والحركات الارهابية والمخاوف المحلية.

واضاف ان هذه الجماعات التابعة تمثل تهديدا خطيرا في الاقاليم لانها لا تشكل نفس التهديد الذي كانت تشكله القاعدة في وقت من الاوقات. ويستلزم الامر طريقة تفكير جديدة بشان كيفية محاربتها.

ومن الدلائل على ضعف القيادة هو اعتمادها على الذئاب الشاردة او المتعاطفين في الغرب الذين يفتقرون الى الكفاءة في الغالب. ويسعى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب الى تصوير العناصر المنفردة كمصدر قوة دافعا بأن هجماتهم "الانفرادية" بغض النظر عن محدودية حجمها الا انها فعالة لانها تخيف الغرب.

لكنه قال انه القاعدة تفضل تجنيد وادارة قواعد في الدول الغربية بدلا من الاعتماد على الذئاب الشاردة اذا كانت تستطيع ذلك فقط. واضاف "مستقلبها قاتم".