متاهات أرقام الانتخابات في مصر

بقلم: خليل كلفت

1: لغز زيادة 5 ملايين في عدد الناخبين في ثمانية أشهر: في استفتاء 19 مارس 2011 كان عدد المشاركين 18.54 مليون، فكانت نسبة المشاركة/الإقبال حوالي 41.2 في المائة. ولأن الرقم المحدَّد لمن تنطبق عليهم شروط التصويت غير متاح أمامي الآن يمكن أن نحسب من عدد المشاركين ونسبة المشاركة (وهي نسبة تقريبية بالطبع)، وبهذا الحساب كان عددهم حوالي 45 مليوناً.

وفي انتخابات مجلس الشعب 2011-2012 كان عدد المشاركين 27.07 مليون من أصل مجموع عدد الناخبين، حوالي 50 مليوناً، بنسبة مشاركة/إقبال حوالي 54 في المائة.

وفي انتخابات مجلس الشوري في بداية 2012 كان عدد المشاركين 6.43 مليون بنسبة مشاركة/إقبال حوالي 12.9 في المائة.

وفي الجولة الأولى لانتخابات رئاسة الجمهورية 23 و24 مايو 2012، كان عدد المشاركين 23672236 من أصل مجموع عدد الناخبين 50996746 بنسبة مشاركة/إقبال حوالي 46.4 في المائة.

ومن هذه الأرقام نجد أن نسبة المشاركة/الإقبال كانت 41.2 في الاستفتاء على التعديلات الدستورية وارتفعت إلى 54 في المائة في انتخابات مجلس الشعب ثم انخفضت إلى 46.4 في المائة في هذه الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية؛ فهل يمكن استنتاج شيء له دلالته من هذا؟

من الصعب استنتاج شيء مؤكد، لأن الانتخابات البرلمانية لها دينامية خاصة أعلى بطبيعتها من دينامية الاستفتاء وانتخابات رئاسة الجمهورية، بحكم حيوية المصالح الفردية والمحلية في مختلف الدوائر الانتخابية وقوة الحشود المرتبطة بها، ونضرب صفحاً عن نسبة مجلس الشوري الذي لا يعرف أحد حكمة السادات من اختراعه.

أما اللافت للنظر حقاً والمثير للشك حقاً فهو تطور إجمالي عدد من تنطبق عليهم شروط الاشتراك في الاستفتاءات أو الانتخابات، فقد ارتفع من حوالي 45 مليوناً في 19 مارس 2011 إلى 50 مليوناً في أواخر 2011 أي بعد حوالي ثمانية شهور فقط بزيادة تصل إلى 5 ملايين ثم ارتفع إلى حوالي 51 مليوناً في مايو 2012 أي بعد حوالي أربعة أو خمسة شهور.

وإذا حسبنا على أساس معدل نمو سكاني 2 في المائة وهو أعلى من الحقيقة حالياً فإن المتوقع أن يرتفع عدد السكان من حوالي 45 مليوناً في استفتاء 19 مارس 2011 إلى أقل من 45.6 مليون في الانتخابات البرلمانية وإلى أقل من 46.5 مليون في الانتخابات الرئاسية، ومن حوالي 50 مليوناً في انتخابات مجلس الشعب إلى أقل من 50.4 مليون في الانتخابات الرئاسية.

فكيف ارتفع عدد من تنطبق عليهم شروط التصويت بين الاستفتاء وانتخابات مجلس الشعب 5 ملايين صوت بدلاً من أقل من نصف مليون؟

وقد دفعت الرغبة في التحقق من طبيعة هذا الرقم الكبير بعضهم إلى الرجوع إلى عدد مواليد 1993 الذين بلغوا في 2011 الثامنة عشرة من العمر؛ والحقيقة أن عددهم كان حوالي 795 ألفاً، وهو عدد لا يُقارَن بزيادة الملايين الخمسة.

