حين تكون المنمنمات نتاج الصحراء

بقلم: زيد الحلي
كاتبها من البصرة ومصورها من واسط

دائما يطوف عليّ خاطر، ويظل يدور، حتى أعلن عن يأسي في معرفة أسراره وعمق دهاليزه، وهذا الخاطر لا يأتيني يومياً إلاّ اذا وقع ناظري على لوحة تشكيلية او رسم من ماضي العرب القديم او منمنمة ابتدعتها أنامل عراقية قبل 700 عام او أكثر، لا سيّما ان كانت تلك اللوحة او ذاك الرسم جاء على وفق تشكيل لوني متقن او يتطرق لموضوع فيه حكاية تراثية او موقفاً يحدد واقعة تاريخية، فوقتذاك اسرح الى عالم من التساؤل المفعم بالضبابية: ترى كيف استطاع الإنسان العربي العاشق للصحراء ورمالها ويقول الشعر والمفتون بالسيف والقوة والكرم ان يمتلك ذلك الاحساس الفطري بالرسم وامتلاك ناصية قيادة موهبته الفنية بتلك العذوبة التي أذهلت المتخصصين بعلم الرسم والتلوين والمنمنمات الى الحد الذي دعا ادارات أشهر المتاحف العالمية، الى تخصيص قاعات باسم (فن التصوير عند العرب) حظيت باندهاش طلاب ودارسي الفن التشكيلي العالميين.

لقد طالعتُ مؤخرا مجلدا انيقا، كان ضيفاً لدى مكتبة أحد الاصدقاء، لم يتصفحه الصديق منذ ان أهداه له الاستاذان المرحومان د. عيسى السلمان والصحفي سليم طه التكريتي باعتبارهما مترجمين لهذا المجلد الأنيق الذي ألفه الاميركي "ريتشارد اتنغهاوزن" رئيس محافظي فن الشرق الأدنى الجديد في متحف (فرين للفن) في واشنطن.

مجلد بطباعة راقية، آية في الدهشة، ضم عشرات الرسومات والمنمنمات التي تعجز التقنيات الحديثة الإتيان بجزء من مثيلاتها، وقد وثق المؤلف حديثه عن فن التصوير والرسم عند العرب، بشواهد من اللوحات، تجعل المرء يقف أزاءها باحترام وتجل، وقد فاض المترجمان في نقل رؤية المؤلف، وقدما تفسيرات موفقة، اضافت للباحثين في تاريخ فن التصوير العربي ابوابا يمكن لهم الدخول الى معتركات هذا الفن الذي ظل بعيدا عن الدارسين والنقاد العرب. وسأخصص لاحقاً حيزاً اوسع لقراءة هذا المجلد، وحتى ذلك الحين، ارتأيت تقديم بعض صور ورسومات هذا المجلد، ووقع اختياري على ثلاث منمنمات، وأستأذنت صديقي لتصويرها ونشرها خدمة للباحثين، وهي المقامة الثانية والثلاثون من المقامات بعنوان (قطيع الابل) وهي حالياً من مقتنيات المكتبة الوطنية في باريس تحت بند (عرب 5847) / مجموعة "شفر" ورقة 101 الصفحة اليمنى، والمقامة التاسعة والثلاثون وتظهر ابو زيد وهو يطلب النقل في السفينة وهي موجودة في المعهد الشرقي ـ المجمع العلمي في لننغراد سابقاً ـ ضمن المجموعة رقم 23 الصفحة 260، والمقامة الثامنة والاربعون حيث يلقي ابوزيد احدى المقامات، لاى وهي موجودة حالياً تحت باب (عرب) برقم 6094 ورقة (147) الصفحة اليمنى، وبقياس ( 157 × 205 ملم).

بانتظار الباحثين ..

وهنا ينبغي التأكيد بالقول انه بإمكان المتابع والدارس لفن الرسم، ان يلاحظ الرقي والدقة التي رافقت رسومات مقامات الحريري في فصولها الخمسين، وهي تدلل على سعة أفق فنية بحاجة لدراسات تخصصية لفهم طرائق وظروف وآلية رسمها، فهي بأعتقادي لا تزال بكراً لم تجد من يحيط بها إحاطة فنية، وما كُتب عنها لا يزال حبة رمل في صحراء البحث الاكاديمي. وهي دعوة للباحث العراقي ان يدخل هذا المضمار لاسيّما ان المقامات هي عراقية، تتحدث عن الحياة البغدادية في القرون الوسطى وهي غنية بالاحداث والصور المفعمة بالحياة.

وقد عُرفت المنمنمات التي رافقت مقامات الحريري الشهيرة، بانها تعود لفنان عراقي من القرن الثالث الميلادي، لم ياخذ حظه بالدراسة حتى الآن، ولا تزال حياته وسيرته بعيدة عن محفل المتخصصين هو (يحيى بن محمود الواسطي) نسبة الى محافظة واسط، غير انه كما يبدو تركها وتوجه الى بغداد، فأقام فيها، وبني هذا الأعتقاد على أسلوبية فن الخط الذي مارسه في رسوماته وهو الخط البغدادي، وقد ارتبط اسم الواسطي بمقامات الحريري، اذ زوّق مخطوطاتها بمنمنماته المعبرة عن مضمونها والمؤرخة لحياة الناس آنذاك.

