المقاومة شيءٌ، والعنترياتُ شيءٌ

بقلم: عبدالدائم السلامي

إذا نظرنا إلى المقاومة المسلّحة في لبنان من خارج دائرتها اللبنانية وما يحكمها من تشعُّبٍ سياسيٍّ داخليّ واشتراطاتٍ مذهبيّةٍ خارجيّة، ألفيناها علامةً مضيئةً في تاريخنا العربي الحديث من جهة ما حقّقت للمواطن من انتظاراتٍ ظلّ بلوغُها من قبيل المحالِ بالنسبة إليه.

إذْ هي رفعت عن الشعوب بعضَ الغُبْنِ العسكريّ في صراعها المباشر أو الضمني مع الكيان الصهيونيّ وكذّبت القول السائد بأنه كيانٌ لا يُغلبُ، كما خفّفت من ثقل الهزائم العربية معه منذ نكبة 48 بانتصار حرب تمّوز 2006. وهو أمرٌ جعلها تجد في الشارع العربيّ تعاطفاً شعبياً وإعلامياً كبيريْن بَلَغَا بها مبلغ التقديس.

ولكنّ جلالَ المقاومة لا يجب أن يمنعنا من النّظر إليها نظرة جديدة تفرضها مجرياتُ الأحداث العربية الراهنة، وذلك عبر الفصل بين حالِها كآلية تفرضها طبيعةُ الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وحالِها كخطاب سياسيّ إشهاري يحتاج دوماً إلى تعديل، وهو نظرٌ لن يتغيَّا أبدًا المساسَ من شرِفِ مفهومِها كعقيدةٍ عسكرية مُدافعةٍ عن الأرضِ.

فاستناداً إلى شروط اللحظة التاريخية التي تمرّ بها شعوبنا العربية، نميل إلى القول بأنّ ملامحَ هذه الاخيرة، في خضمّ تعاطيها مع ربيعها الثوريّ، تَشي بكونها منصرفة الآن، بجميع قواها المادية والرمزيّة، إلى إنجاز ثوراتها على أنظمتها الفاسدة، وهو أمر قد يتطلّب منها جهودَ جيلٍ كامل حتى تستوي لها خارطتُها السياسية المنشودة وتتحقّق لها مطالبُها الثورية وتختفي الفوضى من شوارعها.

وخلال هذه الفترة، لا نظنّ جهة سياسية مّا تستطيع أن تجمع بين ثورة الداخل وثورة الخارج عبر فعل المقاومة المسلّحة إلاّ في حال ابتدأ الكيان الصهيونيّ بعدوانه، وسيكون من الغباء أن تُقدِمَ إسرائيل على فعل عسكريّ في ظروف سياسية عالمية هشّة تسعى خلالها القوى العظمى، في ظلّ حدّة الأزمة المالية، إلى استرجاع أنفاسها الداخلية.

وبالنظر إلى ارتباطِ "آلية" المقاومة بالشأن الإيرانيّ من جهة، وسعيِ أميركا ومعها إسرائيل إلى ضربِ نظام طهران من جهة ثانية، فإنّ منطِقَ الحروب يجعلنا نزعم أنّ هكذا ضربةً عسكريّةً لن تحدثَ إلاّ بعد أن تتمّ تهيئة الأرضيّة الجيوسياسية المناسبة لها، وهو ما قد يستغرق الوقت الذي تصفو فيه أحوال دول الجوار الإيراني من بلدان الربيع العربي، ويتنامى خلالَه فعلُ خلخلة النظام الإيرانيّ من الداخل عبر حشدِ معارضيه.

ومن ثمة فإنّ أميركا لن تسمحَ بتوفير الظرفَ المناسب "لحزب الله" ومن ورائه المقاومة اللبنانية لخوض معركة مّا إلاّ بعد ابتداء المواجهة مع إيران، وهي مواجهة لن تكون فيها المقاومةُ اللبنانية إلاّ عاملاً بسيطًا غير ذي فاعلية.

وبناءً على هذا، قد تُضطرُّ "المقاومة" من جهة كونها إنجازًا عسكريًّا على الأرضِ، إلى الدخول في فترة نقاهة، وقد تركُنُ إلى الراحة، ويُصيبُها منها سأمُ الفراغِ، وقد تخسرُ بذلك وَهَجَها الشعبيّ.

هذا، إلى جانب ما قد تُدفعُ إليه من صراع داخليّ بدأت علاماتُه تظهر مع اندلاع الأحداث في سوريا، وهو صراع، إذا ما تمّ، قد يَضطرُّها إلى تصويب أسلحتها إلى الدّاخل اللبنانيّ، وهو ما سيُفقِدُها "قداستَها" محليا وعربيا، ويُفقِدُ سلاحَها شرعية التواجد في لبنان.