فهل جاءت زيادة 5 ملايين ناخب بجانبها الأكبر يا تُرَى من انضمام مفاجئ لأعداد ممن كانوا لا يملكون حق التصويت إلى مَنْ يملكون هذا الحق، في صورة انتهاء الخدمة العسكرية والشرطية لأعداد كبيرة بهذه الصورة المفاجئة؟ ولكننا نعلم جيداً أن إجمالي عدد القوات المسلحة والشرطة لا يصل حتى إلى نصف الزيادة المذكورة حتى بافتراض إنهاء خدمة جميع أفراد القوات المسلحة والشرطة بصورة مفاجئة، وهذا ما لم يحدث أصلاً.

وتتجه الأنظار، والحالة هذه، إلى حوالي 10 ملايين من المصريَّين بالخارج، فقد منحهم المرسوم بقانون رقم 130 لسنة 2011 (19 نوفمبر 2011) بشأن تصويت المصريِّين المقيمين بالخارج في الانتخابات العامة والاستفتاء حقهم الطبيعي في التصويت، ولا يقلّ عددهم عن 5 ملايين ناخب بحكم تركيبهم العمري.

غير أن عدد المصريِّين بالخارج الذين سجلوا أسماءهم في الكشوف حتى أبريل 2012 لم يتجاوز 586.82 ألف مواطن مصري في 166 دولة (وكانت نسبة مشاركتهم في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية حوالي 47 في المائة).

وهكذا تحيط الشكوك العميقة بكل الأرقام التي تتضمنها كشوف الانتخابات والاستفتاءات في مصر وهي كشوف لا تستبعد حتى كثيرا ممن لا يحق لهم التصويت من موتى منهم شهداء لا تحسبنَّهم "أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون"، مثل مينا دانيال وخالد سعيد، ومن أفراد يحرمهم القانون المصري من حقهم الطبيعي لأنه لا يعترف بأنهم مواطنون مصريون مثل المجندين بحكايتهم الشهيرة في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية.

2: استنتاجات سياسية ممكنة من الأرقام: وما دمنا مع الأرقام نتابع محاولة استخلاص استنتاج حقيقي منها؛ وها هي الأرقام المعنية:

بلغ عدد الأصوات الصحيحة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية 18.37 مليون، وكان عدد من قالوا "نعم" 14.19 مليون بنسبة حوالي 77.27 في المائة من الأصوات الصحيحة، وكان عدد من قالوا "لا" 4.17 بنسبة حوالي 22.73 في المائة من الأصوات الصحيحة.

والاستنتاج هو أن مَنْ قالوا "نعم" كانوا من أتباع النظام والراغبين في استعادة الأمن والاستقرار وكانوا بصورة خاصة من الإخوان المسلمين والإسلام السياسي، في وجه مَنْ قالوا "لا"، الذين كانوا يريدون إسقاط النظام ويرفضون إعادة بناء النظام عن طريق جعل تلك التعديلات التي كان قد أمر بها مبارك قُبَيْلَ تنحيته حصان طروادة إنقاذ نفس الدستور ونفس النظام.

وفي انتخابات مجلس الشعب، حصل حزب الحرية والعدالة الذي كان على رأس أحزاب التحالف الديمقراطي من أجل مصر على 222 مقعداً من أصل 498 مقعداً بالانتخاب بنسبة حوالي 44.6 في المائة، وحصل حزب النور السلفي الذي كان على رأس أحزاب الكتلة الإسلامية على 112 مقعداً بنسبة حوالي 22.5 في المائة، وحزب الوسط على 10 مقاعد بنسبة حوالي 2 في المائة، وكان مجموع ما حصلت عليه هذه الأحزاب الإسلامية الثلاثة، وحدها، أكثر من 354 مقعداً بنسبة حوالي 71.1 في المائة.

