النخب السياسية المصرية وخطيئة نشر خطاب العداء للأجانب

بقلم: علاء بيومي

لا توجد كلمات كافية للتعبير عن حجم الخطأ الذي ترتكبه النخب السياسية المصرية في حق مصر والمصريين بسبب استخدامها المؤسف والمكثف وغير المسئول في الفترة الأخيرة لخطاب العداء للأجانب في صراعاتها السياسية الداخلية.

ولا يخفي على أحد أن مظاهر استخدام العداء للأجانب كأداة سياسية باتت منتشرة في الآونة الأخيرة بدعم من أعلى مستويات السلطة السياسية في مصر وصولا إلى مختلف قوى المعارضة.

فالمجلس العسكري تحدث بما فيه الكفاية عن الطرف الثالث والأيادي الخارجية وشباب الثوار الذين تلقوا تدريبات في الخارج، وقام بإغلاق عدد من أهم المنظمات الأجنبية العاملة في مصر وسط حملة تشويه إعلامي وجماهيري وتأليب على الخارج واسعة ومؤسفة.

ورئيس الوزراء المصري الحالي الدكتور كمال الجنزوري اشتكى أمام البرلمان وعلى الهواء مباشرة من القوى الخارجية التي تريد "تركيع" مصر وتمنع عن اقتصادها المساعدات كعقاب للمصرين على القيام بثورتهم.

والسيد أحمد شفيق المرشح الرئاسي المحسوب على النظام القديم - بحكم أنه أخر رئيس وزراء في عهد مبارك - تحدث بقوة في خطاباته الانتخابية عن رغبة الإخوان المسلمين إذا فاز مرشحهم بالرئاسة المصرية – محمد مرسي - في تحويل القدس عاصمة لمصر وفي بيع قناة السويس لقطر.

ولم يقتصر خطاب العداء للأجانب على القوى المحسوبة على النظام القديم ولكنه للأسف امتد أيضا للقوى المحسوبة على التيار الوطني والثوري.

فأعضاء البرلمان من التيار الديني والذين عانوا لعقود ومازالوا يعانون من الاضطهاد ومن الصور النمطية صفقوا للنائب مصطفى بكري عندما هاجم منذ شهور تحت قبة البرلمان الدكتور محمد البرادعي ومواقفه من الخارج ومواقف الخارج من مصر، وانساقوا وراء خطاب التخويف من الخارج المنتشر بشكل مؤسف ومخيب للآمال في وسائلهم الإعلامية وخطابهم الجماهيري.

أما شباب الثوار فقد قادوا منذ أسابيع حملة صاخبة وغاضبة ضد السعودية وسفارتها في القاهرة على هامش أزمة احتجاز محامي مصري في المملكة، ولم يعرف القادة الشباب أين يتوقفون في خطابهم السياسي وكيف ينتقدون الدول الأجنبية وكيف يعبرون بشكل مشروع ومناسب عن مخاوفهم القديمة والحديثة دون الوقوع في خطأ الإساءة للآخرين.

وتحولت قضية المحامي الشاب إلى أزمة سياسية بين مصر والسعودية انتهت باعتذار النخب السياسية المصرية القديمة والحديثة لنظيرتها السعودية.

انتشار خطاب العداء للخارج والأجانب بهذا الشكل يجعلنا نتساءل عن السبب في ضياع خطاب الثورة المصرية في أسابيعها الأولى! والذي كان شديد الانفتاح على العالم وحاز على إشادة مختلف القوى الدولية!

وكيف عاد المصريون مرة أخرى وبهذه السرعة لفخ العداء للأجانب والذي يذكرنا بحوادث العداء المؤسفة بين المصريين وشعوب شقيقة بسبب مباريات كرة القدم في عهد الرئيس المخلوع!

كما يدفعنا أيضا للتساؤل حول جدوى هذا الخطاب في المرحلة السياسية الراهنة فهو يضر بالمصريين على مستويات ولأسباب مختلفة!

فعلى المستوى الأخلاقي يمثل خطاب العداء للأجانب وصمة عار في جبين مصر والمصريين، فهذا الخطاب لا يمت للثقافة المصرية والإسلامية والمسيحية والإنسانية المتسامحة بأي صلة، وهو لا يوجد إلا في الأوساط اليمينية المتطرفة التي تتجنب البحث عن مشاكلها بشكل جدي وتفضل في المقابل البحث عن عدو خارجي تلقي باللوم عليه.

