دراما البعث العراقي

بقلم: حيدر قاسم الحجامي

ملاحظات أولية

الكتابة عن مسيرة حزب البعث في العراق رحلة شاقة، ومهمة عسيرة تتطلب من الكاتب وعياً عميقاً وأدركاً لمجريات الوقائع والحوادث، كما تتطلب ان يكون موقفه حيادياً، كي يتمكن من الوصول الى المعلومة الدقيقة ووضع الامور في نصابها بعيداً عن الموقف الشخصي منها أو الايدلوجي او اي حسابات أخرى.

كي يتمكن من ان يكون أميناً على التاريخ، وكي تكون الوثيقة المنجزة – الكتاب - ذات قيمة موضوعية وثقافية وتاريخية، يمكن من خلال قراءتها إعادة قراءة صورة للأحداث والمواقف التي شكلت ما تلاها.

ولهذا أجد أن كتاب "بعث العراق" بما ضمه من وثائق وجهد نجح الى حد مقبول في أن يكون وثيقة تاريخية عن هذا الحزب تضاف الى المحاولات النادرة التي وثقت مسيرة البعث الطويلة في العراق.

لكنني أجدني امام نقطة مثيرة وهي أن الباحث مع استمراره بعرض الوثائق والآراء ظل يمارس عملية النقد والمحاكمة والتعليق بدوافع لا تخلو من موقف أيدولوجي تجاه ما يكتب وهذا لا يلام اذا كان ما يكتبه عبارة عن كتاب رأي لا باحث تاريخي توثيقي، لانه ُسيبقي الكتاب محط جدل أكثر من كونه حقيقية تاريخية ثابتة وسيفتح باب الترجيح لا التسليم الذي يحاول الكتاب ايصال القارئ اليه.

هذه الاشكالية لا تعني الانتقاص من الجهد الكبير الذي بذلهُ طالب الحسن في سبيل انجاز هذا المؤلف، ولكن نحنُ ندرك ويدرك الكاتب قبلنا أن كتابة التاريخ وتدوينه تحتاج الى أن الوقوف بحياد تجاه الاحداث ونقلها دون اسقاط مواقف المؤرخ الشخصية، وخصوصاً في تناول موضوع أشكالي كهذا الذي اختاره المؤلف.

أيضاً من الملاحظات التي يمكن أن تسجيلها هي أن الكتاب حمل عنوان "بعث العراق من البداية المريبة ... حتى النهاية الغريبة"، ودون بدايات البعث في العراق وارخ لقيادتهِ وحملة فكره، لكنه توقف عن ذكر نهايته المريبة التي وعد القارئ بها منذ افتتاحه، وكان المؤلف فعل خيراً لو أنه استمر بمتابعة مسيرة هذا الحزب حتى نهايته الفعلية في 9 أبريل/نيسان من عام 2003 أي بنهاية حكمه للعراق ولا أدري ما الذي دفع الكاتب الى التوقف عن بدايات دخول البعث الى المدن العراقية فقط.

الارسوزي مؤسساً وعفلق سارقاً

في فصل الكتاب الأول يوضح المؤلف دور زكي الأرسوزي في تأسيس حزب البعث كاشفاً عن بداية هذه الافكار القومية كانت في مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي في مدينة أنطاكيا.

كما يتناول الفصل شهادات تلامذة الارسوزي الذي يعده المؤلف المؤسس الفعلي للبعث، تلامذة الأرسوزي شهدوا أو شاركوا في تأسيس اللبنات الأساسية لهذا التنظيم موثقاً شهاداتهم التي رووها في مذكراتهم أو عبر لقاءات مباشرة أجرها الباحث مع بعض منهم.

كما سلط الباحث أضواء كاشفة على شخصية الارسوزي بمزيد من البحث والتحليل.

عفلق ..انتهاز الفرصة أم اياد خفية ورائه؟

في الفصل الثاني من الكتاب يشرح المؤلف بما يسميه المؤلف "فرصة عفلق" التي انتهزها أثر اعتزال الأرسوزي السياسة بشكل نهائي 1943.