وقد اقتربت هذه النسبة بإضافة أحزاب إسلامية أخرى من حوالي 75 في المائة. وتوزعت النسبة الباقية على أحزاب منها حزب الوفد الجديد (38 مقعداً)، والحزب الديمقراطي الاجتماعي المصري (16 مقعداً)، وحزب المصريِّين الأحرار (14 مقعداً)، وحزب البناء والتنمية (9 مقاعد)، وتحالف الثورة مستمرة (7 مقاعد)، وأحزاب تضم على قوائمها فلول الحزب الوطني المنحل (14 مقعداً)، والمستقلين (26 مقعداً).

وتقترب نسبة مقاعد الإسلام السياسي إلى مجموع مقاعد النواب المنتخبين في مجلس الشعب من نسبة مَنْ قالوا "نعم" في الاستفتاء، وتكادان تتطابقان عند إضافة مقاعد أحزاب الحزب الوطني المنحلّ إلى نسبة الإسلام السياسي باعتبار أن حلّ الحزب الوطني كان في أبريل 2011 أي بعد الاستفتاء. وهناك إذن استقرار أيديولوجي سياسي إسلامي في التصويت بين الاستفتاء وانتخابات مجلس الشعب.

وفي انتخابات مجلس الشوري، بلغت نسبة مقاعد التحالف الديمقراطي بقيادة حزب الحرية والعدالة الإخواني من مجموع مقاعد المجلس 58.33 في المائة (105 مقعداً من مجموع 180 مقعداً للأعضاء المنتخبين)، وبلغت نسبة مقاعد الكتلة السلفية بقيادة حزب النور السلفي 25 في المائة (45 مقعداً من مجموع 180 مقعداً)، وكان مجموعهما بنسبة 83.33 في المائة (150 مقعداً من مجموع 180 مقعداً). وهذه نسبة مرتفعة عن نسبة هذين التكتلين الحزبييْن في انتخابات مجلس الشعب. ويبدو أن عزوف أو مقاطعة معظم الناخبين والأحزاب ترك للإسلام السياسي فرصة أكبر في الحصول على ما هو أكثر من نصيب الأسد الذي حصل عليه في انتخابات مجلس الشعب.

وفي الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية حصل المرشح الإخواني محمد مرسي على 5.76 مليون صوت، بنسبة أقل قليلاً من 24.8 في المائة، وحصل عبد المنعم أبو الفتوح على 4.07 مليون صوت، بنسبة أقل قليلاً من 17.5 في المائة، وحصل محمد سليم العوا على 0.24 مليون بنسبة أكثر قليلاً من 1.0 في المائة. أي أن مرشحي الإسلام السياسي الثلاثة حصلوا على 10.07 مليون صوت، بنسبة حوالي 43.3 في المائة. وهذه الأخيرة هي نسبة ما حصل عليه مرشحون إسلاميون يعلنون المرجعية الإسلامية.

ولتقدير الأصوات المؤيدة للمرشحين الإسلاميين تأييداً لهذه المرجعية قد يكون علينا استبعاد حوالي مليون صوت من أصوات عبد المنعم أبو الفتوح لينخفض عدد الأصوات إلى حوالي 9 ملايين صوت بنسبة حوالي 38.3 في المائة من الأصوات الصحيحة.

وعلى هذا تكون نسبة ما حصل عليه الإسلام السياسي في الانتخابات الرئاسية أي حوالي 38.3 في المائة، أقل من نسبته في انتخابات مجلس الشعب التي اقتربت من حوالي 75 في المائة (أي أقلّ قليلاً من النصف)، ومن نسبته في انتخابات مجلس الشورى التي كانت حوالي 83.33 في المائة (أي أقلّ كثيراً من النصف).

فما تفسير هذا الانخفاض الكارثي لتصويت الإسلام السياسي خلال هذه الفترة القصيرة بين انتخابات مجلسي الشعب والشوري والجولة الأولى من انتخابات رئاسة الجمهورية؟ إنه بالتأكيد ما يسمَّي بالتصويت الاحتجاجي أو السلبي أو العقابي، للإسلام السياسي ليس فقط على أدائه الكارثي في مجلسي البرلمان بل كذلك وفي المحل الأول على كل سلوكه السياسي خلال أكثر من 15 شهراً أثناء ما يسمى بالفترة الانتقالية في سياق تحالفه الذيلي مع المجلس العسكري ضد الثورة الأمر الذي كان يجعلها تخسر بصورة متواصلة قلب الشعب.

