مصر الطريق الثالث

بقلم: سهام فوزي

على الرغم من أن الإنتخابات الرئاسية المصرية قد حسمت لصالح مرشح تيار الإسلام السياسي الدكتور محمد مرسي، إلا أن تبعاتها لازلت حاضرة في المجتمع المصري.

أهم هذه التبعات كانت الوضع الذي وجد كثير من المصريين أنفسهم فيه، أن يختاروا أحد المرشحين لأنهم يكرهون ويعارضون المرشح الآخر، لم يختار الكثيرون عن اقتناع ولكن خوفا من ما يمثله الآخر، من يخافون النظام القديم وهيمنة العسكريين على الجيش اختاروا مرشح الإسلام السياسي واعتبروا أن هذا قد يعتبر انتصارا للثورة وما جسدته من مبادئ، ومن يخاف من التيار الإسلامي ويخشى هيمنته على الدولة المصرية اختار الفريق أحمد شفيق، وأكاد أزعم أن الغالبية لم تكن مقتنعة باختيارها ولكنه كان أضعف الإيمان.

هذه المعضلة ولدت الرغبة في وجود اختيار ثالث يكون مقنعا لدى الجميع، خيار يستطيع أن يجمع ملايين من المصريين الذين صوتوا مجبرين لهذا أو لذاك، أو قاطعوا أو أبطلوا أصواتهم نظرا لرؤيتهم أنه لا يجب مناصرة أحد الشخصيتين على حساب الآخر، هذا الخيار هو ما يمكن أن يطلق عليه الطريق الثالث ولا أعني به فقط ذاك التيار السياسي الوليد اليوم على أرض مصر، فهذا التيار وان كان يحمل في مضمونه أنه بديل عن كلا الاختيار السابقين إلا أن ملامحه وعضويته وأهدافه وتمويله لازالت غير معروفة تماما.

الطريق الثالث الذي أقصده هنا، هو ذاك التيار الجامع المانع لكل المصريين، جامع أي لا يقوم على فئة واحدة أو فصيل واحد بل نرى فيه الإسلامي إلى جانب العلماني، واليساري والشيوعي والإشتراكي إلى جانب العلماني، المرأة إلى جانب الرجل، ومانع لكل من يشكلون خطرا على ثورة مصر أو لا يؤمنون بالآخر ويسعون للسيطرة السياسية من أجل الوصول إلى أهداف معينة، هذا التيار سيجمع كل المؤمنين بالدولة المدنية القائمة على المواطنة المتساوية، المسيحي يساوي المسلم في الحقوق والواجبات، والمرأة تساوي الرجل في كل الحقوق والواجبات لا فرق بين مواطن وآخر في الفرص والمناصب إلا وفقا لمعيار الكفاءة والخبرة والتميز العلمي والعملي، هو تيار يقوم على أساس الثقافة الديمقراطية والقبول بالآخر والتسامح وبالتالي على ديمقراطية حقيقية ترى أن القانون هو السيد والقانون مشتق من دستور مدني خالٍ قدر الإمكان من عوامل التمييز واللامساواة، خالٍ من المواد التي تقييد الحريات والحقوق، خالٍ من عيوب الصياغة التي تمكن أي سلطة حاكمة من تفسير مواده بالطريقة التي تتفق مع رغباتها وأهدافها هذا التيار هو تيار الأمة المصرية القائمة على التنوع والتعدد، تيار يعرف القائمون عليه أن مصر لا تعني القاهرة والإسكندرية والمدن الكبرى فقط لا مصر تعني مساحة واسعة ظلمت كثير من أجزائها لفترات طويلة وأهملت من قبل النظام السابق ومثقفي وسياسي مصر، تيار قادر على الوصول للبسطاء في امكانهم والاستماع لمشاكلهم وهمومهم وأحلامهم ومحاولة حلها دون تعالى من القائمين عليه على هؤلاء البسطاء أو تجاهل أحلامهم ونسيانهم إلى أن يأتي موسم الانتخابات فيتذكرونهم ومن ثم ينسونهم بعد انتهاء المهمة.

الطريق الثالث هو الطريق المؤمن بأن قوة المجتمع المدني ومؤسساته هو قوة لمصر، فيسعي ضمن مشروع بناء الدولة المصرية إلى تقوية أركان هذا المجتمع وجعله أداة معبرة عن المصريين بكل اختلافاتهم وأحلامهم، وأن يجعله أداه فعاله تراقب وتحاسب وتصحح الخلل في العملية السياسية المصرية، الطريق الثالث سينظر إلى منظمات المجتمع المدني على أنها شريك لا تابع في عملية ادارة الدولة المصرية يوكل لها تنظيم وترتيب ارجاء البيت المصري واعادة بناء اسسه بطريقة علمية لا لبس فيها.

الطريق الثالث هو ذاك الطريق القائم على العلم والثقافة وحب مصر واعلاء مصلحتها على أي مصالح فردية، أو ارتباطات خارجية أو انتظار لمناصب أو مكاسب بل يجب على القائمين والمؤسسين لهذا التيار أن يعلنوا صراحه أنهم لا يسعون على الأقل خلال مدة 5 سنوات أو أكثر للحصول على أي مناصب سياسية أو اي مناصب أخرى تأتي لهم كونهم أعضاء مؤسسين في هذا التيار

الطريق الثالث هو ذاك الطريق الذي سيولد من أعماق ريف وصعيد مصر ويساعد في تطويرهم وتخليصهم من الجهل والفقر الذي يدفع المواطن في هذه الأماكن لبيع صوته مقابل كيس سكر أو زجاجة زيت، أو من أجل خوفه من بعض الفتاوى الدينية التي تستغل جهله وتنذره بأنه أن لم يختر مرشحا بعينه فسيدخل إلى النار، وسيعاقبه الله على اختياره.

هذا هو الطريق المتاح أمام مصر كي تنهض من كبوتها وتتقدم وبغير مثل هذا التيار سنبقى نلف وندور في ذات الدائرة.

سهام فوزي