ويرى المؤلف أن لفرنسا دورا مؤثرا في دعم قيادة عفلق وصلاح البيطار لهذا التشكيل القومي المتنامي، مستشهداً باتهامات الارسوزي ذاته لعفلق وصلاح بأنهم من إفرازات الاحتلال الفرنسي للتشويش على الفكر القومي والكفاح القومي.

في الفصل ذاته يتناول المؤلف بعث العراق ويسمهُ "بالمغالاة" في وصف عفلق شارحاً الاسباب الخفية وراء هذه المغالاة!

ويستمر المؤلف بنقد متواصل لحزب البعث فرع العراق، موضحاً مواقف عفلق المتخاذلة وتراجعه الدائم أمام الشدائد والملمات التي تعصف بالحزب وهو ما سيكون نظرية عمل للحزب فيما بعد.

ويلاحق المؤلف بعناية ما يسميه "بسقطات عفلق" ومنها البراءة من الحزب التي اعلنها عفلق عبر رسالة بعثها للرئيس السوري حسني الزعيم في العام 1949، وهو ما عده انصار عفلق منهجاً للتخلص من اي ضغوط او مواجهة حقيقية تواجههم.

عفلق .. وما ادراك ما عفلق!

في الفصل الثالث من الكتاب يبحث المؤلف تقييم لشخص عفلق من خلال رفاقه الذين عملوا معه وعاصروه، عارضاً شهادات وتقييم لعفلق من قيادات بعثية منشقة مثل حازم جواد وخالد علي الصالح وهاني الفكيكي وطالب شبيب وحتى أحمد حسن البكر وغيرهم.

سجل الفصل ادانة لسلوكيات عفلق وشرح بعض صفاته التي اتسم بها منها المكر والتسلق ولجوئه الى أساليب الدس والغدر للتخلص من خصومه ومنافسيه.

السياب وتقديس عفلق .. نزق شاعر أم مجانية القاب!

على عكس الشهادات التي سجلها الفصل السابق فإن الفصل الرابع يورد بعض الشهادات لشخصيات من خارج الحزب وهو يدلون بشهادات فيها نوع من المبالغة والتقديس لشخص عفلق ويرد عليها الباحث بأحداث تثبت عكس ذلك تماماً. مستشهداً برأي واحد من أهم مثقفي وكتاب البعث في العراق، الكاتب حسن العلوي الذي يقييم عفلق، حيث يقول العلوي "وجهه المنحط لا يثير أساسا روحياً واصطناعه الكلام الحكيم لا ينم عن شخصية حكيمة فعلاً " ص160.

ويحاول في الفصل ذاته دحض المقولات التي تصف عفلق بالفيلسوف والمفكر ومناقشة هذه الادعاءات بشكل علمي من خلال تقصي بعض نتاج عفلق الادبي او الفكري.

كما يورد المؤلف مقالاً للشاعر بدر شاكر السياب تحمل من معالي الغلو والانبهار الزائد عن حده الشيء الكثير في وصف عفلق وتقدسيه ومنحه الألقاباً لا يستحقها وهو ما يضعه المؤلف ضمن فوضى الألقاب التي شاعت اثناء المد القومي في خمسينات القرن المنصرم.

صدام الوريث الشرعي لعفلق!

في الفصل الخامس يربط المؤلف بين تجربة عفلق ومسيرته وما أفادهُ صدام حسين المجيد من عفلق في الانقلاب والغدر والأقصاء واستخدام كل الاساليب الدنيئة التي أتسم بها عفلق من قبل تلميذه صدام في الوصول الى السلطة.

ويورد أوجه تشابه كبيرة بين نهج عفلق وتلميذه صدام فالمؤتمرات الحزبية في نهج عفلق مصيدة للرفاق ومناسبة لأقصاء المنافسين وهكذا استخدمها صدام بصورة اكثر صرامة واشد جرماً ضد منافسيه وخصومه.