غير أننا نري بالمقابل ارتفاعاً صاروخياً في تطور ما "يبدو" أنه تصويت للثورة المضادة متمثلة في ممثليْن مباشريْن للنظام من نسبة متدنية للغاية في الانتخابات الپرلمانية (نسبة أحزاب الحزب الوطني في انتخابات مجلس الشعب وربما بعض المستقلين) إلى حوالي 9 ملايين صوت وهو مجموع أصوات أحمد شفيق وعمرو موسى وجانب من أصوات عبد المنعم أبو الفتوح.

فكيف يمكن أن نقرأ هذا رغم السلوك السياسي والأمني الإجرامي للمجلس العسكري الحاكم طوال الفترة التالية للثورة؟

والحقيقة أن التحليل الدقيق لهذا التصويت لمرشحيْن بارزيْن للثورة المضادة يمكن أن يكشف، على العكس مما يبدو على السطح، عن تصويت رافض لنظام خلفاء مبارك؛ فأصوات شفيق وموسي وجانب من أصوات أبو الفتوح والتي تصل مجتمعة إلى حوالي 9 ملايين على أقصى تقدير بنسبة حوالي 38 في المائة رقم مطلق ورقم نسبي متواضعان للغاية بالمقارنة مع أرقام ونسب انتخابات العهد البائد.

وهناك من ناحية أخرى واقع أن هذه الأصوات تنطوي على تصويت قبطي طائفي ربما بالملايين في مواجهة التصويت الطائفي الهجومي العدواني المسعور من جانب الإخوان والسلفيِّين.

وهناك بالطبع ما تعرفه الثورات من مخاوف من أهوال قائمة وأخرى متوقعة تزيدها اشتعالاً حملات الترويع التي تقوم بها الثورة المضادة بقيادة المجلس العسكري ومؤسسات الدولة وأبواقها الإعلامية، وبالتالي تحويل الرغبة في الاستقرار والأمن حتى رغم سيطرة الظلم والاستبداد والفساد إلى اندفاع وراء كل وَهْم يظهر في الأفق حاملاً وَعْدَ الاستقرار والأمن والأمان.

ويضاف إلى هذا واقع أن تردِّي الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية للجماهير، وبالأخص تفاقم البطالة والغلاء، أكثر مما كانت قبل الثورة بحكم الطريقة التي يواجه بها الحكام الثورة، يدفع قطاعات من الشعب إلى الاندفاع نحو أوهام تروِّجها الثورة المضادة عن الاستقرار من جديد.

وهناك بالطبع الاستغلال البشع للجهل والفقر والمرض بتوظيف المال السياسي في شراء الأصوات والدعاية الانتخابية على أوسع نطاق. وهناك مختلف وسائل وأدوات وإجراءات تزييف إرادة الشعب وصولا إلى التزوير المباشر مع تمويهه بقشرة ناعمة خادعة.

وقد قام النظام بتوظيف كل هذا وغيره في الانتخابات الحالية على نطاق لم يكن العهد البائد بحاجة إليه أصلاً في ظل استبداده وفساده المطلقيْن المنفلتيْن.

وينبغي ألا ننسى استغلال الدين من جانب النظام في سباق محموم من جانب الأزهر وعلماء الدين والإعلام بصور شتى منها حُمَّى التضييق على المذاهب الإسلامية أو الدينية الأخري لبعض الأقليات الصغيرة جداً في مصر مثل الشيعة والبهائية، وحُمَّى النيْل من مكانة النساء والإناث بصور شتى، وحُمَّى معاداة المسيحية والمسيحيِّين في البلاد وإشعال الفتن والروح الطائفة بصورة مهووسة، وكذلك الهجوم على العلمانية والاشتراكية والشيوعية كما يفعل شيخ الأزهر نفسه في الفضائيات.