وبالعودة إلى المقاومة في مفهومها السياسيّ، يجوز لنا القول بأنّ خطابَها الذي مجّده الإعلام العربيّ، قد بدأ يفقد بريقَه هذه الأيام، خاصة ما كان منها متّصِلاً بالشأن السوريّ، إذْ لم تعد طَلّةُ زعيمها "الإعلامية" تشدُّ إليها الناسَ كما كانت من قبلُ حين كانت خُطَبُ الرجل، منذ تولّيه قيادة حزب الله منذ عام 1992، تمثّل مناسباتٍ لتقديم مشاريعَ وخُطَطٍ للصراعِ العربيّ الإسرائيليّ، يهتف لسماعها المواطن العربيّ من المحيط إلى الخليج، بل ويخرج في مظاهرات عارمة لدعم المقاومةِ و"سيِّدِها" خاصة بعد انتصار تموز 2006.

وهو أمرٌ زاد من منسوبِ زعامة نصر الله عربياً، وجعل الناس يتغاضَوْنَ عمّا في تلك الخطاباتِ من تأكيدٍ منه، مُعلَنٍ وخفيٍّ معاً، على اندراجه في مشروع إيران السياسيِّ، وتغليبِه التشيُّعَ على المواطنةِ ومصلحةَ نظام الملالي على مشروعِ التحرُّر العربيِّ وإن كان يُملِّحُ خطاباته باسمِ فلسطين.

فهل يعود ما بدا من ضمور حضور حسن نصر الله الإعلاميّ إلى سوء تقديرٍ منه لمجريات الواقع العربيّ؟ وما الذي يتوجّب على الخطاب المُقاوم لحزب الله أن يجريه من تعديلات ذاتية حتى يحافظ على تناسقه مع سياقه السياسيّ العربي والدوليّ الراهن؟

لا شكّ في أنّ أسباباً عديدة تقف وراء ضمور صورة زعيم المقاومة اللبنانية سنكتفي منها بما يلي:

* انهماك الإعلام العربيّ بمجريات الثورات المحلية ما جعله يتخلّى عن امتداح السيد نصر الله بعد أن كان قد ساهم كثيرا في تضخيم صورته لأسباب عديدة كانت لها وجاهتُها السياسية في فترة ما قبل مجيء الربيع العربيّ، وهو تضخيم احتاجه واقع الصراع العربيّ الإسرائيلي آنذاك، وغذّاه أمران: نزوع الناس إلى النصر حتى وإن كان موهومًا، واستحلاء زعيم المقاومة للتضخّم الذاتيّ وطلب الاستزادة منه.

ولكن التجارب السياسية للدول والاحزاب تكشف عن أنّ عدم وعي بعضها بتضخّم أحجامها المادية والمعنويّة قد قادها إلى التهلكة والاندحار، على غرار ما شهده نظام الرئيس العراقي صدام حسين خلال الغزو الاميركي.

* ما يبدو من عدم وعي السيد نصر الله بقيمة ما يحدث من تغييرات في الجغرافيا السياسية العربية، وعدم قدرته على الاقتناع بانّ الشعوب اختارت تغيير نمط أنظمتها وسياساتها سواء أكان الأمر بدوافع ذاتية أوم بتحريض خارجي.

* التغاضي عن الإقرار بأنّ أحداث سوريا ستدفع إلى تغيير خارطة الولاءات الحزبية في لبنان، وهو ما سيشجّع على ظهور حشود من الأصوات الفاعلة في المشهد السياسي اللبناني التي قد تطالب بإعادة النظر في شرعية سلاح المقاومة والحدّ من تغوّل الحضور السياسي لحزب الله.

وإذا لم يتنبّه السيد نصر الله إلى خطورة هذه الأسباب وغيرها، ولم يسع إلى قراءتها قراءة تحتكم وإلى شراط اللحظة العربية الراهنة بجميع إكراهاتها، وإذا لم يُليِّنَ من عنف خطاباته وأحادية فهمه فيها للوضع العربي الراهن، وإذا لم ينفتح بصدقٍ ووطنيّةٍ على جميع معارضيه ممن يؤثِّثون المشهد السياسي اللبناني، بل وينوّع من مبادراته إلى رأب الصدع الذي يفصل خطابه السياسي عن خطاباتهم، فإنّ القادم من أحوال حزبه لا يسرُّ.

عبد الدائم السلامي