حتى وإن كانت الجزيرة

بقلم: د. إبراهيم أبراش

أثار فتح فضائية الجزيرة مجددا ملف وفاة الزعيم ياسر عرفات ردود فعل وإن كانت في غالبيتها مرحبة إلا أن شكوكا مبطنة انتابت كثيرين حول توقيت فتح الملف وأهدافه وما إن كانت قيادات في المنظمة والسلطة هي المستهدفة؟ أم إسرائيل؟ أم هدف الجزيرة الوصول للحقيقة ولا شيء غير الحقيقة؟ الجزيرة ليست فضائية خاصة ربحية أو فضائية هواة، فهي لا تفتح ملفا أو تثير قضية سياسية لمجرد الإثارة فقط أو لملئ ساعات البث كما هو الأمر بالنسبة لكثير من الفضائيات، بل يكون وراء الأكمة ما وراءها.

دون الغوص كثيرا في الملفات التي تفتحها وتثيرها الجزيرة، فإن تعاملها مع هذه الملفات لا يندرج في إطار نقل خبر أو السبق الصحفي، بل يتعدى ذلك لأبعاد إستراتيجية تترتب على إثارتها تداعيات سياسية وعسكرية خطيرة، فالجزيرة ومن خلال كثافة تغطيتها للأحداث وتوجيه الأمور للجهة التي تريدها، تصنع الأحداث أكثر مما تغطيها.

حتى وإن كان فتح ملف وفاة أبو عمار جاء من طرف الجزيرة فهو أمر مهم وتُشكر عليه الجزيرة، لأن أبو عمار لم يكن شخصا عاديا حتى تُقيد قضية وفاته ضد مجهول وينتهي الأمر، لقد كان أبو عمار قائدا ثوريا ورئيسا فلسطينيا منتخبا وزعيما عالميا، وإن كانت وفاة أبو عمار وبالشكل الذي تمت به والظروف المصاحبة لها تشكل إهانة لكل فلسطيني ولكل حر في العالم، فإن إغلاق ملف وفاته أو عدم متابعة الملف فلسطينيا شكل إهانة أكبر، بل إدانة لحركة فتح ولمنظمة التحرير وللسلطة ولرئيس لجنة التحقيق الفلسطينية التي تم تشكيلها. الترحيب المندفع والمرتبك لرجالات السلطة ورئيس لجنة التحقيق توفيق الطيراوي بفتح الملف مجددا لا يعفيهم من مسؤولية تجاهل الملف لسنوات.

بغض النظر عن مرامي وأهداف الجزيرة من وراء فتح الملف مجددا فإننا كفلسطينيين نريد معرفة الحقيقة، ليس حقيقة إن كانت إسرائيل تقف وراء مقتله أم لا، فغالبية الفلسطينيين يعتقدون أن إسرائيل مَن فعلها باعتبارها المستفيد الأول من غيابه، ولكن نريد ما يؤكد مسؤولية إسرائيل وإدانتها دوليا، ومعرفة كيف تمت الجريمة والأيادي المساعدة في تنفيذها ولماذا أغلق الملف بسرعة؟.

فتح الجزيرة للملف لا يعني أن الحقيقة ستظهر خلال أشهر بل قد تمر سنوات لمعرفة حقيقة ما جرى، هذا إن تم كشف كل ملابسات القضية. ونعتقد أن صعوبة القضية تعود للأسباب التالية:

أولا: الموضوع سياسي طبي جنائي وله أبعاد سياسية فلسطينية وإقليمية ودولية، وبالتالي لا يكفي تشكيل لجنة طبية فقط أو لجنة تحقيق جنائية بل يحتاج الأمر للجنة تحقيق دولية متكاملة التخصصات، يوازيها لجنة تحقيق عربية، ولجنة تحقيق فلسطينية، كما يحتاج الأمر لتعاون عدة أطراف عربية ودولية.وهنا علينا التساؤل عن كيفية تشكيل هذه اللجان ومرجعيتها. وهنا نُذكر أن لجنة التحقيق المكلفة بمقتل الحريري شُكلت بقرار من مجلس الأمن، فهل ستسمح واشنطن بصدور قرار من مجلس الأمن للتحقيق في ملابسات وفاة أبو عمار؟

ثانيا: طبيعة الوسيلة التي مات بها الرئيس، فليس بالأمر الهين تأكيد سبب الوفاة بعد هذه السنوات، والأمر هنا يختلف عن قتل الحريري ففي الحالة الأخيرة كانت وسيلة القتل معروفة وكان المطلوب البحث عن الجناة فقط، ومع ذلك استمرت لجنة التحقيق الدولية لسنوات وما زالت لم تُصدر حكمها النهائي.في حالة أبو عمار فالحديث يدور عن مادة مشعة تفقد مع مرور السنين قوتها الإشعاعية، وحتى وإن وجدت مادة البولونيوم في رفات أبو عمار فستكون بنسب بسيطة.