ومن ذلك محاولات الإيقاع بين الطرق الصوفية من جانب والإخوان والسلفيِّين من جانب آخر لدفع قطاعات من هذه الطرق إلى التصويت للفريق أحمد شفيق.

ومن هنا فإن التصويت الذي شهدناه لمن يسمَّوْن بالفلول لم يكن حُبًّا في علي بل كان كراهية في معاوية: كراهيةً للخوف المبرَّر تماماً من الإسلام السياسي والخوف المبرَّر وغير المبرَّر من أهوال لا حصر لها، حقيقية أو متوهَّمة، وتَحَرُّقٍ إلى تحقُّقِ وعود وبشائر تراها قطاعات مهمَّشة ومتخلفة من الشعب في غير مكانها الحقيقي.

3: ظاهرة التيار الثالث لا ينبغي أن تكون للمقايضة مع مرسي وشفيق: وقبل أن أشير مجرد إشارة سريعة إلى النقطة الأخيرة، أودّ التنبيه إلى أنه بالإضافة إلى أن من الصعوبة بمكان الاطمئنان إلى هذه الأرقام كمؤشرات دقيقة لاستخلاص استنتاجات يُعَوَّل عليها، كما رأينا، هناك مشكلة بسيطة تتمثل في أنني لم أهتم ببعض التفاصيل في نتائج الأعداد والأرقام الصغيرة لأحزاب ثانوية وأعتقد أن هذا لا يؤثر كثيرا في الاستنتاجات السابقة.

أما النقطة الأخيرة فتتعلق بواحدة من أهم مفاجآت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وهي المفاجأة الأكثر أهمية من زاوية ما. إنها المفاجأة المرتبطة بظاهرة التصويت بقرابة 5 ملايين صوت لحمدين صباحي. والظاهرة التي تهمنا هنا لا تتمثل في ظهور حمدين كزعيم جماهيري بارز بقدر ما تتمثل في ظهور تصويت بالملايين لعدد من شعارات الثورة رفعها هذا المرشح حدها الأدنى هو الرفض في آن معاً للدولة العسكرية لصالح دولة مدنية وللدولة الدينية (بل لدولة الخلافة الإسلامية وإنْ بعد 500 سنة كما يصرِّح محمود غزلان، الناطق باسم جماعة الإخوان المسلمين، دون مواربة)، بالإضافة إلى عدد كبير من أهداف ومطالب وشعارات الثورة، بكل الحقوق والحريات، بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية والحياة الكريمة، كما نادت الثورة.

وقد سبق أن أكَّدْتُ في مقال لي بعنوان "أسطورة الفترة الانتقالية وحقائق المسار الفعلي للتطورات في مصر"، بتاريخ 11 مايو 2012، أنه "لا أحد يُنْكر بطبيعة الحال التسييس الذي يقوم به مرشحو اليسار: أبو العز الحريري، وحمدين صباحي، وخالد على (بترتيب الحروف)".

واستطردتُ في ذلك المقال قائلاً "غير أن الاعتماد على الفعل الثوري المنفصل عن برنامج ما يسمي بالفترة الانتقالية كما وضعه العسكر أكثر جدوي وأبعد أثراً وبالأخص: أكثر مبدئية. كما أن الشرعية التي تُضْفيها الانتخابات التي تزيِّف إرادة الشعب على مؤسسات الدولة التي تجري إعادة بنائها لن تؤثر فيها المقاطعة الثورية كثيرا بحكم حجمها المحدود نسبياً غير أن هذه المقاطعة تجرِّد هذه المؤسسات من الشرعية من وجهة نظر القوي الحقيقية للثورة وتُقِيم استقلالها عن برنامج العسكر والإخوان للفترة الانتقالية على أساس متين".