ومن المفيد هنا، الإشارة الى الدراسة المهمة التي كتبها الفنان الاكاديمي د. ماهود احمد والتي اكد فيها ان التصاوير المصغرة (المنمنمات) التي تزدان بها المخطوطات المزوقة العربية لم تكن ظاهرة فنية متميزة وغنية جداً حسب في الفن العربي للعصور الوسطى، ولا تكمن قيمتها في تكامل عناصرها الفنية وبنائها المدهش، وخصوصيتها، واعتبارها، مصدراً أصيلاً ليس له بديل في دراسة ظروف الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع العربي في ذلك الوقت، وإنما مهدت الطريق لبناء أسس فن واقعي أصيل وبقيم جديدة انتشر واسعاً في بلدان الشرق الأوسط واثر عميقاً في فنونها.

وتمتاز مقامات الحريري عن غيرها باصالتها اللغوية ففيها الكثير من الأبحاث البيانية لاسيما في البديع، والتميع، والتعقيد اللغوي، وتصعيب الأداء، ولهذا فاقت غيرها من المقامات بلغتها وعباراتها القصيرة المقطعة والإيقاعية، والتي لا يتجاوز عدد كلماتها الخمسة. وتمتاز كذلك بأشعارها إلى جانب اعتبارها معجماً حافلاً بالكثير من المفردات اللغوية. والحريري نفسه كان معروفاً كأحد أعلام اللغة والنحو في زمانه وله عدة مؤلفات في ذلك وقد أشار الباحث السوفيتي (ت. أ. بوتنتسوف) و(تينتسسوف) إلى دور مقامات الحريري في ظهور المسرح العربي لما فيها من مقاطع حوار داخلي، بالإضافة إلى صفاتها الدرامية، ولهذا فقد اكتسبت هذه المقامات شهرة شعبية واسعة في جميع البلدان وازداد الطلب عليها، حتى أن الحريري كمؤلف أقدم على استنساخها بخط يده أكثر من خمسمائة مرة وقيل أكثر من سبعمائة مرة ثم ترجمت عدة مرات والى لغات عديدة، كذلك زوقت بالمنمنمات في أكثر من نسخة وفي أماكن وأزمان مختلفة، وصلت إلينا منها اثنتا عشرة مخطوطة محفوظة في مكتبات متفرقة: ثلاث مخطوطات تحت الأرقام (7293، 9781، 22114) في مكتبة المتحف البريطاني، وثلاث أخرى تحت الأرقام (3929، 5847، 6094) في المكتبة الوطنية في باريس، وتحتفظ تركيا في سليمانية اسطنبول بمخطوطة واحدة تحت الرقم (2916)، وكذلك توجد مخطوطة أخرى في مكتبة فينا الشعبية في النمسا تحت الرقم (91)، وتحتفظ أيضاً مكتبة الجامعة في أكسفورد (مجموعة مارش) بمخطوطة أخرى للمقامات تحت الرقم (1200آر). ويحتفظ معهد الدراسات الشرقية لشعوب آسيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية في مدينة بطرسبورغ بمخطوطة تحت الرقم (س230). وعثر أخيراً على نسخة مصورة من المقامات في اليمن زوقت كما ذكر في فترة متأخرة وبأسلوب المنمنمات العثمانية ومن الممكن العثور على مخطوطات مزوقة أخرى جديدة قد تكون محفوظة في مجاميع خاصة لعشاق جمع المخطوطات.. أو منسية في إحدى المكتبات ومما يحسب للدكتور ماهود، ان دارسته القيمة، لم تأت من رؤية فنية شخصية، او نتيجة قراءات متفرقة، بل جاءت بعد دراسة استقرائية لأربعين مصدراّ بمختلف اللغات: الانكليزية والروسية والفرنسية والفارسية والعربية والتركية وغيرها من اللغات.

والمنمنمات جمع (منمنمة) باللغة الفارسية، تعني التصوير الدقيق الذي يزين صفحة او بعض صفحة من كتاب، ويقال ايضا، (نمنم الشيء نمنمة اي رقشه وزخرفة). اما المقامة، فقد جاء في لسان العرب (المقامة ــ بفتح الميم ــ تعني المجلس او الجماعة من الناس) وفي المنجد في اللغة والاعلام ص663 جاء ان المقامة تعني المنزلة اي المكانة .. الخ.

وأخيرا، فأن صاحب المقامات، هو (محمد علي الحريري البصري، من مواليد احدى ضواحي البصرة المسماة (المشان) سنة 1054 ومهنته (صاحب البريد في ديوان الخلافة العباسية).

zahdalhilly@yahoo.com