الحولة'..صورة حاكمٍ وسُورة شعبٍ!

بقلم: جواد البشيتي

إنَّ أسوأ طريقة في الحُكْم، أو للاحتفاظ به، هي التي تتَّبِعها (ولو عن اضطِّرار) من غير أنْ تَجِد في نفسكَ من "الجرأة"، والتي ليست بـ "جرأة"، ما يكفي لاعترافكَ باتِّباعها والأخذ بها؛ فإنَّ الحماقة بعينها هي أنْ تَلْبس لبوس هذه "الفضيلة (الاعتراف)"، التي يكفي أنْ تلبسها، أو أنْ تجرؤ على لباسها، حتى تتعرَّى تماماً من البقية الباقية من شرعيتكَ الإنسانية والأخلاقية في الحُكْم؛ فهل في مقدوركَ، إذا ما كنتَ حاكِماً، أنْ تَرْتَكِب مجزرة (ولو عن اضطِّرار) كمجزرة "الحولة"، وأنْ تَقِف، من ثمَّ، لتُعْلِن على رؤوس الأشهاد أنَّكَ مرتكبها!

خيارُكَ، إذا ما كان في هذا الأمر شيء من معنى "الخيار"، إنَّما هو أنْ تَرْتَكِب جريمة ثانية، لعلَّها تُبرِّئ ساحتكَ من ارتكاب الجريمة الأولى، وهي مجزرة "الحولة" في مثالنا؛ وهذه الجريمة الثانية إنَّما هي جريمة "الإنكار"، ترتكبها، هذه المرَّة، ليس في حقِّ أطفال، وإنَّما في حقِّ "العقل" و"المنطق"؛ لأنَّه "إنكارٌ" كمثل إنكار أنَّ الأرض تدور حَوْل الشمس.

ومع ذلك، دَعُونا نتخيَّل أنَّ "المعجزة" قد وَقَعَت، فأعلن "المُنْكِر المُطْلَق"، إذْ استأسد على "الضمير الإنساني"، أنَّه هو مُرْتَكِبها، أيْ مُرْتِكب مجزرة الأطفال في الحولة؛ فهل من الحصافة بمكان أنْ نتوقَّع أنْ يكفَّ المُسبِّحون بحمد نظام حُكْم بشار عن التسبيح بحمده؟

إنَّني لمتأكِّد تماماً (لإيماني بأنَّ بعض البشر لن يتورَّعوا عن معاداة بديهية هندسية إذا ما رأوا فيها إيذاءً لمصالحهم) أنَّهم سيجادلون في الأمر، وسيسعون في إقامة الدليل (غير المُقْنِع حتى لهم أنفسهم) على أنَّ "غاية نبيلة" تَكْمُن في هذه المجزرة، ألا وهي ردُّ، أو جَعْلُ، كيْد "الأعداء" في نحورهم؛ وربَّما تجرأوا أكثر، واحتسبوا هؤلاء الأطفال الضحايا شهداء عند الله؛ فـ "الأمْر (المكيافيللي) السَّامي" هو: أُقْتُلوا (بدَمٍ بارد، وذَبْحاً بالسكاكين) هؤلاء الأطفال الأبرياء؛ فَتُلْقون الذُّعر والرُّعب في قلوب الكِبار مِمَّن باعوا أنفسهم لـ "الأعداء"، وللمتربِّصين بـ "القلعة القومية الأخيرة" شَرَّاً؛ فتَقْطَعون دابرهم، وتَقْضُون على هذا الذي يُسَمُّونه "ثورةً!

إذا أردتم "الحقيقة"، فابحثوا عنها؛ لكنَّكم لن تجدوها إلاَّ إذا بَحَثْتُم عنها في جُثَث هؤلاء الأطفال؛ فإنَّهم (وهذا الأمر ليس من قبيل المصادفة) أطفالٌ لعائلات بريئة من "تُهمة" الانتماء (العملي) إلى "الثورة"، وإلى ممارسي العداء لنظام الحُكْم؛ فلو كانوا غير ذلك لشَقَّ على مُرْتِكب المجزرة أنْ يَبْلُغ غايته (أيْ "الحقيقة" الكامنة في جُثَث الأطفال المذبوحين ذبحاً) وهي إشعال فتيل حرب أهلية من النوع الذي قد يُلْبِس نظام الحُكْم "العاري" في صراعه من أجل البقاء "دِرْعاً شعبية"، فيغدو مع فئة واسعة من المواطنين في مَرْكَبٍ واحد تتقاذفه الأمواج؛ فإمَّا النجاة معاً، وإمَّا الغرق معاً!