ولا يخفى على أحد انتشار بعض مفاهيم العنصرية والاستعلاء والتخوين والتخويف في الخطاب السياسي المصري الراهن، فهناك الخوف من الإسلاميين والليبراليين والعلمانيين واليساريين والفوضويين والإخوان والسلفيين، وكأن خطاب الخوف والفئات التي يجب أن يخاف منها المصريون لا ينتهي.

وبالطبع الأقليات والنساء والأطفال والمهاجرين والأجانب هم الفئات الأضعف، لأنه لا يوجد من يدافع عنهم بقوة في الداخل المصري، وعندما ينتشر خطاب العداء للأجانب في أوساط النخبة السياسية القائدة ببلد ما فعلى الجميع أن يعلموا أن هذه النخبة تقود البلاد في الطريق الخطأ، وأن البلاد مقبلة على ظروف سياسية وأخلاقية صعبة وربما كارثية، فالتخوين والخوف عندما يشتعلان سرعان ما يتحولان إلى نار تأكل الكثيرين قبل أن تعود لتأكل صاحبها.

ويشار هنا إلى أن خطاب النخب السياسية المؤسف بدأ يمتد إلى مساحات عامة أخرى حتى ظهرت مؤخرا فضيحة الإعلانات الأخيرة والتي تحذر المصريين من الحديث للأجانب خوفا من أن يكونوا جواسيس واهتمت بها وسائل إعلام مصرية وأجنبية.

ثانيا: على مستوى المصالح خطاب العداء للأجانب وانتشاره بهذه الدرجة يضر بمصالح مصر والمصريين في هذه المرحلة الحرجة بشكل كبير وواضح للجميع يصعب تبريره.

فالعالم كله وجميع المصريين يدركون رغبة مصر في عودة الاستثمارات الدولية والسياحة والدعم الأجنبي لاقتصادها وهي أموال سوف تأتي من دول عربية صاحبة فائض مالي مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت، وقد تأتي أيضا من بعض الدول الأجنبية كأوروبا والولايات المتحدة.

وهذا يثير السؤال حول ماذا كانت بعض النخب السياسية المصرية تعاني من الانفصام أو على الأقل من ضعف القدرة على القيادة ومن عدم الشعور بالمسئولية!؟ فلماذا تقبل بعض النخب على مهاجمة الدول السابقة وغيرها والتخويف منها في حين أنها تحتاجها لدعم اقتصادها!؟

وهذا ليس إذلالا لأحد أو إخضاعا للمصريين لمصلحة الأجانب، ولكنه تعامل جاد ومسئول مع الواقع الذي نعيشه والتحديات التي نواجها والمسئوليات التي ينبغي علينا حملها.

وإذا كان لدى المصريين مظالم يعانون منها في علاقتهم مع دول أجنبية فيجب مخاطبتها في أقرب فرصة بالطرق المناسبة، ولا نعتقد أن استخدام خطاب العداء للأجانب في الحملات السياسية للمرشحين هو الأسلوب الأمثل للحفاظ على مصالح المصريين أو علاج مشاكلهم.

بل نحسبه – في المقابل - تعبيرا عن حالة من المراهقة وعدم المسئولية وضعف القدرة على القيادة السياسية، وربما إعدادا لفترة انغلاق سياسي وثقافي على الذات تضر بشدة بمصالح المصريين كافة وخاصة الفئات المعارضة منهم.

ويبدو للأسف أن النظم السلطوية في بلادنا تعيش على زرع الخوف في قلوب مواطنيها ضد جهات عديدة، فهي تعلمهم الخوف من الحاكم ومن الخارج ومن بعضهم البعض، ويبدو أيضا أن الخوف مازال منتشرا في قلوب المصريين، وأن بعض القوى السياسية تلعب بشكل لا مسئول أخلاقيا وسياسيا على أوتار الخوف داخل نفوس المصريين حتى باتت أساليبهم مفضوحة وسيئة الرائحة والسمعة أمام أعين العالم أجمع.

ولهذا أعتقد أنه يجب على النخب السياسية الوطنية والثورية في مصر أن تنتبه لخطورة هذه الظاهرة المفجعة وأن تدينها تحت قبة برلمان مصر المنتخب وبشكل رسمي ومن قبل أحزابها وقياداتها الوطنية الرئيسية، وأن تبادر بالبحث العلمي والجاد في جذور تلك الظاهرة السياسية والثقافية وكيفية علاجها والشفاء منها.

وأن تنظيم أيضا أنشطة جماهيرية توعي الشعب بخطورة هذه الظاهرة، وأهمية الحفاظ على علاقات إيجابية بمختلف شعوب العالم انطلاقا من قيم المصريين ومبادئهم قبل مصالحهم، والله أعلم.

علاء بيومي