ثالثا: حتى وإن تم التأكد أن أبو عمار مات بمادة البولونيوم المُشعة، فكيف يمكن التأكد بأن إسرائيل هي المسئولة عن ذلك؟ وإن اعترفت إسرائيل بأنها مسئولة فهل يمكن محاكمتها دوليا؟ ومن الذي سيُحَاكم؟ شارون وحكومته آنذاك؟ أم الحكومة الحالية؟

رابعا: قبل الوصول لإدانة إسرائيل ستتم إثارة كيفية وصول المادة المشعة للرئيس، وهذا الأمر سيفتح ملف الخلافات السياسية الفلسطينية الداخلية قُبيل وفاة أبو عمار، ومَن هي الجهات أو الشخصيات التي كانت راغبة في تغييب أبو عمار سياسيا أو طامعة في الحلول محله؟ ونعتقد أن كثيرا من المسئولين الفلسطينيين يمكن إدراجهم في الدرجة الثانية بعد إسرائيل ضمن المستفيدين من وفاة أبو عمار.لقد جرت محاولات لاغتيال أبو عمار سياسيا من أطراف فلسطينية قبل أن تُقدم إسرائيل على تصفيته جسديا، بل يمكن القول إن الأصوات الفلسطينية التي كانت تطالب بتصفية أبو عمار سياسيا شجعت إسرائيل على تصفيته جسديا، وسهلت مرور جريمة الاغتيال بدون كثير ضجيج.

خامسا: لا نعتقد أن المعلومة التي قال بها الطاقم الطبي الذي وظفته الجزيرة- ونقصد وجود مادة مشعة- كانت غائبة عن الأطباء الفرنسيين وغيرهم الذين عالجوا الرئيس في أيامه الأخيرة، فمن السذاجة الاعتقاد أن الأطباء لم يحللوا عينات من شعر الرئيس أو دمه، وفي ظني أنهم عرفوا سبب الوفاة ولكن ضغوطا سياسية دفعتهم إلى عدم الإعلان عن النتيجة.

سادسا: نعتقد أن أطرافا في السلطة وفي فرنسا وواشنطن ومصر والأردن وتونس كانت تعرف أن أبو عمار مات قتلا وأن إسرائيل تقف وراء قتله، ولكنها تكتمت على الموضوع لأن السؤال الذي طُرح آنذاك:ماذا يمكن للسلطة أن تعمل إن تم الإعلان عن مسؤولية إسرائيل عن مقتل أبو عمار؟ وماذا سيكون مصير السلطة والمفاوضات ومجمل عملية التسوية؟ وكيف ستكون ردود الفعل الدولية على ذلك وخصوصا مصر والأردن الموقعتان على اتفاقية سلام مع إسرائيل؟

سابعا: إن كان سبب إخفاء الحقيقة حول مقتل أبو عمار آنذاك يعود للحرص على مصير السلطة والمفاوضات وعملية التسوية، فهل وصول المفاوضات والتسوية والسلطة لطريق مسدود يعتبر دافعا وجيها لإعادة فتح الملف مجددا؟. وخصوصا أن غالبية قادة الدول الذين تواطؤا على إخفاء الحقيقة لم يعودا على رأس عملهم – جاك شيراك، بوش، مبارك، زين العابدين بن علي، شارون.

ثامنا: في ظني أن فتح الملف مجددا وإن كان سيستغرق سنوات حتى يتم تأكيد أن سبب الوفاة هي مادة البولونيوم وأن هناك علاقة لإسرائيل بالعملية، فإن شظايا الملف والاتهامات ستنال كل من كان على خلاف سياسي مع أبو عمار وخصوصا مسئولين كبار في السلطة، وهذا الأمر هو ما سيعطي للموضوع أهميته وخطورته وليس تحميل إسرائيل مسؤولية الجريمة. ومن الممكن أن فتح الملف يدخل في سياق إطلاق رصاصة الرحمة على السلطة؟

د. إبراهيم أبراش

Ibrahemibrach1@gmail.com