وإذا أردتم حُسْنَ الظَّنِّ، لا سوءه، وسلامة التفكير، لا خطله، فإيَّاكم أنْ تتَّهِموا "الباب العالي"، شخصياً، بارتكاب مجزرة "الحولة"؛ فلو اتَّهمتموه لاتَّهَمْتُكم بالجهل بالمعنى الحقيقي لـ "الدكتاتور (المثالي)"؛ فـ "حُكْم الفَرْد"، إنَّما هو، بمعناه الحقيقي، انفراد الحاكِم بالقرار والرأي والتفكير؛ أمَّا "التنفيذ" فيَتْرُكه، وينبغي له أنْ يَتْرُكه، لغيره؛ فـ "الدكتاتور" يُفكِّر ويرتئي ويُقرِّر؛ و"الحقيقة"، في عُرْف بطانته، إنَّما هي ما يُفكِّر فيه وليِّ أمرهم الآن؛ فإذا تفتَّق ذهنه عن "الفكرة"، ولو كانت "فكرة المجزرة"، تَرَكَ لمرؤوسيه، وما أكثرهم، شَرَف "تنفيذها"!

أحد الأطفال من أقربائي شاهد "المجزرة"؛ فقادته رغبته في عدم تصديق ما رأى إلى أنْ يسألني السؤال الآتي: افْتَرِضْ أنَّ "الرئيس" بريء منها، أيْ من هذه المجزرة، ومن كل ما ارتُكِب من جرائم قَتْلٍ في حقِّ المدنيين العُزَّل من مواطنيه، وأنَّ المستقبل جاء بما يقيم الدليل على براءته؛ فهل تَقْبَلون، عندئذٍ، بقاءه رئيساً للبلاد؟

أجبته قائلاً: إنَّ في سؤالكَ يَكْمُن الجواب؛ فلو ثَبُتَت براءته، وثَبُتَ، من ثمَّ، أنَّه كان كالزَّوْج المخدوع، أيْ آخر من يَعْلَم، فلا بدَّ، عندئذٍ، من خلعه، ومحاكمته بتهمة العجز عن أنْ يكون رئيساً.

الجواب لم يروِ ظمأه إلى "حقيقة يَسْهُل عليه تصديقها"؛ فمفهوم الحاكم الذي حفظه عن ظهر قلب لا يجعله يُصدِّق أنَّ مجزرة كمجزرة "الحولة" يمكن أنْ تكون "أسلوباً في الحُكْم"؛ فتساءل قائلاً: أليس المُتَّهَم بريئاً إلى أنْ تَثْبُت إدانته؟

أجبته قائلاً: إلاَّ حيث تُحْكَم شعوبنا حُكْماً دكتاتورياً؛ فإنَّ من السِّمات الجوهرية للحُكْم الدكتاتوري العربي أنَّ رأسه، وإذا ما حُوكِمَ محاكمةً "عادلة، نزيهةً، موضوعية"، لن يُدان، إذا ما دِين، إلاَّ بارتكاب "جريمة" من قبيل أنَّه قد عَيَّن أحد أقربائه، في طريقة غير قانونية، رئيساً لأحد النوادي الرياضية؛ أمَّا الجرائم الجرائم فإنَّ أحداً غير الله السميع البصير العليم.. لا يملك دليلاً على إدانته بارتكابها؛ وإلاَّ كيف له أنْ يكون "الدكتاتور المثالي"؟

معظم المجتمع الدولي اتَّهَمَهُ بارتكاب مجزرة "الحولة"؛ ولسوف ألغي عقلي، وأُصدِّق أنَّ معظم المجتمع الدولي يناصبه العداء لسبب اسْتَغْلَقَت عليَّ معرفته؛ فلماذا لم تتجشَّم موسكو وبكين وطهران مهمة "التحقيق (الدولي) المستقل" في المجزرة؛ فإنَّ أسلوب تبرئة هؤلاء لساحته هو أمْرٌ يُذْكي من فضولي؟

قد يُدْهشني هذا الإصرار على تصوير معظم المجتمع الدولي على أنَّه مجبولٌ على "العداء" لـ "القلعة"، و"حاميها"؛ لكن ما يُدْهشني فعلاً هو "الإصرار الآخر"، ألا وهو إصرار "أهل القلعة" على عدم الزَّج باسم إسرائيل، العدو القومي الأوَّل للعرب، في "الرواية الرسمية"؛ فـ "العصابات الإرهابية المسلَّحة" تلقى التمويل والتدريب والتسليح والدعم والتأييد من "الأعداء الكونيين جميعاً" إلاَّ من إسرائيل؛ فلماذا؟

جواد البشيتي