وقد يبدو هنا أن المشاركة بصرف النظر عن عيوبها أفضل من المقاطعة رغم مزاياها، لأن المشاركة هي التي ارتبطت بتوسيع نطاق التسييس وأثمرت ظاهرة هذا التصويت الجماهيري بالملايين من بنات وأبناء مصر لجانب كبير حقاً من أهداف الثورة وشعارتها وفي المحل الأول رؤيتها.

وفي مقال لاحق لي بعنوان "مأتم ديمقراطية المجلس العسكري والإخوان المسلمين فجر الديمقراطية الشعبية في مصر"، بتاريخ 31 مايو 2012، أكَّدْتُ "أن واقع أننا في زمن الثورة بجماهيرها المستعدة للتجاوب مع مرشح ملتزم بمصالحها يضيف إلى محتوى خطاب حمدين وإلى فعالية الفضائيات في الاتصال الجماهيري عنصرا يضيف الكثير إلى تفسير صعوده المفاجئ".

ولا شك في أن هذا يعني أن الفترة القصيرة التي سُمِحَ فيها بالدعاية الانتخابية بالتسييس الناشئ عنها بفضل خطاب حمدين الذي عرف طريقه بسرعة وسهولة إلى العقول والقلوب لم تكن كافية في حد ذاتها لتكون السبب الوحيد أو الرئيسي للتسييس الذي جاء بهذه الملايين (من مليونين إلى ثلاثة ملايين من الناخبين بعد استبعاد مَنْ صوَّتوا ﻟحمدين لأسباب أخرى).

والصحيح أن هذا الخطاب لم يكن ليفعل فعله الكبير وأن هذا التسييس لم يكن ليحدث مطلقاً لولا قرابة خمسة عشر شهراً من الفعل الثوري بكل أشكاله فهو الذي جاء بالحطب ليشتعل حالما مسَّتْه الشرارة.

والأمر البالغ الأهمية الآن هو أن هناك أحزاباً وحركات تعمل على إعداد "وثيقة العهد"، والحقيقة أن الخطاب الذي يجري في إطاره تقديم هذه الوثيقة يجعلها، رغم كل التصريحات المناقضة، أساساً لمقايضة التزامٍ لا يُلْزِم أحداً في الحقيقة ولا معنى له إلا إلحاق الأضرار الفادحة بالثورة عن طريق تقوية كلٍّ من محمد مرسي وأحمد شفيق، بملايين الأصوات التي يشملها هذا التيار السياسي الجديد من حيث تبلوره الراهن، بدلاً من العمل على بلورة وتطوير وتوسيع هذا التيار بتحويله بفضل جهود كبيرة ودءوبة وصبورة ومبدئية إلى أحزاب مستقلة وجبهة ثورية حقيقية تصنعان تعددية حقيقية بالتضافر مع كافة عناصرها التي تولد وتنمو وتتطور الآن بصورة تتجه إلى الرسوخ في مصر الثورة.

4: المحاكمة السياسية الجنائية الثورية والقصاص العادل وتطهير القضاء واستقلاله: والآن، بعد أن أصدر القضاء منذ قليل حكمه الظالم والمهين للشعب المصري وشهدائه في محاكمة مبارك ورجاله وأعوانه المسماة إعلامياً بمحاكمة القرن، وهو حكم يُبَشِّر المجرمين بالبراءة في محكمة النقض فيما يرى رجال القانون في ردود فعل أولى في هذه اللحظة، تخرج الآن احتجاجات الشعب الذي اُسْتُبِيحت كرامته واُسْتُبِيح الدم الزكي لشهيداته وشهدائه مطالباً بالمحاكمة السياسية الثورية والقصاص وتطهير القضاء، الأمر الذي يحيط الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية باحتجاجات الانفجار الشعبي. وهنا ينبغي أن يجد ما يُسَمَّي بالتيار الثالث توظيفه الثوري الحقيقي الأول.

خليل كلفت