ليبيا... دوامة الثارات وفوضى الميليشيات

بقلم: عبدالأمير المجر

قبل ايام قتل جمعة الجاوزي، المسؤول الليبي الذي استدعى اللواء عبدالفتاح يونس، الوزير المنشق عن نظام القذافي، أبان "الثورة" للتحقيق معه، وهو ما اعتبرته عشيرة يونس اغتيالا مدبرا، يستدعي القصاص، وهذا ما حصل!

الخبر لا يمكن قراءته بشكل عابر، لانه جاء في إطار الفوضى التي تعصف بالبلاد منذ سقوط القذافي، وسيطرة الميليشيات المتطرفة على مفاصل الدولة، التي غدت أشبه بالاقطاعيات المتنازعة. وهذا يدعونا إلى سؤال يطرحه واقع الحال، إذ ان القوى الدولية التي اتفقت على اسقاط النظام، واصدرت القرارات التي مهدت لتدخل عسكري مباشر، دمر البنية التحتية وفككت الدولة، لم تضع خطة لما بعد النظام، وكأن هدفها كان إنهاء الدولة وليس اسقاط النظام. وهذا ما يتجلى امامنا اليوم، مثلما تجلى لنا من قبل، كعراقيين، عندما وجدنا انفسنا امام فوضى عارمة بعد الاحتلال الذي كان هدفه تفكيك الدولة وتدميرها، على أمل اعادتها وفق ما يريد، أي مجزأة ومكبلة بقوانين تجعل أي حكومة قادمة غير قادرة على اعادة بنائها، وهو ما اصبحنا نتخبط به منذ نحو عقد من الزمن، الذي نزفنا فيه انهارا من الدم وضياع الثروات.

الشيء الذي يثير الاستغراب، هو ان الغرب واميركا، اخذوا يرفعون شعار الديمقراطية، كعنوان للتغيير، الذي يعملون عليه في المنطقة، لكننا وجدنا انفسنا امام كارثة كبرى ستترك آثارا طويلة الامد على مستقبل الشعوب وبنيتها الاجتماعية، بينما لا يلوح بالافق شيء من الديمقراطية المزعومة، بل المزيد من تكبيل الحريات والفوضى والاقتتال الداخلي الذي يمزق الدولة والشعب معا. لاشك ان هناك انقساما بين الاوساط الشعبية والنخب، بشأن ما يجري للمنطقة أو ما يطلق عليه بـ"الربيع العربي" الذي بات كابوسا يؤرق كل الشعوب ويقلقها على مستقبلها، لاسيما ان محركات الاحداث وحيثياتها ومخرجاتها كلها بأيدي قوى خفية، يبدو ان لها مشروعا كبيرا لإعادة خارطة المنطقة وتقسيمها وفق ما تريد، وان الديمقراطية والحرية، ممكنة التحقق بالاصلاحات التي تحفظ للدول وحدتها وعدم تشظي شعوبها، ولا تحتاج الى هذا الخراب الشامل الذي يحصل اليوم، ما يعني اننا امام لعبة خطيرة يبدو ان البعض انجر لها تحت ضغط الإعلام الذي اخذ يعيد صياغة الرأي العام وفق ما يريد الواقفون خلفه، أو الجهات الدولية المستفيدة من كل هذا.

بعد اكمال احتلال العراق، اجرت احدى الصحف العربية لقاءا مطولا مع غسان سلامة، وزير الثقافة اللبناني السابق والمحلل السياسي المعروف، قال فيه، ان اميركا من الممكن ان تترك العراق للفوضى، اذا ما اطمأنت على مصالحها فيه، وهو قول يقترب من الدقة إذا ما استعرضنا المرحلة القاسية التي مرت علينا، لكننا نضيف إلى هذا الطرح ما نعتقده يصلح كإضافة، إذ ان من مصلحة اميركا جعل العراق دولة مفككة، ولعلها نجحت في ذلك إلى حد كبير، وما الازمات المتتالية التي تشهدها العملية السياسية العليلة، إلا نتيجة للزرع الخبيث الذي زرعته اميركا في العراق، وها نحن نجني الثمار المرة، مثلما تجني ليبيا الثمار نفسها، بعد ان تركها الغرب تتخبط في الفوضى بعد ان وضع يده على ثرواتها النفطية وغيرها، لان اسباب التغيير ليس اقامة ديمقراطية على انقاض نظام القذافي الذي ادخل ليبيا في متاهة نزاعات وخلافات مع القوى الكبرى، لاطائل من ورائها ولا ضرورة لها، ويبدو ان الذي حصل هو انتقام من القذافي الذي لم نأسف على رحيله، لكننا نتألم لما يحصل لليبيا، التي باتت تواجه المجهول واحتمال التقسيم، بعد ان اصبح الحديث عن الديمقراطية في هذا البلد المحكوم من قبل المتطرفين، ابعد من عودة القذافي من قبره الذي لا يعلم مكانه الليبيين انفسهم!

ان الاغتيالات والتصفيات والنزاعات العشائرية التي انفلتت من عقالها بعد غياب الدولة، ربما تكون ضمن اهداف الحملة على ليبيا التي يجب ان تبقى تزحف على بطنها للأبد، ولا بأس في ذلك مادام الغرب المتحضر وضع يده على كل شيء، وليذهب الشعب الى أتون الفوضى لانها كفيلة بأن تبقي ليبيا تزحف ولن تنهض ابداً.

يا أسفنا على أمة باتت نهبا للاقوياء، بعد ان فرط بها حكام لم يتحسبوا لزمن أسود كهذا!!

عبدالأمير المجر