وكذلك استخدام عفلق مبدأ السرية والكتمان كمهج عمل في سبيل الوصول الى غاياته الشخصية ومآربه، فإن صدام وكما ينقل المؤلف حوادث تبث ذلك امتاز بهذه الخاصية فلا أحد يعرف ما يفكر به أو ينوي القيام به.

كما أن عفلق اعتمد في حركته وقيادته لهذا التشكيل على بعض الفاشلين والمجرمين لتحقيق اهداف ومآرب معينة، فإن صداماً طور هذا الاعتماد ليصبح نظرية عمل متكاملة في سبيل احكام السيطرة على السلطة والحزب.

ويواصل المؤلف سرد ما استقاه صدام من عفلق من خصائص وصفات طورها التلميذ الى مناهج عمل متكاملة ظلت تتحكم به طيلة امساكه بالسلطة.

في الفصول اللاحقة يتناول المؤلف بشيء من التفصيل سير قادة حزب البعث الذين تعاقبوا على مسؤولية التنظيم الذي نقله الى العراق من سوريا فائز اسماعيل وتحديداً في دار البعثات العربية في الاعظمية.

في الفصل السادس يتناول اول مسؤول عراقي للتنظيم، عبد الرحمن الضامن الذي تنسم مسؤولية التنظيم بعد مغادرة فائز اسماعيل العراق نهاية 1949 واصبح المسؤول عن التنظيم حتى العام 1953 العام الذي قدم الضامن استقالته من قيادة التنظيم.

في الفصل السابع يتناول الباحث الشخصية الثانية التي تولت مسؤولية التنظيم في العراق وهو الطالب التونسي ابو القاسم كرو ويشرح الملابسات التي رافقت تولي كرو لهذه المسؤولية بعد نجاحهً في الاستحواذ على مسؤولية الفرقة في بغداد بطرق ملتوية على حد وصف رفاقه الذين يورد المؤلف رسائلهم ومذكراتهم التي تدعم هذا الأدعاء.

في الفصل الثامن يتناول المؤلف شخصية قيادية اخرى من قيادة هذا التنظيم وأسهمت في توسيعه وتنظيمه وتولت قيادته في البدايات. ويتناول تفاصيل مهمة عن حياة الدكتور فخري القدري الحزبية والسياسية والاجتماعية.

أما الفصل التاسع فهو يتناول شخصية فؤاد الركابي وهو خامس مسؤول للتنظيم البعثي قي العراق ويعده المؤلف من انجح القيادات التي تولت مسؤولية هذا التنظيم منذ دخوله البلاد وأسهم مساهمة فعلية في مد خيوط التنظيم الى الكثير من المدن والقصبات العراقية لاسيما مدينته الناصرية، لما امتاز به من قدرة وحركة ودقة عالية في التنظيم، ويتتبع سيرة الركابي حتى مقتله على أيدي البعثيين انفسهم في واحدة من اوضح الدلائل على النهج البعثي الاقصائي والدموي.

في الفصل العاشر يروي المؤلف كيفية انتقال البعث من سوريا الى العراق عبر الطلبة الاسكندرونيين القادمين للدراسة في المدارس والمعاهد العراقية، أم الفصل الاخير فهو مخصص لتتبع انتشار البعث في المدن العراقية ويتابع المؤلف الوسائط والسبل التي اسهمت في انتشار هذا التنظيم الوافد.

في نهاية الكتاب يورد المؤلف ملاحق مهمة ووثائق عن مسيرة البعث الطويلة وبعض الادانات والشهادات حول هذا الحزب كما يخصص ملحقاً خاصاً للصور مع بعض الشخصيات البعثية او التي وردت اسماؤهم في ثنايا الكتاب.

يذكر ان الكتاب يقع في أكثر من 580 صفحة من الحجم الكبير وصدر عن دار اور للطباعة والنشر وهو الكتاب الخامس للمؤلف طالب الحسن.